هل يستفيد سياسيو العراق من دروس الموصل؟

بغداد ـ «القدس العربي» من مصطفى العبيدي: مع إعلان رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي تحرير الموصل في العاشر من تموز/يوليو الحالي، تكون وجهت أكبر ضربة لـ»مشروع الخلافة» إلى تنظيم «الدولة» من خلال اسقاط عاصمته في العراق بعد ثلاث سنوات من قيامها.
وإذا كانت استعادة الموصل قد انجزت التحدي العسكري بنجاح، فان تحديات أخرى لا تقل أهمية تنتظر الحكومة العراقية، تتمثل في إكمال انجاز تحرير باقي المناطق الخاضعة للتنظيم وأبرزها الحويجة وتلعفر والقائم، إضافة إلى أهمية تحقيق توافق القوى السياسية للمكونات، في رسم معالم مرحلة ما بعد «الدولة «في كيفية إدارة الموصل والبلد، ومنع مبررات ظهور «داعش جديد» في العراق.
ويتفق العراقيون والمعنيون بالشأن العراقي، أن انتهاء الصفحة العسكرية في معركة الموصل لا بد أن تعقبها صفحات إعادة الأعمار وتأهيل سكان المناطق المحررة وإرجاع النازحين إلى ديارهم، اضافة إلى ضرورة وضع خطة عمل لإدارة المحافظة مستقبلا بمشاركة جميع مكوناتها لضمان عدم تكرار ظهور قوى متطرفة شبيهة بتنظيم «الدولة» وغيرها.
ولا خلاف في كون سيطرة تنظيم «الدولة»على الموصل، هي أشد مراحل تاريخ المدينة سوادا، وشكلت درسا قاسيا جدا للعراقيين، دفعوا فيه انهارا من الدماء ودمارا هائلا بمدنه وهدر واسع للثروات المادية والتراثية والعسكرية، اضافة إلى الآثار النفسية السلبية لخطاب التنظيم الطائفي على عقول الملايين لثلاث سنوات. فهل يعتبر بها السياسيون من المتصدين للعملية السياسية أم سيواصلون النهج السابق نفسه من دون اعارة الاهتمام للنتائج الكارثية لظاهرة «داعش» كأحد افرازات التجربة السياسية المشوهة التي فرضوها على البلد؟
ومع الإعلان عن حسم معركة الموصل، تعالت الاصوات المحلية والدولية المطالبة باعادة النظر بالعملية السياسية وتعامل السلطة مع مكونات البلد، ومنها مساعي القيادة الكردية لحشد الرأي العام الكردي والدولي للاستفتاء على تقرير المصير، وعقد مؤتمرات لأهل السنة والمسيحيين داخل العراق وخارجه، اضافة إلى تحذير التحالف الدولي، للحكومة العراقية من ظهور «داعش جديد» إذا لم تغير تعاملها مع السنة، وكذلك دعوة الأمم المتحدة إلى احقاق العدالة والمصالحة بين مكونات الشعب العراقي.
ويخشى الكثير من المراقبين للشأن العراقي، ان معظم ساسة العراق لا يرغبون في استيعاب درس الموصل، لاحداث نقلة نوعية في منهج العملية السياسية بما يؤمن مشاركة الجميع في إدارة وبناء البلد، بعيدا عن الاقصاء والتهميش والتفرد والفساد.
فقد لوحظت هذه الأيام ضغوطات قوى فاعلة في الحكومة والتحالف الوطني (الشيعي) لإلغاء مؤتمرين للسنة في بغداد وأربيل لترتيب أوضاعهم لمرحلة ما بعد «داعش»، وهو ما اعترف به قادة سنة، كما أعلنت اللجنة التحضرية لمؤتمر بغداد، تأجيل انعقاد المؤتمر المقرر في 15 تموز/يوليو الحالي، إلى «موعد قريب» نزولا عند طلب حكومي.
وبدلا من عقد المؤتمر المقرر لقادة المكون السني، جرى عقد اجتماع عام في بغداد ضم نوابا وشخصيات متنوعة (سنية شيعية) تلتقي في قربها من الأحزاب الحاكمة، وكان لقاء لالقاء الكلمات من دون نتائج ملموسة، مما أدى إلى انسحاب الكثير من المشاركين فيه بسبب الخلافات. بينما عقد مؤتمر آخر للقادة السنة في اربيل، وفي اليوم نفسه، بإشراف كتلة «المشروع العربي» بزعامة الملياردير خميس الخنجر، الطامح لزعامة السنة، في مؤشر على عمق الخلافات المستمرة بين القادة السنة حول العديد من القضايا الأساسية، وعجزهم عن الاتفاق على الحد الأدنى من مشروع وطني موحد رغم الادعاء بضرورة الاستفادة من فرصة تحرير الموصل والحرص على مصالح المناطق المحررة.
وكعادتها، هاجمت قيادات شيعية بينها نواب وسياسيون وقادة ميليشيات، اجتماع القادة السنة وشككوا بدوافعه والشخصيات المشاركة فيه والجهات التي تقف وراءه، وذلك رغم محدودية تأثيره على المشهد السياسي، كما جدد القادة الشيعة تمسكهم ببقاء الحشد الشعبي وعدم حله، عدا زعيم التيار الصدري الذي طالب بدمج الحشد الشعبي في القوات المسلحة، كما دعا لمحاسبة المتسببين بسقوط الموصل بيد «داعش». ويبدو ان موقف أغلب الكتل الشيعية، هو امتداد لسياسة ثابتة في عدم الترحيب بأي مشروع لتوحيد المكون السني في العراق خوفا من المنافسة على مواقع السلطة.
وحول الأوضاع المأساوية لمدينة الموصل بعد انتهاء معظم المعارك فيها، فان الدمار الهائل جراء المعارك في المدينة، وصعوبة إعادة إعمارها بغياب التمويل الكافي، اضافة إلى التحديات الأمنية المتمثلة بالخلايا النائمة والمتسللين من عناصر «داعش» إلى خارج المدينة القديمة مع النازحين، كلها عوامل اعاقة لعودة الحياة الطبيعية إلى المدينة المحررة والمنكوبة في آن واحد.
واعترف رئيس الفريق المشترك للاشراف على إغاثة وإجلاء النازحين في الموصل الفريق الركن باسم الطائي، ان «عدم تأهيل البنى التحتية وانعدام وجود الخدمات في الموصل يصطدم مع التوجه الحكومي الذي يشدد على ضرورة الاسراع في إعادة النازحين إلى مساكنهم». كما أشارت منظمات الامم المتحدة ومنظمات الإغاثة، إلى حجم الدمار الهائل الذي تعرضت له الموصل وضرورة التحرك الدولي لمعالجة الموقف العصيب فيها.
ومن خلال جولة «القدس العربي» في الموصل، لمست مخاوف وقلق الشارع بجماهيره وحكومته ونوابه وعشائره، من عدم استيعاب درس سقوط المدينة، وتأكيدهم على ان وضع اتفاق سياسي لإدارة المحافظة من قبل أهلها بعد التحرير، وتفاهم قادة المكونات فيها على الإدارة المشتركة فيها لضمان حقوق الجميع، هو الاستحقاق الأهم، الذي لن يحافظ على وحدة أهم محافظة بعد العاصمة العراقية فحسب، بل ويمنع بروز حالات التذمر والتشدد التي كانت رد فعل لشعور أهل المحافظة بالظلم والتهميش، وهو الباب الذي ولج منه الإرهاب بكل أشكاله اضافة إلى أطماع الدول الإقليمية.

أضف تعليقك