بين الخيانة.. وواقع التسليم …مؤيد رشيد

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 18 أكتوبر 2017 - 7:14 مساءً
بين الخيانة.. وواقع التسليم …مؤيد رشيد

لا بدّ لكل القوى الفاعلة على الساحة الكوردية أن تتحمل مسؤوليتها السياسية والتاريخية لما حدث في كوردستان قبل وخلال وبعد عملية الاستفتاء على الإستقلال، ويبقى الطرف البريء والوحيد وصاحب المصداقية هو الشعب الكوردي، حيث سيبقى طويلاً في الذاكرة المشهد الحضاري الذي قدمه للعالم من خلال رغبته الجارفة والحقيقية في تقرير مصيره، فهو لم يذهب إلى الاستفتاء مدفوعاً من قبل أحزاب أو قيادات أو لأجل مصالح وأجندات، ولكنه عبر عن أمل طال انتظاره وحلم كان ولا يزال يرجو تحقيقه بطرق سلمية متحضرة، فالشعوب ليس يعنيها تضارب مصالح الساسة والسياسة، فهذه لعبة ومستنقع هم عنه بعيدون، بل هي تعبر عن نفسها بعفوية وقوة، وهو ما حصل، والذي يذكرنا بالمشهد العظيم للشعب المصري حين خرج بالملايين في ثورته التي أبهرت العالم ضد هيمنة حكم الإخوان المسلمين.

وكما عبَّرَ الشعب الكوردي عن فرحته العظيمة وبأشكال أعطت للفرح والسعادة والغبطة معاني ومظاهر ملونة أذهلت العالم، فذلك الشعب العظيم من حقه أن يعبر عن مدى حزنه وألمه وبعمق من واقع الصدمة التي تلقاها على غير توقع، الكورد كلهم دون استثناء الذين يعيشون داخل الوطن والمغتربون منهم خارج الأوطان، كان وقع الصدمة والذهول والحزن كبيراً على وجوههم من خلال دموعهم وصمتهم وغضبهم أكبر وأكثر عمقاً من أن يوصف.

يذهب الكثير من المحليين دولياً وإقليمياً إلى أن استفتاء إقليم كوردستان الذي جرى في 25 سبتمبر 2017 كان مغامرة غير محسوبة من نواح عديدة، منها التوقيت والظرف التاريخي والمتغيرات الدولية والإقليمية والفوضى الضاربة في المنطقة، من خلال كثرة اللاعبين الفاعلين فيها وتشابك مصالحهم وازدواجية مواقفهم، وتضارب أهدافهم وتقاطع سياساتهم في التعاطي معها في عدد من البلاد العربية القريبة بما فيها العراق، يضاف إليها عامل أكثر أهمية وأكبر خطورة، وهو رفض دول الجوار لمثل هذه الخطوة وما تحمله من مخاطر انتقال رياح التغيير إليها، وبما لا يتناسب مع أمنهم الوطني، وكل حسب رؤيته.

لم يكن متوقعاً لدى قيادات الإقليم أن تكون ردود الفعل إقليمياً ودولياً بمثل هذه اللامبالاة والسلبية تجاه الاستفتاء ونتائجه وتداعياته، حين تعامل العالم معه بفوقية وجعلوا بينهم وبين التعاطي معه مسافة ليست قريبة، واعتبروه شأناً عراقياً داخلياً يمكن معالجته مع ما يتفق مع أحكام الدستور الذي شارك الكورد في إعداده وصياغته وكتابته بتوافق كل مكونات العملية السياسية، والتي كانت كلها تحت رعاية أمريكية إيرانية بامتياز.

الموقف العربي ربما كان مستغرباً عند البعض تجاه الاستفتاء، ولكنه في حقيقته يتبنى ويدعو دوماً إلى وحدة الأراضي العربية في سوريا وليبيا واليمن ورفضه للتجزئة والتقسيم، ومن خلال مبدأ عدم التدخل واحترام السيادة، ولا يستطيع أن يخالف ذلك التوجه بما يتلائم مع رغبات الإقليم في الاستقلال، كما أن الموقف الخليجي وبعد الأزمة القطرية وخروجها عن وحدة الصف الخليجي وتداعيات تلك الأزمة التي شغلت العالم ولا تزال، جعلته يقف بجانب وحدة العراق للحفاظ على الخارطة الجيوسياسية التي تمر بمرحلة تفكك وتشرذم تاريخية خطيرة تعدت العراق إلى بلاد مجاورة، كنتيجة حتمية لتمدد النفوذ الإيراني وهيمنته، يضاف إلى ذلك عامل أكبر أهمية وأكثر خطورة وهو سياسة الاحتواء ومدُّ الجسور التي تحاول أن تنتهجها دول الخليج العربي ومصر والأردن ودول عربية أخرى، لعودة علاقاتها مع العراق اقتصادياً وثقافياً وسياسياً لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات والتواصل، في مسعى لعودة العراق إلى الصف العربي كونه بلد مؤسس في الجامعة العربية، ولوصل ما انقطع من علاقات تاريخية مشتركة، وكل هذا هدفة عدم ترك العراق وحيداً أمام التمدد والنفوذ الإيراني الذي طال أكثر مما ينبغي، من خلال سياسة أكثر حكمة تهدف إلى خلق توازنات أكثر جدية وفاعلية لمواجهته.

القيادات الكوردية وعبر تاريخها النضالي الطويل لم تعطي أهمية كبيرة للدور العربي من خلال توجيه الخطاب الكوردي له وبلغة يفهمها، وهو دور خطير تخلى عنه الكورد وبالمجان، في حين تنبهت إلى أهمية خطورة هذا الدور الإعلامي والسياسي بقية الدول على مستوى الإقليم والعالم، لكسب الرأي والتعبئة لقضاياها وسياساتها من خلال قنواتها الإعلامية والتي خصصتها باللغة العربية، في حين كان الخطاب الكوردي موجهاً للكورد وبلغتهم فقط وكأنهم يخاطبون أنفسهم ويعيشون في جزر معزولة وبمعزل عن العالم، وهذا أمر لا بدّ من معالجته ومن دون تردد أو تأخير، فالآخرون دخلوا هذا السباق وراهنوا عليه مبكرين.

الموقف الأمريكي والغربي عموماً لم يبتعد كثيراً عن المواقف الإقليمية، كتركيا وإيران، ولكن من غير تشدد وتشنج، ونأى بنفسه عن الصراع الذي كان سبباً مباشراً فيه، من خلال ما صار إليه الوضع السياسي في العراق، وموقفه “السلبي” هذا هو الذي حسم الأمر في النهاية وشجع إيران من خلال مليشياتها لإنهاء الموقف الملتبس عليها نتيجة الاستفتاء لصالحها، والذي اتخذته حجة وذريعة لإعادة كركوك الغنية إلى سيطرتها، وتحت رعاية أمريكية غربية روسية ساكنة وساكتة وصمت مريب وبسلاح أمريكي، وربما ستمثل كركوك مستقبلاً مفصلاً جغرافياً مهماً على طريق يربط بين الشرق والغرب نحو البحر المتوسط وما يحمله معه شرقاً وغرباً من ثروات.

أمريكا وكما هو معروف وبرغم تعاطفها مع الكورد منذ ربع قرن من خلال فرضها مناطق حظر الطيران، والتي كرست استقلالاً وحكماً ذاتياً للإقليم جعلته على طريق التنمية والبناء، إلا أنها وعلى الجانب الآخر تربطها علاقات تاريخية مع إيران منذ إسقاط الشاه والتخلص منه والمجيء بالخميني على متن طائرة فرنسية بعد تحضير المشهد الداخلي وتهيئته لاستقبال الوافد الجديد، لقد كرست كل الإدارات الأمريكية المتعاقية ومنذ بوش الأب وكلينتون وبوش الصغير وأوباما، التمدد والنفوذ الإيراني ليأخذ وضعه وشكله الحالي وما نحن عليه، حتى انتهى إلى ما انتهى إليه من الاتفاق النووي 2015 .

العداء الغربي والأمريكي لإيران هو عداء يأخذ شكلاً خطابياً دوماً، ولا يتعدى حدود الكلام، ورغم الهجوم العنيف الذي تشنه إدارة ترامب الحالية، والذي يفسره الكثيرون بالتغيّر اللافت لنهج الإدارة الأمريكية في موقفها وتعاطيها مع إيران، إلا أنه ما زال لم يتعد حدود التهديدات والخطاب الحماسي لجذب التعاطف العربي، ولا أتصور أنه سيتجاوزها، من هنا نستطيع استقراء وتحليل الموقف الغربي والأمريكي تجاه إيران والقرار السياسي العراقي المرتبط بها والمرتهن لصالحها كمحصلة ونتيجة طبيعية، وهو أمر لا ينكره أحد ولا يخفيه ولا يتبرأ منه، بل أصبح الكثيرون يجاهرون فخراً به، الموقف الأمريكي برّر سلوكه هذا من خلال تركيزه على أهمية دوره في مكافحة الإرهاب والقضاء على تمدده كأولوية تشغل جهده مع التحالف الدولي، معتبراً أن الاستفتاء شأناً عراقياً داخلياً، وهو ما يبين الانتقائية والازدواجية في تعاملهم وتعاطيهم مع الأزمات كمنهج ثابت في سياستهم الخارجية.

على الجانب العراقي فالبلاد وكما هو معلوم تمر بأزمة اقتصادية ومالية كبيرة وخطيرة، مما اضطرها للاقتراض من مؤسسات مالية دولية، وأسباب ذلك كثيرة وكبيرة ومتشعبة وليست بخافية على الشعب، ومن هذا المنطلق فكركوك تمثل تحدياً كبيراً على الجانب الاقتصادي لما تمتلكه من ثروات، إضافة إلى الاعتبارات السياسية الأخرى، فكركوك هي مفصل عقدي تاريخي جغرافي سياسي واقتصادي مهم عبر تاريخ العراق ومنذ سقوط الملكية، وتعرضت لمحاولات عديدة لتغيير هويتها وطابعها الديموغرافي، وكل تلك المحاولات ظلت مجرد محاولات من أجل إثبات هويتها التاريخية وتبعيتها المترنحة.

ولكن وفي خضم الحديث اليوم عن تداعيات الموقف يجب أن لا ننسى الخلاف الكوردي الكوردي الذي رافق القضية الكوردية عقوداً طويلة وعلى امتداد تاريخها، وتباين علاقات الأحزاب والمكونات السياسية الكوردية مع جوارها أعطى فرصة كبيرة لتلك الدول لاختراق لحمتها وبثِّ بذور الفرقة والفتنة والشقاق بينها، وهو أمر الحديث فيه ذو شجون وطويل ويطول، والتاريخ خير شاهد على تداعياته، وخير دليل وشاهد ما حدث ويحدث اليوم من اختلاف وتباين في التعاطي مع الأزمة بين المكونات السياسية المختلفة والتي أفرزت واقعاً جديداً سنشهد تداعياته، وكانت بدايته من كركوك.

ولكن الرهان السياسي من قبل القيادات والأحزاب والأجنحة الكوردية وعلى طرفي المعادلة أو جنبات أطرافها المختلفة، كانت تراهن دوماً على أن الكورد يختلفون فيما بينهم وفيما يخص إدارة شؤونهم داخل الإقليم، ولكنهم يقفون صفاً واحداً تجاه أي تهديد قومي يمس مصالحهم المشتركة كشعب تربطه روابط قومية واحدة.

ولكنهم مع الأسف خسروا هذا الرهان والذي سقط في أول اختبار تاريخي ومواجهة حقيقية، وهو ما سيذكره التاريخ دوماً ولن ينساه لهم كخطيئة كبرى، لأنه كان في حقيقته “خلافاً على الوطن وليس لأجله” وهنا الطامة الكبرى.

اليوم هو سوق لسَوق المبررات ولكل الأطراف، ومن حق كل طرف أن يُسَّوق لمبرراته ويسوقها كما يرى أنها صواب، أو الصواب والخيار الوحيد والأمثل، والتي على أساسها اتخذ كل طرف ما يراه مناسباً له تجاه الأزمة، وربما هو أمر محمود وصحي كبداية لأجل الحوار، خصوصاً بعد أن حدث ما حدث وأصبح من الماضي ولا بدَّ من اعتباره كذلك للمضي إلى الأمام، وعسى أن يكون درساً للأجيال القادمة، ولكن يبقى تبادل الاتهامات والتخوين وبغض النظر عن حقيقتها واستحقاقاتها على الأرض، ستصب في صالح المتربصين وستزيد الشق بين كل الأطراف، ولا بدَّ من دعوات للتهدئة والحوار وقبول الآخر ولتكون من مواقف الجوار ودول الجوار عبرة وعظة، والشعب الكوردي يعي حقيقة كل ما جرى وما يدور من حوله وفهم الدرس جيداً، فالمهم اليوم هو المحافظة على كل المكتسبات التي حصل عليها منذ ربع قرن، وتكريسها واستكمال مسيرته في البناء والاعمار وتعزيز الاستقلال والحكم الذاتي لأجل المزيد من الأمن والاستقرار.

ومن كل هذا لا بدَّ من البحث عن الجوانب الإيجابية من خلال كل ما حدث، وخلقها وتصورها حتى وإن لم توجد، بهدف العبور وتجاوز الأزمة، سواء كانت خيانة أم مؤامرة أم تسليماً واستسلاماً .. “لقد قدر الله وما شاء فعل” إن حقن الدماء وعدم الاقتتال، والحفاظ على أرواح الناس وممتلكاتهم وكرامتهم، هو أمر لا بدَّ أن يكون له أهمية كبيرة كبديل “مفروض” عن الخيبة والصدمة التي أصابت الكثيرين.

وفي هذا السياق ومن هذا المفهوم، يجب أن لا يغيب عن الشعب الكوردي العظيم، ومن خلال التجارب السابقة التي أدت إلى نتائج كارثية دفع ثمنها ولا يزال إخوانهم العرب وما جرى لهم في محافظات الأنبار وصلاح الدين والموصل، والكل يعلم ما حلَّ بهم من كوارث إنسانية، والتي كان الإقليم وما يزال حاضراً فيها من خلال استيعابهم واحتضانهم سواء كانوا ضيوفاً أم لاجئين أم مشردين.

ورغم كل هذا وذاك، يبقى البريء الوحيد والذي يحمل مفاتيح المصداقية في مجمل المشهد هو الشعب الكوردي، والذي يمثل نسيجاً متناغماً ومتآلفاً عبر تاريخه وجغرافيته الممتدة من قمم جباله إلى وديانه وسهوله وقراه ومدنه وقصباته شعباً واحداً، عبَّر بصدق وإخلاص وبرقي نابع من تراثه وثقافته ومخزونة القيمي والأخلاقي الثري وبشكل مسالم ومتحضر عن تطلعاته بعيداً عن مستنقع السياسة والحسابات، وهو يبقى حق تاريخي وأزلي لكل الشعوب ودونما استثناء.

رابط مختصر