بعد هزيمة “داعش” وتواصل سياسة التهميش.. ما خيارات سنّة العراق؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 18 أكتوبر 2017 - 7:17 مساءً
بعد هزيمة “داعش” وتواصل سياسة التهميش.. ما خيارات سنّة العراق؟

تقف دولة العراق اليوم على أعتاب مرحلة جديدة بعد حربها ضد تنظيم الدولة ودحره، في ظل صراعات طائفية، ووسط تساؤلات عن خيارات السنّة بعد إقصائهم بالساحة السياسية والعسكرية، وبروز خلافات أخرى لم يُسمع فيها الصوت السنّي.

وبعد أن كانت الأهمية الكبرى تكمن في الانتصار على تنظيم الدولة، بات الانتصار الحقيقي لا يقتصر على هزيمة “داعش” فحسب، وإنما بإصلاح النظام السياسي في العراق، حتى تستقر البلاد، حسبما تشير صحيفة “الواشنطن بوست” الأمريكية بمقال لها في 17 أكتوبر الحالي.

القادة العراقيون والتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، تجاهلوا التحذيرات التي أكدت أن الانقسامات على الأراضي والسلطة السياسية بين المجموعات العرقية، ستؤدي إلى صراع أهلي بعد هزيمة “داعش”، وفق الصحيفة.

– السنّة بعد “داعش”

وعن خيارات العرب السنّة في العراق بعد دحر التنظيم، قال حسام بوتاني، رئيس مركز صنْع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية، لـ”الخليج أونلاين”: إن “الخيار الأول يكمن في أن يقبلوا التفاوض مع إيران وأن يتجاوبوا معها، ما يحقق لها النفوذ، وهذا يشكّل خطراً وتهديداً على السنّة”.

وبات العراق على المحك، في مرحلة مفصلية ترسم ملامح أيامه المقبلة؛ فإما أن تعيده للطائفية، وإما أن تصلح أوضاعه السياسية، وسط رغبة إيرانية في السيطرة على بعض المناطق.

أما الخيار الثاني وفق بوتاني، فهو في “اللعب على اتفاقات إقليمية ودولية، وكان هناك مؤتمر برعاية تركيا وقطر والأردن والسعودية والإمارات، في أنقرة (8 مارس)، تمخّض عنه التحالف الوطني للقوى العراقية، الذي من المفترض أن يضم قوى السنّة”، لكن الأزمة الخليجية والتوتر السياسي في العراق غيّبا تطور نشاط ذلك التحالف.

من جهته، يرى الكاتب والباحث العراقي عامر الكبيسي، في حديثه لـ”الخليج أونلاين”، أن “الكُرة أصبحت بملعب الحكومة العراقية، فإن كانت جادة بتحقيق المطالب والتعامل مع العرب السنّة بإنسانية وكرامة دون تمييز طائفي، عندها تكون فرصة انتعاش أي فكر متطرف ضعيفة، أما إن عادت للتشدد فإن الوضع مرشح لاندلاع صراعات غير نهائية”.

استقرار العراق يتحقق، وفق الكبيسي، “متى ما حصلت إرادة حقيقية وابتعدت الحكومة العراقية عن الإرادات الخارجية التي تضغط عليها، وربما الأمر يحتاج لوقت طويل من سنتين إلى ثلاث سنوات”.

ولكن الباحث العراقي يرى أنه “إذا استمرت الحكومة في تعاملها مع مناطق السنّة بالنسق ذاته، فستظهر صورة أسوأ من داعش، ومثلما ظهر تنظيم القاعدة سابقاً؛ إذ لم تتعامل الحكومة العراقية حينها بصورة جيدة”.

– ضعف وإقصاء للسنّة

ولكن، كيف كان العراق قبل نشوء تنظيم الدولة، وسيطرته على مدن عراقية؟ وما دور الحكومة حينها؟

العديد من الأسباب أسهمت في ظهور “داعش”، ومعظمها يرجع إلى “الأداء الحكومي الطائفي لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي”، وفق الكبيسي الذي بيّن أن “سياسات الحكومة غذّت ظهور التنظيم، والكثير ممن التحقوا به لم يكونوا مقتنعين بفكره، ولكنهم عاشوا أزمة فكرية ونفسية مما آلت إليه مناطقهم؛ ما دفعهم للالتحاق به”.

وأكد أن “العرب السنّة خرجوا في اعتصامات سلمية طالت لمدة عام، والحكومة تجاهلت مطالبهم ولم تفتح قنوات للحوار، وصعّدت ضدهم. عبارات طائفية كثيرة أطلقها المالكي، منها: إذا لم تنتهوا فسوف تُنهوا، بيننا وبينكم بحور من دماء، هذه معركة بين أحفاد الحسين وأحفاد يزيد؛ ما أجَّج الحالة الطائفية”.

كما تعرَّض السنّة في عهد المالكي لإقصاء واضطهاد مقصود، وجعلت الحكومة السنّة أقلية، وسط اتهامات لهم بأنهم احتضنوا مسلحين، وهذا ما لا يرغب العراقيون في إعادته خلال عهد العبادي.

الكبيسي بيّن لـ”الخليج أونلاين”، أن “العرب السنّة في المناطق التي خرج منها (داعش) يعيشون في أوضاع مرتبكة، كما أن بعض المدن لها أهمية استراتيجية في المشروع الإيراني، وهناك سعي لإفراغها من سكانها أو تغيير ديموغرافيتها؛ لتحقيق أهداف ومشاريع لطهران”.

وخلال الفترة التي سيطر فيها التنظيم على مدن عراقية، تغيرت الكثير من السياسات والمعايير. حيث يؤكد بوتاني لـ”الخليج أونلاين”، أنه “في مرحلة (داعش) أُضعف العرب السنّة، وهم الأضعف الآن، سواء في البرلمان أو بالعملية السياسية”.

– نزاع مع الشيعة

العراقيون يطمحون إلى أن تعود بلادهم لحالة نسبية من الاستقرار، وأن تُرفع كل دواعي الاحتقان. ولكن على الرغم من ذلك، فإن “هناك ممارسات في الكثير من مناطق السنّة تنمُّ عن حالة طائفية”، بحسب الكبيسي.

وهذا ما أكده بوتاني؛ إذ قال: إن “الطرف السياسي الشيعي يشعر بالتفوق على المستوى السياسي والعسكري؛ وهذا يؤدي به إلى عدم الاعتراف بحقوق العرب السنّة وغيرهم، ومن المتوقع أن يخلق ذلك استفزازات بحق السنّة بحكم وجوده في مناطقهم”. وبيّن أن “تصرفات (الحشد) في الأيام المقبلة ستدفع السنّة للنزاع مع الشيعة؛ ما يؤدي إلى حرب أهلية”.

– اندلاع صراع جديد

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، كان سيستثمر زخم الانتصار على التنظيم في حل الحشد الشعبي أو تقنينه ومحاولة إصلاح السياسات العراقية، إلا أن مؤشرات ذلك غابت خصوصاً وسط ظهور أزمة إقليم كردستان التي أبعدت رئيس الوزراء العراقي عن هذا الأمر.

ففي غضون أيام فقط من سقوط آخر المدن التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة، دخلت القوات العراقية والمليشيات الشيعية المتحالفة مدينة كركوك، مُنذرةً باندلاع صراع أهلي جديد.

– ترقّب لخطوات العبادي

ويراقب الجميع الآن الخطوة التالية للقوات العراقية تحت قيادة العبادي وقوات الحشد الشعبي التي تُتهم بأنها تأتمر بإمرة إيرانية، وسط أسئلة ما إن كانت ستقبل التفاوض مع الأكراد أو أنها تمضي قدماً في سيطرتها على كركوك والمناطق الأخرى التي ما زالت تحت سيطرة الأكراد؟

رئيس الإقليم الكردي مسعود بارزاني، أصرَّ على إجراء الاستفتاء في 25 سبتمبر الماضي، على الرغم من رفض حكومة العبادي إجراءه، ومعارضة أمريكا التي تُعتبر أقرب الحلفاء لبارزاني.

والآن بعد أزمة الاستفتاء، قال بوتاني لـ”الخليج أونلاين”: إن “العرب السنّة يجدون أنفسهم أضعف، فهم لا يعرفون أن يخسروا الحليف الكردي المتوقع، ولا جرأة لهم للوقوف في وجه إيران، هذا الأمر تعقَّد كثيراً، خصوصاً مع دخول القوات العراقية لكركوك؛ ما يؤدي إلى قلب كل الموازين”.

وتتنازع بغداد السيادة على محافظة كركوك، الغنية بالنفط، مع سلطات إقليم كردستان، على الرغم من أن الطرفين خاضا معاً معارك ضد تنظيم الدولة قبل أشهر، وأمر العبادي بتنفيذ عملية لاستعادة السيطرة على المناطق المتنازع عليها.

وسيطرت قوات البيشمركة على أغلب مناطق كركوك في عام 2014، بعدما اجتاح تنظيم الدولة شمالي العراق، وانهارت قوات الجيش العراقي أمام مسلحيه.

– خطى هادئة وفقدان للسيطرة

“حكومة العبادي تستمد قوتها فقط من الحليف الأمريكي”، وفق بوتاني الذي أكد لـ”الخليج أونلاين”، أن “هناك تعقيدات كبيرة جداً داخل البيت الشيعي، العبادي غير مسيطر على (الحشد)، وفي أزمة كركوك الأخيرة، حاول استثمار النجاحات التي قام بها في استعادة الموصل، وتعزز حضوره، ولكن هناك أطراف أقوى يقودها جناح (الحشد)، وهي متمثلة بالفصائل الشيعية التابعة للمالكي وخامنئي، ونسبتها كبيرة جداً”.

وبيَّن أن “هذا المحور قوي وله تحالف كبير في البرلمان، واستطاعت هذه التحالفات إحراج العبادي من خلال سحب الثقة من بعض الوزراء، كما أن هذه الكتلة متحكمة كثيراً في الأمن والمفوضية ومؤسسات الدولة الأخرى”، مشيراً إلى أن “الحكومة تسير بخطى هادئة نحو الإصلاح، لكن هذا لن يكون عاملاً حاسماً في الأيام المقبلة؛ لكون العبادي ليس بالرجل القوي”، متسائلاً: “إلى أي مدىً ممكن أن يصدَّ العبادي التصرفات التي تنتج عن (الحشد)؟”.

كلمات دليلية
رابط مختصر