قصة صورتين نادرتين “للحجاج”.. أشهر جلادي سجن “نقرة السلمان”

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 16 يوليو 2017 - 1:29 مساءً
قصة صورتين نادرتين “للحجاج”.. أشهر جلادي سجن “نقرة السلمان”

رووداو- المثنى

في أول محطات رحلة البحث عن جلاد نقرة السلمان، توجهنا إلى البصرة وعلمنا هناك عن طريق الصدفة، بأن لدى “حجاج التكريتي” جلاد نقرة السلمان الطاغي، صورتين محفوظتين عند أحد الأشخاص.

في عام 1988، بدأ نظام البعث بعملية أنفال الكورد عبر حملة عسكرية ممنهجة كبرى نفذت على 8 مراحل، وبحسب إفادات الناجين من الإبادة فإنه تم تفريق أفراد الأسر المعتقلة ضمن عملية الإنفال في مراحل لاحقة، حيث تم وضع الشباب في جهة والنساء والأطفال وكبار السن بجهة أخرى، وتم نقل الشباب إلى قبور جماعية عبر الحافلات لدفنهم فيما نقل الباقون إلى سجن نقرة السلمان سيء الصيت، والذي يقع جنوب العراق قرب الحدود مع السعودية.

آلاف المؤنفلين اعتقلوا في سجن “نقرة السلمان”، وكانوا يتعرضون للتعذيب اليومي من قبل جلاد حوّل السجن إلى بقعة من جهنم، هذا الجلاد هو “حجاج التكريتي” الذي كان يعرف بين السجناء باسم “الحجاج”، وكان مسؤول السجن، صوره محفورة في ذاكرة المؤنفلين، لكننا في هذه الرحلة نريد العثور على صور الجلاد الذي لم يكن يقوى المئات على تحمل وجع ضربات سوطه، وكانوا يقتلون تحت تأثير التعذيب في نقرة السلمان.

خلال هذه الرحلة عرفنا عن طريق الصدفة أن أحدهم يحتفظ بصورتين لـ”حجاج التكريتي”، وأن ذلك الشخص هو قريب أحد رفاق الجلاد في أحد معسكرات التدريب التابعة لنظام البعث في ثمانينات القرن الماضي.

في أحد مقاهي البصرة، ألتقيت بأبو عدنان، وسألته عن كيفية حصوله على الصور، فأجاب: “حصلت عليها من أحد أقاربي الذين تدربوا مع الحجاج في بغداد”.

حينما نظرت إلى الصورتين وجدتهما بالأبيض والأسود ويبدو أنهما التقطتا في ثمانينات القرن الماضي.

في الصورة الأولى يظهر الحجاج رجلاً عريض الوجه ذو شارب كث وهو يتناول أفعى، برفقة أشخاص آخرين، وقد احمرت شفاههم بدم الحيات، ويبدو أن الصورة تعود لأحد التدريبات العسكرية، وفي الثانية يقوم بتقطيع أرنب وعيناه تتطاير منهما الشرر، في كلتا الصورتين.

لكنني كنت لا أزال غير متأكد بأن هاتين الصورتين تعودان “للحجاج”، لذا عدت إلى مدينة السليمانية، وهناك التقيت مع عمر محمد الذي يعمل منذ سنوات طويلة في توثيق عمليات الأنفال، هو يملك رؤية مرسومة في ذهنه لهيئة الحجاج، من خلال الوصف الوارد في إفادات الناجين من الأنفال.

وحالما رأى عمر محمد الصور قال: “لا أستطيع القول أن هذا هو حجاج التكريتي مئة بالمئة، لكن بحسب ما وصفه الشهود على الأنفال، فإني ما أن رأيت الصور، لم أشعر بأنني شاهدت شخصاً غريباً”.

لا زلت بحاجة للمزيد من البحث، وعلي أن أتوجه لسجن نقرة السلمان للتأكد من هوية صاحب الصورتين، وكذلك لمعايشة التجربة التي قاساها ضحايا الأنفال عن قرب.

السجن يبعد ثلاث ساعات عن مدينة السماوة، وقيل لنا أنه بدون وجود مفرزة للشرطة فأننا لن نتمكن من الوصول إلى الوجهة المحددة لأن السجن يقع في منطقة نائية.

مررنا بصحراء قاحلة، وعلى مدى تلك الساعات الثلاث لم نمر بأي منطقة عامرة، بعد تخطي قضاء السلمان، لاحت لنا من بعيد بقايا سجن نقرة السلمان، دخلنا إلى السجن وعدنا بالزمن إلى 29 سنة مضت، حيث كانت باحة السجن وزنزاناته تعج بالكورد المعتقلين في حملة الأنفال، لا تزال الجدران والأرضيات تروي آلام هؤلاء الضحايا، ومظهر المكان يشعرك بحجم عُتُوّ “الحجاج” وبقية زملائه، وفي إحدى زنزانات السجن، لاتزال الكلمات التي كتبها معتقلون باللغة الكوردية ظاهرة.

التقينا بعذاب الشمري، وهو من أهالي السلمان، يؤكد أنه يعرف “الحجاج” عن قرب، حينما كان يبلغ من العمر 10 أعوام، بالقول: “حينما كنا أطفالاً كنا نجلب المشروبات الغازية من الحلة، ورأيت الحجاج والسجناء الكورد أكثر من مرة”.

وبعد مشاهدته الصورتين، أشار إليهما وقال: “صاحب الشارب الكث، هذا هو الحجاج، كان يملك سيارة لاندكروزر بيضاء وسيارة سوبر موديل 1985”.

ربما أفضل من يساعدنا للتثبت من هوية صاحب الصورتين، هم أهالي حلبجة الذين نزحوا إلى إيران بعد القصف الكيماوي على مدينتهم، وبعد العفو العام الذي أصدره نظام البعث تم احتجازهم لأربعة أشهر و10 أيام في نقرة السلمان.

في حلبجة الشهيدة، التقيت بخمسة من شهود العيان هم سلمان وعمر ومحمد وعلي وصديق، وجميعهم تعرفوا على “الحجاج” عن قرب.

قبل عرض الصورتين عليهم، قاموا إضافة إلى تعامله القاسي، بوصف ملامح وهيئة “الحجاج” وكانت قريبة جداً من صاحب الصورتين، وحينما شاهدوا الصورتين قال كل منهم بشكل منفصل إن صاحب الشارب والوجه العريض هو “حجاج التكريتي” الجلاد الذي أذاق ضحايا الأنفال أقسى أنواع العذاب في نقرة السلمان.

ترجمة وتحرير: شونم عبدالله خوشناو

كلمات دليلية
رابط مختصر