تداعيات استفتاء كردستان العراق على تركيا وإيران؟ … عقيل سعيد محفوض

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 8 أكتوبر 2017 - 11:04 صباحًا
تداعيات استفتاء كردستان العراق على تركيا وإيران؟ … عقيل سعيد محفوض

يسرد بيرسي كوكس الحاكم البريطاني للعراق في مذكّراته قصّة ذات دلالة، يقول إنه عندما شرح في العام 1921 لملك العراق المقبل (فيصل) تصوّره لشكل المنطقة: دولة كردية شمالاً، ودولة كردية جنوباً، ودولة عراقية (لعرب العراق). اعترض فيصل بدبلوماسية قائلاً: “أنت تعطيني دولةً مُحاطة بالأعداء”
قالت بغداد إن الاستفتاء الذي أجرته سلطة مسعود برزاني هو “غير ذي صفة” و”غير شرعي”، وأن برزاني نفسه هو الآن (وفق قوانين الإقليم) رئيس غير شرعي. غير أن بغداد لا تستطيع أن تحتوي بمفردها حدثاً من هذا النوع؛ ولو كانت قوية ومستقرذة بما يكفي لما كان للاستفتاء أن يجري. كما أن الاستفتاء ليس قراراً كردياً محضاً. غير أن الأمر لا يتعلّق ببغداد، بقدر ما يتعلّق بأهم قوّتين كان لهما على مدى التاريخ تأثير مُقرِّر في المجال الكردي، وهما إيران وتركيا، إلى أن جاء التغلغل الغربي ليعلب دوراً رئيساً في رسم حدود وخرائط الدول وأشباه الدول في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى. وقد مرّ قطار الدولة على المنطقة من دون أن يتوقّف عند الكرد.
يسرد بيرسي كوكس الحاكم البريطاني للعراق في مذكّراته قصّة ذات دلالة، يقول إنه عندما شرح في العام 1921 لملك العراق المقبل (فيصل) تصوّره لشكل المنطقة: دولة كردية شمالاً، ودولة كردية جنوباً، ودولة عراقية (لعرب العراق). اعترض فيصل بدبلوماسية قائلاً:
“أنت تعطيني دولةً مُحاطة بالأعداء. فثمة الترك شمالاً، وابن سعود جنوباً”. وأوضح فيصل أنه عربي سنّي (شافعي)، و”أن أغلبية عرب العراق من الشيعة؛ فإذا ذهب الأكراد في دولة، فسوف أجلس على عرش مملكة ذات أغلبية شيعية لن تستقيم لي”، فوافق كوكس على ذلك الرأي. وهكذا أصبح الكرد جزءاً من العراق، غير أن محاولاتهم لتغيير ذلك لم تهدأ منذئذ.
ذكرنا أن أكثر فاعليَن لديهما خبرة بالكرد هما إيران وتركيا، وبالمناسبة فقد لجأ إليهما مراراً مصطفى برزاني والد رئيس الإقليم مسعود برزاني، وعلى الرغم من اختلاف رهاناتهما ومنافساتهما، إلا أنهما واصلا تفاهمات قوية حول الكرد.
تركيا وإيران في “الهمّ الكردي” سواء، ويدركان أن الكرد بمثابة “كعب أخيل” لكل منهما، وأن الأمور تتجه أميركياً وإسرائيلياً لإعادة رسم السياسات والحدود والخرائط في المنطقة بدءاً من العراق، وخاصة بعد فشل مشروع “داعش” في “احتواء” حلف المقاومة في الإقليم، على حد تعبير علي أكبر ولايتي مستشار الشؤون الدولية لـ آية الله الخامنئي (الميادين، 26 أيلول/سبتمبر 2017)، وحيث يمكن للغرب وإسرائيل إدارة الصراع باستخدام عناوين وفواعل مركّبة، كانت مذهبية وطائفية مع “داعش” و”النصرة” وأشباههما، والآن هي عرقية مع الكرد. وقد لاحظ المتابعون احتفالات تل أبيب بالاستفتاء، وكيف أن إسرائيل كانت الوحيدة التي أيّدته علناً، فيما دعمته ومولّته دول مثل الإمارات، وكان موقف واشنطن أقرب لمقولة “يكاد المريب يقول خذوني”.
علينا أن نستدرك على ما عمّمنا فيه أعلاه، ذلك أن إيران وتركيا إزاء الموضوع الكردي ليسا سواء، صحيح أنهما تعدّان استقلال الكرد مصدر تهديد، إلا أن طبيعة التهديد مختلفة بالنسبة لكل منهما، ذلك أن استهدافه القريب والمديد هو إيران، صحيح أن تركيا ضمن دائرة الاستهداف، لكنها لا تمثّل أولوية، وقد تكون لديها تقديرات مختلفة.
كانت أنقرة هي العرّاب الرئيس للإقليم الكردي ضد بغداد، وها إن أردوغان يقول إن الكرد “يفتحون جرحاً في المنطقة ليزيدوا الوضع سوءاً”، وإن قواته يمكن أن تصل أربيل “في ليلة ليس فيها قمر” على حد تعبيره. مضيفاً إن “قرار الاستفتاء هذا الذي اتّخذ من دون أية مشاورات يُعدّ خيانة”. (الميادين، 26 أيلول/سبتمبر 2017). فهل يعني أردوغان ما يقول؟
من الصعب أن يقدم البرزاني على فعل من هذا النوع من دون أن “يتراسل” معه، وهو حليفه، وبوابته على العالم، وليس في وارد إزعاجه، فكيف إغضابه أو الإقدام على ما يهدّد أمن بلاده القومي. وعلى قاعدة أن سوء الظن من حُسن الفطن، فقد يكون من المناسب التدقيق في تقديرات أخرى، وخاصة ما ظهر في الإعلام الموالي لـ أردوغان، من أن الاستقلال المُحتمل للإقليم الكردي في شمال العراق ليس شراً بالتمام.
وقد أعادت وسائط الميديا تسليط الضوء على تصريحات سابقة لـ ييغيت بلوط كبير مستشاري أردوغان يقول فيها “إن تركيا ستتوسّع، وإن شمال العراق سيشهد خلال السنة أو السنتين القادمتين إقامة استفتاء، وسيتم اتخاذ قرار بالانضمام إلى تركيا”. (زمان، 24 أيلول/سبتمبر 2017). طبعاً الأمور أكثر تعقيداً، لكنها ممكنة، ذلك أن توافق الإرادات والرهانات يمكن أن يفعل الكثير، فهو يُقرِّبُ البعيد، ويُبعِّدُ القريب، ويقلب التهديد فرصة، والفرصة تهديداً، فمن كان يتصوّر أن تظهر “داعش” مثلاً بالطريقة وبالسرعة التي ظهرت فيها؟
وحتى لا نذهب بعيداً في قراءة “المُضمَر” و”المَسكوت عنه” و”التآمري” في الرهانات الملازمة للاستفتاء، فإن التقدير الأكثر ترجيحاً، بل القريب من اليقين، هو أن الاستفتاء مقدمة لإعادة التفاوض على طبيعة العلاقة مع بغداد، بما يجعلها ضعيفة ومُجهدة، وساحة استنزاف لإيران وحلف المقاومة، بالتوازي مع تحريك ورقة المعارضة الإيرانية، الكردية وغير الكردية، وقد ظهرت مؤشّرات متزايدة على ذلك من جانب تل أبيب والرياض، وبالطبع واشنطن؛ ولدى أنقرة قابلية لأن تكون طرفاً مشاركاً أو متعاوناً في ذلك، طالما ضَمَنتْ مصالحها، وأَمِنَتْ ردّة الفعل الإيرانية.
الخطوة التالية للاستفتاء ليست بيد البرزاني، إنما هي بيد واشنطن وتل أبيب في المقام الأول، بشراكة تفاعلية وتنافسية معقّدة مع أنقرة وأطراف أخرى، ويتعلّق الأمر بصراعٍ مُحتدمٍ بين محاور وتحالفات معلومة الهوية والاتجاه لرسم ملامح النظام الإقليمي للمنطقة.
وللأسف يواصل الكرد دورهم التاريخي في أن يكونوا “ورقة” و”أداة” للصراع، وليس طرفاً كامل الأهلية والانتماء فيه. وكان واضحاً البعد الإقليمي والدولي للحدث الكردي، في كلام الأمين العام لحزب الله (1 تشرين الأول/أكتوبر الجاري) من أن الاستفتاء هو “مؤامرة أميركية-إسرائيلية”، وأن “التقسيم يعني أخذ المنطقة إلى حروب داخلية لا يعلم مداها ونهايتها إلا الله”.

رابط مختصر