صور فضائية وأرضية تظهر مدى الدمار الذي حل ببلدة العوامية شرقي السعودية

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 20 أغسطس 2017 - 12:47 مساءً
صور فضائية وأرضية تظهر مدى الدمار الذي حل ببلدة العوامية شرقي السعودية

سيارات مدمرة.. مبانٍ محترقة.. آثار إطلاق رصاص ما تزال باقية على جدران العديد من المباني. هذا هو جانب من الصورة على الأرض في حي “المسورة” ببلدة العوامية في محافظة القطيف، ذات الأغلبية الشيعية، شرقي السعودية. وإلى جانب هذه الصور الأرضية التي نشرتها وكالة “الأناضول”، نشرت قناة “بي بي سي” البريطانية صورا فضائية، تظهر حجم الدمار الناشئ عن القتال بين القوات السعودية والمسلحين الشيعة.

وتقوم قوات الأمن السعودية منذ مدة بهدم العديد من المباني الواقعة في الجزء القديم من بلدة العوامية التي يسكنها حوالي 30 ألف شخص.

وكانت مئات العائلات نزحت من البلدة، وذلك بعد أسابيع من القتال ما بين القوات الحكومية ومجموعات شيعية.

واندلعت الاشتباكات بعد أن شرعت الحكومة في إزالة منازل البلدة، بهدف إقامة مشروع تطوير عمراني، على حد وصفها.لكن مجموعات من الشيعة اتهمت السلطات بمحاولة تهجيرهم قسرا.ويشكو الشيعة في السعودية منذ سنوات مما يصفونه بالتمييز والتهميش.

“شعرت لوهلة أنني في حلب أو الموصل… لم يتبق منها سوى سيارات محترقة ومنازل ومتاجر متهدمة وجدران متداعية”

وكانت مراسلة بي بي سي سالي نبيل حظيت بفرصة نادرة لدخول بلدة العوامية، ونقلت في مستهل تقريرها عن أحد ضباط الشرطة السعودية إخبار طاقم التلفزيون بلهجة حاسمة، أثناء استعداده لاستقلال سيارة أمن سعودية مدرعة متوجها إلى العوامية “سنسمح لكم بالبقاء في المكان لبضع دقائق فقط، وعندما نطلب منكم الرحيل يجب أن تغادروا فورا حرصا على سلامتكم”. وتضيف “ما أن اقتربنا من البلدة حتى لاحظت أن الاتصالات الهاتفية لا تنقطع بين القوة الأمنية الخاصة التي ترافقنا داخل السيارة، والقادة الميدانيين على الأرض، وذلك للتأكد من أن الطريق إلى العوامية آمن”. ولا يزال الوضع الأمني في العوامية هشا، بالرغم من أن الحكومة تقول إنها بسطت سيطرتها على المكان.

وتقول “بدت لي حاليا وكأنها منطقة حرب. شعرت لوهلة أنني في حلب أو الموصل. لم يتبق منها سوى سيارات محترقة ومنازل ومتاجر متهدمة وجدران متداعية ثقبتها طلقات الرصاص”.

ووسط الدمار في البلدة توجد مجموعة من الجرافات تقف في وسط الدمار. ففي مايو/أيار الماضي بدأت السلطات في هدم منازل حي المسورة القديم في العوامية في إطار ما وصفته بمشروع تطوير عمراني.

يقول عصام الملا، وكيل أمين المنطقة الشرقية للتعمير والمشاريع “هدمنا 80 منزلا ولا يزال أمامنا نحو 400 منزل. إنها منازل قديمة ومتهالكة والمنطقة بحاجة إلى تطوير”، ويضيف “سكان العوامية نقلوا إلى أماكن أخرى، بعد أن حصلوا على تعويضات مالية مناسبة وكذلك منازل بديلة”.

وكانت المواجهات تصاعدت واكتسبت طابعاً مسلحاً بمجرد أن بدأت عمليات الهدم، إذ اتهمت مجموعات شيعية الأجهزة الأمنية بتهجير سكان العوامية قسراً، بهدف وأد أي تجربة للاحتجاج في المنطقة. وقال نشطاء إن رجال الأمن طوقوا البلدة وأغلقوا مداخلها ومخارجها في يوليو/تموز الماضي، كما حرموا سكانها من حق الحصول على الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية.

وقتل العشرات من المدنيين ورجال الأمن من جراء الاشتباكات، وفقا للتقديرات الحكومية. وأوضح نشطاء أن من بين القتلى المدنيين طفلا في الثالثة من عمره.

وأرجعت الوزارة في بيان لبي بي سي حالة التوتر إلى “الجماعات الإرهابية التي تنشط منذ سنوات”. وأضافت أن رجال الأمن يتعرضون لهجمات مسلحة باستخدام القذائف الصاروخية الموجهة والمواد الحارقة والعبوات الناسفة. كما أشارت إلى أن “الإرهابيين ضالعون في قتل المدنيين بشكل عشوائي وكذلك اتخاذهم دروعا بشرية، ما دفع الكثير من العائلات إلى الفرار خوفا”.
لكن هذه ليست الرواية الوحيدة للأحداث. فقد نجحت “بي بي سي” في الوصول إلى مواطن سعودي هرب مؤخرا من العوامية طالبا اللجوء في ألمانيا. قال إن “الأمن السعودي كان يطلق النار على الجميع دون تفرقة. وكان يستهدف الرجال والنساء والعجائز وحتى الأطفال”. ويضيف “لم أتمكن من مغادرة بيتي لأيام خشية أن أتعرض للقتل”.

ويوضح الرجل الذي طلب عدم الكشف عن هويته حرصا على حياته أنه لم يحمل السلاح مطلقا ضد الدولة، لكنه في الوقت نفسه يستطيع أن يتفهم دوافع من لجأوا لهذا الخيار. قائلا “في السعودية يمكن أن يحكم عليك بالإعدام لمجرد أنك شيعي وتنتمي لطائفة دينية مغايرة لعموم السكان”. ويستطرد “عندما تفقد حريتك وكرامتك ويحكم عليك بالإعدام في محاكمات صورية، غير عادلة فإنك لن تستطيع ان تصمت للأبد. ستضطر في يوم ما أن ترفع السلاح في وجه من يطلق النار عليك”.

ويتذكر الرجل بداية بدء الاحتجاجات الشيعية التي تزامنت مع “الربيع العربي” في عام 2011، ويقول “كنا متظاهرين سلميين لكن الأمن كان يفرقنا بالذخيرة الحية”.

ومنذ ذلك الحين، ألقي القبض على المئات كما أنشئت محاكم جنائية خاصة من أجل القضايا المتعلقة “بالإرهاب”، وفقا لمنظمات حقوقية. وقد قضت هذه المحاكم بإعدام أكثر من 30 شخصاً بينهم رجال وصبية بعد إدانتهم بجرائم متعلقة بالاحتجاج في محاكمات مشكوك في صحة إجراءاتها القانونية وفقاً لحقوقيين.

ويتخوف نشطاء من احتمال تنفيذ حكم الإعدام في أي لحظة في 14 شخصاً بينهم أربعة أشخاص أدينوا بمخالفات ارتكبوها عندما كانوا أطفالا، على حد قول منظمات حقوقية من بينها العفو الدولية، وهيومان رايتس ووتش.

ومن بين المحكوم عليهم بالإعدام أحد أقارب نمر النمر، المعارض الشيعي البارز الذي أعدمته السلطات السعودية العام الماضي بتهمة الإرهاب.

على مدى سنوات اشتكى أبناء الأقلية الشيعية في السعودية مما وصفوه بالتمييز والتهميش. كثيراً ما كانوا يخرجون في مظاهرات احتجاجية تفرقها قوات الأمن بمنتهى الصرامة والحسم.

يقول علي الدبيسي مدير المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان ومقرها برلين “لا يتحمل النظام السعودي أي صوت معارض، سنيا كان أم شيعيا. يضيق صدر حكام السعودية بكل من يخالفهم الرأي”.

وتختتم نبيل تقريرها بالقول “قبل أن نرحل عن العوامية سمعنا طلقات رصاص جاءت من مسافة ليست بالبعيدة، لا ندري من أطلقها، لكن كان علينا أن نرحل مثلما طلب منا قائد الشرطة. وقبل أن نستقل السيارة المدرعة مرة أخرى، ألقيت نظرة أخيرة على العوامية التي أضحت مدينة أشباح. ربما أوشك القتال هنا على الانتهاء لكن أسباب الصراع لا تزال قائمة”.
وفي تحقيق لوكالة الأناضول رصدت الكاميرا دمارا هائلا في حي “المسورة” في العوامية تقول السلطات إنه يقف وراءه “إرهابيون وتجار مخدرات” الذين اتخذوا منازل الحي أوكارا لهم بعد إخلائها. لكن للصورة في الحي وجه آخر، حيث توجد آليات وشاحنات وحفارات ورافعات تستكمل هدم المنازل المدمرة، وإزالة أنقاض المنازل المهدمة في الحي.

ففي أعقاب إعلان السلطات السعودية، في مارس/آذار الماضي، البدء في مشروع تنموي تطويري بحي “المسورة”، أعلنت عنه عام 2015، شهد الحي هجمات مسلحة استهدفت عناصر من قوات الأمن وآليات تطوير الحي، بهدف إبطاء عملية التطوير، وهو ما حدث بالفعل.

السلطات السعودية تقول إن معدات الهدم، التابعة لأمانة المنطقة الشرقية بالمملكة، تعرضت في بداية عملية الإزالة والهدم الى إطلاق رصاص؛ ما أدى إلى تأخر عملية الإزالة، وإن حجم الأضرار في معدات الهدم والإزالة بلغ 18 مليون ريال (4.8 مليون دولار).

لكن رغم هذه المعوقات، أعلنت السلطات السعودية، الأسبوع الماضي، تطهيرها الكامل لحي “المسوّرة” من المسلحين، إيذانا باستئناف مشروع التطوير.

عملية تطهير حي “المسورة” من المسلحين كشف عنها وزير الثقافة والإعلام السعودي، عواد العواد،‏ في تغريدة عبر حسابه بموقع التدوينات القصيرة “تويتر”، يوم 9 أغسطس/آب الجاري، قال فيها: “حزم القيادة الرشيدة في القضاء على الإرهاب وبسط الأمن والأمان في جميع ربوع وطننا الغالي تجسد في نجاح أبطالنا رجال الأمن في تطهير حي المسورة”.

أطلال وصور وشعارات

ورصد فريق الأناضول آثار اشتباكات في جميع أنحاء حي “المسورة”، كما رصد أعمال تطوير في الحي.

فالعديد من المنازل والمحال التجارية تحولت إلى ما يشبه الأطلال، وامتلأت الجدران بآثار الرصاص، فيما تنتشر في الشوارع سيارات دمرتها الاشتباكات.

وتحفل جدران الأزقة بصور رجل الدين الشيعي السعودي، “نمر باقر النمر”، الذي أعدمته المملكة، في يناير/كانون ثان 2016، مع 46 مداناً آخرين بالانتماء لـ”تنظيمات إرهابية”، معظمهم من السُنة.

جدران الأزقة تحمل أيضا صور أشخاص سقطوا في الاشتباكات، فيما تنتشر شعارات على جدران منازل ومدارس.

وبلدة العوامية، الموجود بها حي “المسورة”، هي مسقط رأس “النمر”، الذي أدانته السعودية بتهمة “الإرهاب”، وكان أحد محركي حركة احتجاج شيعية اندلعت في المنطقة الشرقية، عام 2011، بدعوى معاناتها من الإقصاء والتهميش، وهو ما تنفيه المملكة ذات الغالبية السنُية.

بوضوح، تظهر آثار اشتباكات في ميدان الريف، الذي كان قد تحول إلى رمز للمظاهرات، إلا أن علما كبيرا للمملكة العربية السعودية يرفرف الآن في الميدان، بالتزامن مع استئناف عملية تطوير الحي وإعادة بنائه.

تهجير أم تطوير؟

منذ الإعلان عن بدء عملية تطوير حي “المسورة”، وما رافقها من هجمات مسلحة استهدفت تعطيل هذه العملية، اتهمت وسائل إعلام غربية المملكة بتنفيذ عملية تهجير قسري لسكان الحي، ونقلت عن سكان رفضهم خطة التطوير، بدعوى “الحفاظ على الجزء التاريخي منه، والذي يعود إلى نحو 400 عام”، على حد قولهم.

السلطات السعودية في المقابل نفت صحة الحديث عن عملية تهجير قسري، مشددة على تعويض السكان عن المنازل التي تم إخلاؤها ضمن ضرورات عملية التطوير، وكذلك ترحيب سكان الحي بعملية تطويره، لتحويله إلى مقصد تجاري وثقافي، عبر بناء مجمع تجاري وسوق تراثي ومركز ثقافي.

وعن ذلك، قال محافظ القطيف المكلف، فلاح الخالدي “تم دفع 800 مليون ريال (214 مليون دولار) لأصحاب 488 منزلا في الحي سيتم نقلها إلى ملكية الدولة، وجرى تسكين أكثر من 8 آلاف عائلة في أماكن مناسبة في مدن محافظتي القطيف والدمام (شرق)”.

الخالدي أضاف أنه “سيتم هدم المنازل التي تضررت بشكل كبير في الاشتباكات وبناء أخرى جديدة بدلا منها، وسيتحول حي المسورة، عند انتهاء مشروع التطوير بعد عامين، إلى منطقة سكنية راقية”.

كلمات دليلية
رابط مختصر