الرئيسية / آراء / تقسيم العراق! … د. أثير ناظم الجاسور

تقسيم العراق! … د. أثير ناظم الجاسور

لم يعد غريباً على العراقيين ولا على مسامعهم مفردة التقسيم التي أشبعت بحثاً ونقاشات وحواراً وكل جهة تحاول إيجاد مخرج لها اذا ما حصلت هذه الكارثة لأنها في حقيقة الأمر كارثة بكل المقاييس لما تحمله من مخاطر ومشكلات مستقبلية، المواطن العراقي اليوم لديه مجسات تقيس مدى سلبية وإيجابية مشكلة التقسيم التي ستخلق أجواء مشحونة يصاحبها العداء المستمر اذا لم تكن الحدود فالموارد ستكون هي من تجهز على ما سيتبقى من تواصل، قبل عام ٢٠٠٣ وتحديداً بعد حرب الخليج الثانية قطع التحالف الدولي العراق عسكرياً بعد ان حدد مناطق حُظر الطيران في أجوائها وادارياً أصبحت كردستان بعيدة جداً عن المركز بكل ما تحمله مفردة البُعد من معنى، بالتالي بقي العراق يعاني وما يزال يعاني من اقتطاعات ليومنا هذا.
وللتاريخ شواهد كثيرة على كوارث ونزاعات حصلت بعد التقسيم فعلى سبيل المثال باكستان بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن كما اليوم كانت جزءاً من الهند انفصلت عنها عام ١٩٤٧ لكنها لم تنل استقلال مريح لا بل استمر العداء بينها وبين الهند لغاية اليوم اذا لم يظهر بالحروب فيظهر بالتصريحات التي تطالب بقضايا شتى ابتداءً من قضية كشمير وانتهاءً بالإرهاب، حتى القبائل نجد جزءاً منها في باكستان والآخر في الهند ولم يتوقف الحال عند هذا الحد فالصراع تطوّر الى من يمتلك السلاح النووي ويهدد الآخر او يدفع خطر الآخر عنه ففي عام ١٩٩٨ كانت للهند تجربة نووية وما هي الا ايّام حتى لحقتها باكستان بتجربة مماثلة، هذا يعطي صورة واضحة لشدة التنافس بين البلدين اللذين يحاولان خلق توازن وهمي قد يختل في أي لحظة معلناً لاقتتال ينهكهما، أيضا نجد دول البلقان وتحديداً الدول التي كانت منظوية تحت لواء الاتحاد اليوغسلافي لم تنته دعوات الدول بالاستقلال فقط فقد اتجهت نحو الحرب الأهلية والإبادة الجماعية وكانت مذبحة سربرنيتشا واحدة من مهالك هذه الدعوات التي شهدتها البوسنة والهرسك بعد الحرب الباردة عام ١٩٩٥ على يد وحدة من وحدات الجيش الصربي انعكاسات للصراع القومي والعرقي، وقد تكون الصورة مختلفة اليوم في دول البلقان لكن هذا لا يمنع من أن اغلبها يعاني من اقتصاد ضعيف غير قادر على النهوض إلا بمساعدة هذه الدولة او تلك.
اما العراق وإذا ما رجعنا بالذاكرة منذ تأسيس مجلس الحكم نجد بذور هذا التقسيم قد نثرت على أرض العراق بعد ان شرع الحاكم المدني “بول بريمر” بإنشاء مجلس أعلن موته منذ ولادته بصبغته الطائفية التي جلبت البلاء للعراق فيما بعد، لم يعتمد لا المحتل ولا المتحزبين القادمين من خارج الحدود على معايير العلم والكفاءة والوطنية بل كانت الطائفة والقومية والديانة تلعب دوراً كبيراً سيما وأنها كانت جالبة للامتيازات لشخوصها حتى ان هذا التقسيم سن سنة سيئة في إدارة الدولة التي عانت وما تزال من تصدعات خطيرة، فلم تكن طريقة تقاسم السلطة بعيدة عن أنظار الولايات المتحدة حتى انها كانت تدعم وبقوة لتشكيل كتل حزبية جديدة من خلال إعطاء المبالغ المالية لمن يريد تشكيل حزب او كيانات سياسية، ولم يتوانَ قادة العراق الجدد في مسألة تشكيل الأحزاب والتكتلات بشقيها الطائفي والقومي حتى كرست تجربة مجلس الحكم لتكون بداية عملية التمزيق والتشتت والضياع، حتى أصبح تسنم المسؤولية يقاس وفق الطائفة والدين والقومية لتكرس ثقافة تمتد جذورها مع كل دورة انتخابية ملطخة باللون البنفسجي، نتاج نظام المحاصصة إبراز توليفة جديدة من السيطرة تمثلت بالفساد الذي استشرى في جسد الدولة فبعد أن تم كسر التقليد على أساس المؤسسات الحكومية تعمل كالجسد الواحد كانت للايعازات الطائفية دور كبير في جعل كل عضو من أعضاء هذا الجسد يعمل بخلاف الأعضاء الأخرى، فالفساد الإداري والمالي كان سبباً للكوارث في العراق ونحن اليوم نعيش كل تجلياته وهو الذي دفع باغلب العراقيين من ان يتصوروا مصيرهم مقسم لدويلات صغيرة تحكمها أحزاب الطائفة والقومية، بالتالي لم يتفق متحزبو السلطة الا على ديمقراطية توافقية محاصصاتية كانت سبباً مباشراً بما يحصل، وعليه انهم مَنْ رسم هذه السياسية مع دول الجوار والقوى الكبرى.
ان الحديث عن تقسيم العراق ليس بالأمر الهين فكيف اذا ما حصل بالفعل سنجد أنفسنا امام صعاب لا تُعد وأزمات سياسية لا تحل، ولنكون أمام المشكلة ولنستشعر خطورتها لنجد أنفسنا امام دويلات ثلاث بجيوش ثلاث ونقص موارد ما هو الحل؟، لنفتح الخارطة الجغرافية للعراق الماء النفط والموارد المتبقية والكتل البشرية، فإذا كانت هذه الدويلات تبحث عن التوازن في علاقاتها مع بعضها فهي تبحث بما لا يدع مجالاً للشك عن مصدر قوتها، بالتالي يقع على عاتق هذه الدويلات العمل على الحفاظ على السيادة والحدود وتقليل الخسائر وهذا لا يتم إلا بعد عقد سلسة من الاتفاقيات التي تجعلها في هدنة موقتة قابلة للخرق.
أما دراسة الوضع خارجياً فهو مختلف تماماً الدول المجاورة للعراق لا ترغب بأن يقسم العراق حتى لا تكون كل دولة قوة بذاتها وثانياً يرغب جوار العراق بعراقٍ موحد لكن ضعيف، إيران ضد التوجهات التي ستحصل في الدولتين السنية والكردية والسعودية ضد توجهات الدولة الشيعية وتركيا ضد توجهات الدولتين الشيعية والكردية والثلاث دول الإقليمية خشيتها من ان يكون العراق ثلاث دويلات ليس حباً بتلك الطائفة او القومية إنما خوفاً على وحدتها الداخلية التي ستضعف مع اعلان هذه الدويلات، ايضاً التضارب في التوجهات السياسية والمصلحية لدول الجوار ستجعل من هذه الدويلات الثلاث ساحة لاستعراض هذه القوة على حساب الأخرى، بالتالي فان عراق اليوم على الرغم من المشاكل والأزمات التي تعصف بواقعه السياسي لكن حرب طرد داعش كانت دليلاً على عملية التكامل التي يتمتع بها العراق وبتقسيمه سنفقد هذه الخاصية كما فقدها الآخرون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*