أكراد العراق وعربه والتفكير من ‘خارج الصندوق’ …عريب الرنتاوي

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 13 سبتمبر 2017 - 8:34 مساءً
أكراد العراق وعربه والتفكير من ‘خارج الصندوق’ …عريب الرنتاوي

تبدو الأجندة العراقية لمرحلة “ما بعد داعش” مزدحمة بالتحديات والتهديدات، وسط اعتقاد راسخ في أوساط المراقبين بأن مستقبل العراق يتوقف على الكيفية التي ستتعامل بها مختلف الأطراف مع هذه التحديات والأخطار، وفي المقدمة منها حسم الخلاف بين العرب والكرد، حول العلاقة بين المركز والإقليم، ومصير الاستفتاء على تقرير المصير الذي يبدو أن رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني مصممٌ على إجرائه في الموعد المقرر في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر الجاري.

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من أكراد العراق، تتطلع للانفصال في دولة مستقلة، إلا أن أوساطاً كردية متزايدة، باتت تطالب بإرجاء الاستفتاء إلى موعد آخر، سعياً لامتصاص موجة الرفض الإقليمي (إيران وتركيا) وحل الخلافات مع المركز، والاستجابة للنداءات الدولية الواسعة المطالبة بتأجيله، وسط اعتقاد راسخ بأن استعجال رئيس الإقليم لإجراء الاستفتاء وإصراره على موقفه، إنما ينبع من مصالح شخصية وحزبية وعائلية، متعلقة أساساً برغبة النخبة الحاكمة في أربيل في الاحتفاظ بدور مهيمن على السلطة برغم انتهاء ولاية رئيس الإقليم وتعطيل الحياة البرلمانية منذ عامين تقريباً.

في المقابل، تُبدي الغالبية العربية (سنة وشيعة) رفضها للاستفتاء وتعارض انفصال إقليم كردستان، كما عبرت مكونات تركمانية ومسيحية عن رفضها إجراء الاستفتاء في مناطقها (كركوك، سهل نينوى) وهي من المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز.

إن حق الأكراد العراقيين في تقرير مصيرهم، يجب ألا يكون موضوع خلاف، فهذا حق أساسي كفلته المواثيق والشرائع الدولية، ويتغذى هذا الحق بالتوق الجامح لدى أكراد العراق بالانفصال في دولة وطنية مستقلة، فالهوية الوطنية الكردية لم تتبدد برغم انقسام الجغرافية الكردية وتوزعها على دول أربع، وهي حافظت على زخمها، برغم حملات “التعريب” و”الترهيب” التي مارستها نظم ديكتاتورية تعاقبت على حكم العراق، وبالأخص في سنوات حكم الرئيس الراحل صدام حسين، الذي شن أوسع حملات “التعريب” و”الإبادة الجماعية” ضد الأكراد في مناطقهم.

وطوال مرحلة “المد القومي” في العراق والمنطقة، عانى الأكراد العراقيون كغيرهم من الأقليات القومية والعرقية، من هيمنة النزعة “المركزية القومية العربية” البالغة حد “الشوفينية” التي تجاهلت حقوق ومصالح مختلف المكونات والأقليات المؤسسة للمجتمعات العربية… وفي السنوات الأخيرة، ومع تفشي “المد السلفي – الجهادي”، وتحول مناطق واسعة من العراق إلى ملاذ آمن للجماعات الجهادية، تعاظم إحساس الكرد بهويتهم، وتعززت ميول الانفصال لدى قطاعات متزايدة منهم، لتجنب التداعيات الخطرة للنزوع الإسلاموي الاستئصالي من جهة، وللحد من تأثيرات الانقسام المذهبي السني – الشيعي على مناطقهم من جهة ثانية.

إن الإقرار بحق الأكراد في تقرير مصيرهم، لا يعني أن ممارسة هذا الحق، يمكن أن تتم بالضد من إرادة غالبية العراقيين وفي مناخات إقليمية ودولية إما معادية أو غير متحمسة لتوقيت ممارسة هذا الحق، لذا فإن الحكمة تقتضي إبداء قدر من المرونة من قبل القيادات الكردية ومؤسسات صنع القرار في الإقليم … وفي مقابل هذه المرونة المطلوبة، يتعين على بغداد ألا تُبقي موقفها من مسألة “تقرير المصير” مبهمة وعائمة، وعليها بدل الاكتفاء بالتحذير والتهديد، أن تقترح على الأكراد جدولاً زمنياً أو خريطة طرق لانفصال سلمي وتوافقي، يأخذ بنظر الاعتبار أولويات الطرفين واحتياجاتهم ومصالحهم، بعيداً عن استعراض العضلات وتبادل الاتهامات والتهديدات.

وفي رحلة البحث عن مخارج وحلول توافقية، يتعين على الجانبين إعمال التفكير من “خارج الصندوق”، ومناقشة أفكار من نوع: “الحدود المرنة” بين الإقليم والعراق، وتحويل المناطق المتنازع عليها إلى “مناطق حرة ومفتوحة” يجري استثمارها والوصول إلى مواردها من قبل الجميع، وبطريقة عادلة، كما يمكن التفكير بصيغ ومعادلات لتوزيع الثروة بين المركز والإقليم، مع مراعاة العدالة في توزيع الدخل والثروة والسلطة على كل المكونات والأقليات التي تتشكل منها هذه المناطق.

وإذا كانت الصيغة “الفيدرالية” لم تعد كافية لإرضاء طموحات الأكراد الوطنية، فإن البحث في صيغة “كونفدرالية” بين المركز والإقليم، أمرٌ يمكن التعويل عليه لمعالجة العديد من القضايا المتنازع عليها، ولحفظ مصالح جميع العراقيين من جميع المكونات، سواء داخل الإقليم أو في العراق عموماً.

ولكي لا تكون ممارسة الأكراد لحقهم في “تقرير المصير”، سبباً ومدخلاً لتقسيم العراق وتشجيع مكونات أخرى على المطالبة بالانفصال، يتعين على العراق في مرحلة “ما بعد داعش”، إعادة النظر في قواعد وأسس العملية السياسية والنظام السياسي الذي أعقبت التغيير في العام 2003، فنظام المحاصصة الطائفية كان سبباً في انهيار مؤسسات الدولة وتفشي الفساد وشيوع التطرف وتفاقم خطر الإرهاب والتهديدات والتدخلات الأجنبية، كما أن غياب العدالة في المشاركة والتمثيل من قبل فئات عراقية وازنة، كان سبباً في توفير بيئات حاضنة للتطرف والإرهاب… وما ينطبق على النظام المركزي في بغداد، ينطبق بالقدر ذاته على النظام السياسي في الإقليم، الذي بدا لكثيرين أنه يتجه لإعادة إنتاج تجربة النظام البائد في بغداد، وسط تزايد الأنباء والتقارير عن سياسات وممارسات تستهدف المكونات العراقية في الإقليم ومحيطه، وأن ثمة ميولا نحو الديكتاتورية وحكم العائلة تتفشى في أوساط الفئات الحاكمة في الإقليم كذلك، وأن الانقسامات داخل الإقليم، تهدد بتشريع الأبواب أمام التدخلات الإقليمية والدولية في شؤونه، وتنذر بإعادة إنتاج سيناريو 1996 بأشكال جديدة، إن لم يجر تدارك الأمر، والتوجه من دون تردد نحو الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة والحكم الرشيد.

وإذ يحذر المتشائمون بمستقبل العلاقة بين المركز والإقليم من مغبة الانزلاق إلى سيناريو جنوب السودان، فإن المتفائلين يرجحون خيار تشيكوسلوفاكيا السابقة، وبين التفاؤل والتشاؤم، يتعين على العراقيين شق طريقهم الخاص، لا مكان في حركة الواقع والتاريخ لاستنساخ تجارب الآخرين، فالانفصال التوافقي أفضل بكثير من الوحدة القسرية، أما الانفصال المتأسس على فرضية أن العراق هو “رجل المنطقة المريض” فإنه سيؤسس حتماً، لموجات لاحقة من الصراعات والحروب، ومن شأنه أن يعصف بطرفي المعادلة في نهاية المطاف.

كلمات دليلية
رابط مختصر