الاستفتاء في إقليم كردستان العراق: مصير جنوب السودان أم الجبل الأسود؟ … عبد الحميد صيام

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 10 سبتمبر 2017 - 7:05 صباحًا
الاستفتاء في إقليم كردستان العراق: مصير جنوب السودان أم الجبل الأسود؟ … عبد الحميد صيام

في السابع من حزيران/يونيو الماضي دعا الزعيم الكردي مسعود بارزاني في اجتماع عقد في كركوك لكافة الأحزاب والتجمعات الكردية في العراق إلى إجراء استفتاء مؤجل على «حق تقرير المصير» أو إعلان الاستقلال يوم 25 من شهر أيلول/سبتمبر الحالي. رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، قال إن هذه الخطوة لا تخدم لا الأكراد ولا العراق وخاصة أن البلاد ما زالت تخوض حربا ضد تنظيم «الدولة» الإرهابي. دول الجوار، سوريا وتركيا وإيران أعلنت أنها لن تعترف بدولة كردية مستقلة تنفصل عن العراق. الولايات المتحدة بعثت بمندوبين إلى المنطقة وأعلنت أنها تؤثر التريث بينما يصل أمين عام الجامعة العربية، هوشار زيباري، وزير خارجية العراق السابق، قال إن الإقليم لا ينوي الانفصال الفوري عن العراق مجرد ظهور نتائج الاستفتاء، لكن الأمر الجلي أن القيادات الكردية لغاية كتابة هذا المقال ماضية في الاستعداد لتنظيم الاستفتاء في موعده دون الرضوخ لكافة الأصوات المناشدة للتأجيل أو الضغوطات. ومن المتوقع أن تكون النتيجة لصالح الانفصال/ الاستقلال وإنشاء دولة كردستان العراق التي ستدخل بعدها في معركة الإعتراف والقبول من دول الجوار والمجتمع الدولي. فما أمر هذه الدولة وهل ستحظى بالاعتراف الدولي وهل الاستفتاء منسجم مع شروط الإنفصال أم شروط الاستقلال؟ وهل سيكون مصير هذا الكيان أقرب إلى مصير جنوب السودان أم مصير مونتفيديو وجمهورية التشيك؟
حق تقرير المصير للشعب الكردي
لا أحد ينكر حقيقة ساطعة هي أن هناك شعبا مميزا ذا خصائص حضارية وثقافية ولغوية وتاريخية ويعيش عبر العصور في رقعة جغرافية موحدة تأثر بها وتأثرت به واجتاز عوادي الزمن وهو محافظ على تميزه عن بقية شعوب المنطقة التي تعامل معها وامتزج فيها سلما وحربا هو الشعب الكردي العريق والأصيل أحد مكونات الخريطة الديموغرافية في أربع مناطق متداخلة جعرافيا تمتد من جنوب شرق تركيا وشمال العراق وشمال غرب إيران وشمال شرق سوريا ويصل عدد السكان فيها إلى نحو 45 مليون نسمة غالبيتهم في تركيا ثم إيران ثم العراق ثم سوريا. وقد حاول الأكراد بدعم من بريطانيا إنشاء دولة عرارات عام 1927 لكنها لم تعمر طويلا ثم أعلنوا عن قيام دولة مهاباد بعد الحرب العالمية الثانية بتشجيع من ستالين لكنها انهارت قبل الاحتفال بسنتها الأولى.
لقد أفرزت الحرب العالمية الثانية واقعا جدبدا بالنسبة للأكراد وهو أن هذا الشعب العريق مقسم بين أربع دول بحيث أصبحوا أقلية في كل دولة، وهذه الدول الأربع قد لا تتفق في شيء فيما بينها إلا حرمان الأكراد من حقهم في تقرير المصير. لقد تعرضت الأقليات الكردية في جميع هذه الدول إلى الاضطهاد والقتل والحرمان من أبسط الحقوق. والأدهى من ذلك أن كل دولة من هذه الدول كانت تدعم تمرد الأكراد في الدولة المجاورة. فقد دعم شاه إيران تمرد الأكراد في العراق والعكس صحيح وقد دعمت سوريا حزب العمال الكردستاني في تركيا ووصلت العلاقة بينهما إلى حافة الحرب عام 1999 عندما هددت تركيا بغزو سوريا إذا لم تخرج من أراضيها زعيم الحزب علي أوجلان خلال 24 ساعة وانصاع حافظ الأسد للأمر وأخرجه وتم اعتقاله فورا في كينيا. وكم أتمنى على القراء أن يراجعوا القوانين العنصرية ضد الأكراد في سوريا التي اعتمدت في خمسينات القرن الماضي. وفي تركيا منع الأكراد من ممارسة لغتهم حتى إن عضوة البرلمان ليلى زاناعندما أقسمت اليمين باللغتين التركية والكردية وكانت تلبس وشاحا على رأسها تم طردها من البرلمان وسحبت منها الحصانة وأودعت السجن. أما المذابح التي تعرض لها الأكراد في العراق وخاصة بعد اتفاقية تقاسم شط العرب مع إيران عام 1975 فحديثها طويل لا ينتهي بمجزرة حلبجة عام 1988. إذن من ينكر على الأكراد حقهم في العمل الدؤوب لممارسة حقهم في تقرير المصير في هذه الدول فهي مخطئ لا محالة.
منذ نيسان/أبريل 1991 وبعد انتفاضة شاملة ضد حكم صدام حسين بعد هزيمة الكويت، تحرك الجيش العراقي لقمع هذا التمرد كما قمع تمرد الشيعة في الجنوب، فكانت النتيجة أن هرب ملايين الأكراد باتجاه إيران وتركيا. اعتمد مجلس الأمن القرار الخطير 688 بتاريخ 5 نيسان/أبريل والذي شرعن لأول مرة ما سمي بـ «التدخل الإنساني» بدون موافقة الدولة. المهم أن الأكراد المهجرين عادوا إلى ديارهم ومنذ ذلك الحين وهم يتمتعون بحكم ذاتي واسع، لهم برلمانهم ووزاراتهم ومؤسساتهم ومحطاتهم وصحفهم حتى إن العملة في الإقليم بين 1991-2003 كانت مختلفة تماما عن العملة المتداولة في بقية العراق. لقد تم تغيير المناهج الدراسية لتعزيز اللغة والثقافة الكرديتين. وقد أصبت بالذهول عندما زرت الإقليم في اب/أغسطس 2003 وتكلمت مع شاب في أحد المطاعم بالعربية ولم يرد علي لأنه لم يتعلم العربية في المدارس. والأهم من هذا أن الإقليم بدأ يطور ويسلح وينظم قوات البيشمركه لإعدادها لتكون نواة الجيش الكردي المقبل للدفاع عن الإقليم.
بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003 تعززت فرص الأكراد في توسيع الحكم الذاتي وأصبحوا مكونا أساسيا من قيادات ما بعد عهد صدام حسين. وقام بول بريمر، الحاكم الأمريكي للعراق، بتقسيم العراق طائفيا عندما أنشأ مجلس الحكم العراقي ومنح 13 مقعدا للشيعة و5 للسنة و5 للأكراد ومقعدا للمسيحيين ومقعدا للتركمان. إذن تم تقنين الطائفية مرة وإلى الأبد. لقد استغل الأكراد الوضع الجديد لصالحم تماما فهم يتفقون مع الشيعة في اجتثاث البعث ويتفقون مع السنة في ضرورة تحجيم السيطرة الشيعية على البلاد. وقدم الشيعة لهم تنازلات تاريخية وخاصة في مسألة كركوك لضمان نجاح الاستفتاء على الدستور الجديد في تشرين الأول/أكتوبر 2005 وما يجري الآن هو نتيجة لتلك الاتفاقيات التي منحت الأكراد كل ما يتمنون إلا إعلان الانفصال والذي يبدو أن الوقت قد حان لإعلانه.
يجب أن نفرق بين مفهومين وممارستين: استفتاء طوعي يؤدي إلى الانفصال السلمي وإعلان استقلال الدولة المنفصلة وبين استفتاء لأقلية مضطهدة جاء نتيجة حروب وتمردات وكفاح طويل توج أخيرا بالاستقلال.
ففي الحالة الأولى نشاهد أن مونتينيغرو (الجبل الأسود) اختارت طوعا بموافقة صربيا أن تجرى الاستفتاء عام 2006على الانفصال، فإعلان الاستقلال بطريقة حضارية سلمية لم يورث عداوة أو نزاعات دائمة. وقد قامت اسكوتلندا بالتجربة نفسها عام 2014 إلا أن 55 في المئة من الشعب رفض الانفصال. بينما اتفق الشيك مع السلوفاك عام 1993 على الانفصال الحضاري دون حرب أو عداء.
أما استفتاء اريتريا عن اثيوبيا عام 1992 واستفتاء تيمور الشرقية للانفصال عن أندونيسيا عام 1998 واستفتاء جنوب السودان عن عام 2007 فقد جاءت بعد حروب ومجازر وصراعات مسلحة استمرت عشرات السنين.
على إقليم كردستان قبل إعلان الانفصال فالاستقلال أن يجيب عن الأسئلة التالية والتي تشير إلى مصير الدولة الوليدة قبل اتخاذ قرار الانفصال والذي قد يقود البلاد إما إلى مصير جنوب السودان أو إلى مصير مونتينيغرو:
– هل هناك مقومات اقتصادية لضمان استمرارية الدولة وضمان رفاهية الشعب؟
– هل دول الجوار سـتتـقـبل الدولة الوليدة وتحتضنها وتساعدها على التقدم والرقي؟
– هل الجيش الوطني (البيشمركه) قادر على حماية البلاد في حالة تدخل عسكري من أحد دول الجوار؟
– هل سيتم الاعتراف الدولي بالدولة الوليدة في الأمم المتحدة أم أنها ستبقى خارج دوائر الاعتراف مثل كوسوفو وتايوان وأبخازيا وأوسيتا والقرم؟
– وأخيرا هل سيقبل الشعب العراقي بغالبيته هذا الانفصال ويرى الاستثمارات التي صرفتها الدولة منذ الاستقلال عام 1932 وخاصة في ميدان النفط تطير من يده دون اتفاقية يرضى بها الناس ويتم استفتاء الشعب بكامله حولها؟
نترك الإجابات عن هذه الأسئلة للقائمين على موضوع الاستفتاء متمنين ألا يكون مصير الإقليم كمصير جنوب السودان.

رابط مختصر