التطورات شمال العراق تلقي بظلالها على أكراد سوريا

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 18 أكتوبر 2017 - 12:13 مساءً
التطورات شمال العراق تلقي بظلالها على أكراد سوريا

دمشق – ينظر أكراد سوريا بقلق إلى التطورات الأخيرة المتعلقة بمستقبل إقليم كردستان العراق، وخاصة بعد تدخل القوات العراقية المدعومة بتحالف الحشد الشعبي إلى محافظة كركوك واستعادة الأماكن الحيوية فيها.

ويعوّل الحراك الكردي السوري الذي يتقدمه حزب الاتحاد الديمقراطي على ما ستؤول إليه التطورات في شمال العراق، لا سيما وأن أكراد سوريا يعتبرون تجربة كردستان العراق مرجعاً للكيفية التي يمكن لأكراد المنطقة العبور منها نحو مستويات سياسية تعزز حقوقهم وتعترف بخصوصيتهم.

ولا يحتكر حزب الاتحاد الديمقراطي وقواته العسكرية المسماة “وحدات حماية الشعب” تمثيل الأكراد في سوريا، فهناك فصائل وتيارات أخرى تعارض توجهات الحزب وتعتبر نفسها جزءا من الشعب السوري وتطمح إلى دولة مدنية حديثة تأخذ بالاعتبار مصالح المواطن السوري بما في ذلك الأكراد منهم، وإن كانت تشجع على قيام نظام فيدرالي حديث. ويمثل هذا التوجه المجلس الوطني الممثل في “الائتلاف الوطني السوري” المعارض والقريب من رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني.

ويعترف أكراد حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا أنه، رغم الدعم الأميركي لهم وصمود هذا الدعم أمام الضغوط التي مارستها تركيا بصفتها شريكة أطلسية عريقة وحليفة تاريخية، واتساع الرقعة التي يسيطرون عليها في سوريا إلا أن شعاراتهم السياسية، لم ترق إلى مستويات المطالبة بكيان سياسي مستقل، وبقيت في حدود الاعتراف لهم بحكم ذاتي يندرج في إطار نظام فيدرالي يقوم على أنقاض النظام السياسي السوري الحالي الذي قوضته الحرب الداخلية منذ عام 2011.

ويؤكد الأكراد أن تحالفاتهم الميدانية غير الكردية، ولا سيما مع عشائر عربية داخل “قوات سوريا الديمقراطية”، تؤكد نزوعهم إلى فيدرالية غير عرقية تأخذ بالاعتبار مصالح كافة الأعراق والمذاهب في مناطقهم.

وكان الأكراد في سوريا قد أعلنوا في مارس 2016 عن قيام نظام فيدرالي في مناطق سيطرتهم في شمال البلاد. وأعلن حزب الاتحاد الديمقراطي في حينها عن “إقرار النظام الفيدرالي في روج آفا- شمال سوريا”، وتأسيس مجلس تأسيسي للنظام ونظام رئاسي مشترك.

الإجراء الكردي لم يحظ باعتراف النظام السوري الذي اعتبر أن “لا أساس قانونيا له”، كما لم تعترف به الولايات المتحدة التي رفضت أي تغيير داخلي لا ينتج عن اتفاق سياسي كامل في سوريا.

موقف النظام لم يقف حائلا أمام أكراد سوريا بقيادة الاتحاد الديمقراطي الذي عمل على تكريس الأمر الواقع ونظم انتخابات في 22 سبتمبر الماضي لانتخاب مجالس الأحياء التي تسمى محلياً بـ”الكومينات”، على أن تعقبها انتخابات الإدارات المحلية (انتخابات مجالس القرى، البلدات، والنواحي، والمقاطعات)، في الـ3 من شهر نوفمبر المقبل، كما حددت المفوضية العليا للانتخابات التابعة للإدارة الذاتية تاريخ 19 يناير العام المقبل، موعداً لإجراء انتخابات الأقاليم ومؤتمر الشعوب الديمقراطي (البرلمان) كأولى الخطوات الملموسة لتأسيس فيدرالية شمال سوريا.

وتفتخر أوساط كردية بأن الضغوط التي يتعرض لها إقليم كردستان العراق حالياً تحمل الماء إلى طاحونتهم من حيث “واقعية” أكراد سوريا وإدراكهم لمحدودية الأوراق الإقليمية والدولية المتوفرة للمغامرة بالقفز نحو المطالبة بدولة مستقلة.

وينقل عن مصدر كردي أن حراكهم في سوريا لم يحظ منذ ما قبل انطلاقته بعد انفجار الوضع في سوريا بما حظي به أكراد العراق تاريخيا من رعاية دولية وتعاون إقليمي.

ويضيف المصدر أن إقليم كردستان كان يحظى بوضع قانوني مستقل تعترف به بغداد دستوريا كما يعترف به العالم.

ويرى المصدر أن الإقليم العراقي كان يحظى بعلاقات متقدمة مع إيران وتركيا، وأن تلك العلاقات مع أنقرة وصلت إلى مستويات سياسية وأمنية واقتصادية استفزت المركز.

ويلفت أكراد سوريا إلى أنهم محرومون من الرعاية الإيرانية بحكم أن طهران تدعم نظام دمشق وتنظر بعين الريبة إلى تحالف الأكراد المتقدم مع الولايات المتحدة، فيما تعتبرهم أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني (بي كا كا) المصنف إرهابيا في تركيا.

وعلى هذا يبني الأكراد أجندتهم على ما يمكن إنجازه في سوريا وضمن أي تسوية مقبلة على الرغم من عدم انخراطهم في العملية السياسية لجنيف وعدم التحاقهم بالعمليات التصالحية التي تشرف عليها موسكو بين دمشق ومناطق المعارضة في سوريا.

وتنفي مصادر كردية سورية أن يكون رد فعل بغداد وأنقرة وطهران على مسألة استفتاء كردستان العراق قد وضع حداً لطموحاتهم، ويعتبرون أن الخيارات التي ينتهجونها لا تتأثر بتطور وضع الأكراد في العراق.

ويقول في هذا السياق هوشنك حسن إعلامي مختص بالشأن الكردي لـ”العرب”، “إن أكراد سوريا في وضع مطمئن نسبيا لجهة أنهم لم يضعوا كل بيضهم في سلة الأميركيين بل كانوا ولا يزالون منفتحين على الروس وغيرهم من القوى الفاعلة، وهم يطرحون مشروع إقامة فيدرالية سورية وليس انفصالا”.

ورغم أن بعض الجهات الكردية السورية تعتبر أن نجاح كردستان العراق في تحقيق الاستقلال كان سينتج مفاعيل عدوى لدى أكراد سوريا كما أكراد تركيا وإيران، إلا أنهم لم يراهنوا يوماً على ذلك، خصوصا وأن خلافا عميقا يفصل بين الرؤية التي تعامل بها إقليم كردستان العراق برئاسة مسعود البرزاني مع حراكهم في سوريا، كما الخلاف بينه وبين حزب العمال الكردستاني في تركيا والذي يعتبر المرجع الأساس لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا.

وتعتقد مصادر كردية أن القواعد الجيوستراتيجية التي ستنتج عن واقع التطور الأخير في كركوك كما عن مروحة العقوبات التي تفرضها بغداد وأنقرة وطهران، فضلا عن حالة الانقسام القديم الجديد بين أربيل والسليمانية، ستحدد هامش المناورة الذي يمكن لأكراد سوريا التحرك داخله.

وتلفت المصادر إلى أن الترتيبات الروسية التركية في شمال سوريا، ولا سيما تلك المتعلقة بإدلب، قد تعرقل طموح الأكراد في السيطرة على شريط بري متواصل على حدود السورية التركية يربط أقاليم الإدارات الذاتية الكردية الثلاث من الجزيرة في شمال شرقي سوريا وقرب كردستان العراق إلى عين العرب (كوباني) وعفرين قرب حدود تركيا، لكن هذه المصادر تقول إن العالم لا بد أن يعترف بالأمر الواقع الذي فرضه الأكراد بدعم ورعاية غربية.

ويدرك أكراد الـ”ب. ي. د.” أن الدعم الأميركي لهم مرتبط بالحرب ضد داعش وأن انتهاء الحرب قد يعيد تعريف هذا التحالف. ورغم عدم تعويل أكراد سوريا على دعم أميركي غير مشروط، إلا أنهم يرون أن القواعد العسكرية الأميركية، التي يبدو أنها ستبقى في المناطق التي يسيطرون عليها، ستسهر على حمايتهم سياسيا داخل أي تسوية مستقبلية للأزمة السورية.

وجدير بالذكر أن قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها وحدات الشعب الكردي قد نجحت وبدعم من التحالف الدولي في إنهاء وجود عناصر داعش من أرض “الخلافة” بالرقة الثلاثاء. وستصبح هذه المدينة كما الجزء الأكبر من المحافظة بيد الأكراد، الذين خطوا بهذا الفوز خطوة جديدة نحو تعزيز نفوذهم في شمال سوريا وشرقها.

ويشدد الخبير السياسي هوشنك حسن أن المشروع الكردي في سوريا سائر نحو التحقق، ولكن هذا لا يعني عدم أخذ الأحداث في العراق بعين الاعتبار وأن يكون أكراد سوريا جاهزين لكل الاحتمالات.

رابط مختصر