الرئيسية / أهم الأخبار / الولايات المتحدة تتبنى فكرة اتفاقيات السلام المحلية بين مكونات العراق الطائفية والقومية

الولايات المتحدة تتبنى فكرة اتفاقيات السلام المحلية بين مكونات العراق الطائفية والقومية

واشنطن ـ رائد صالحة – «القدس العربي»:تحاول «مستودعات التفكير» ومراكز الأبحاث الأمريكية توفير استنتاجات قد تساعد الإدارة الأمريكية على تحقيق نوع من الاستقرار في العراق بعد هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» وطردها نهائياً من الموصل. وأشارت عدة دراسات إلى تجربة منطقة المحمودية الزراعية في جنوب بغداد كمثال يمكن الاستفادة منه إلى حد كبير، إذ تتوزع هذه المنطقة التي كانت تدعى بمثلث الموت، بين أهم مكونات الانقسام الطائفي في البلاد بين القبائل السنّية والشيعية.
وقد توزع ما يقارب 3500 من جنود الفرقة الجبلية العاشرة، قبل 10 سنوات في هذه المنطقة للتخفيف من قبضة تنظيم «القاعدة» على المنطقة ما أدى إلى مقتل 54 جندياٍ خلال 11 شهراً من العمليات المكثفة. ولكن المشهد الدموي تغيّر في صيف 2007 عندما لجأ الجيش الأمريكي إلى أسلوب وقف القتال القبلي بعد أن وجد الكثير من العراقيين طريقاً للسلام، حيث تمكنت جهود المصالحة التي قادها إلى حد كبير فريق صغير من الوسطاء العراقيين المدربيين والمدعومين من قبل المعهد الأمريكي للسلام (أوسيب) للجمع بين زعماء القبائل السنّية والشيعية المحليين والضباط العسكريين وقادة المجتمع المدني، وخلال أربعة أشهر من الحوار المضني وضع الوسطاء اتفاقا لوقف العنف والهجمات الانتقامية والسماح للقادة المحليين بالعمل من أجــل تحــقـــيق سلام أكثر دواما. وعزز هذا الاتفاق من الاستقرار النسبي للمنطقة بعد عقد من الزمن.
وستواجه منطقة الموصل ومناطق واسعة من العراق في المستقبل القريب تهديداً مماثلًا للصراعات الطائفية القديمة التي ستدخل البلاد في جولة أخرى من العنف وسفك الدماء بعد انتهاء قتال القوات العسكرية العراقية في المدينة لانهاء آخر تنظيم إقليمي للدولة الإسلامية في العراق.
الولايات المتحدة وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين بحاجة ماسة إلى استراتيجية لتأمين المكاسب العسكرية الكبيرة ضد «داعش» ومنع دورات العنف الجديدة التي من شأنها ان تزيد من زعزعة الاستقرار في العراق، وربما تؤدي إلى جيل جديد من «داعش» وبالتأكيد لا يريد أي أحد الانخراط في هذه المعارك للمرة الثالثة.
والأخبار السارة هنا بالنسبة لواشنطن هي ان استراتيجية ما بعد تنظيم «الدولة الإسلامية» قد لا تكون مكلفة وهي ليست في حاجة إلى قيادة مباشرة من القوات الأمريكية، فالاستقرار النسبي في المحمودية، وما شابه ذلك من نجاحات سابقة قامت بها فرق السلام العراقية حول مدينة تكريت ومناطق أخرى قد يكون نموذجا لنجاحات لاحقة. وفي الواقع هناك اعتقاد بين العديد من المحللين ان العراقيين يمكنهم حل صراعاتهم بانفسهم على المستوى المحلي مع بعض الدعم، اضافة إلى قدرتهم على الصمود أمام الصراعات التي تغذيها الانقسامات الوطنية والإقليمية.
وتوسط قادة من منظمة عراقية غير حكومية «سند لبناء السلام» في اتفاق سلام بين السنّة والشيعة عام 2015 ساهم في تجنب إراقة الدماء بسبب الرغبة في الانتقام في أعقاب مجزرة لـ«داعش» وقد مهد هذا الاتفاق الطريق أمام إعادة فتح الأسواق والأعمال التجارية والمدارس والمستشفيات لخدمة أكثر من 380 من النازحين العراقيين، كما ساعدت هذه المنظمة على عقد اتفاقات مماثلة لتجنب العنف في مدينتي يثرب والحويجة.
وتستغرق هذه الاتفاقيات المحلية شهوراً من الوساطات الشاقة من قبل جماعات المجتمع المحلي وسلطات المصالحة العراقية وهي تتطلب استمرارية في الحوار، وهي ليست حلا سحريا، إذ أدى هجوم انتحاري قام به تنظيم «الدولة» العام الماضي إلى ضرب مباراة للعبة كرة القدم في منطقة المحمودية ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 26 شخصا، ولكن صناع السلام في العراق لديهم سجل حافل لمساعدة العراقيين على حل الصراعات المحلية وبناء سلام مستديم، كما ان لديهم مقدرات ستكون ضرورية للتعامل مع مرحلة ما بعد الموصل وخاصة في النسيج المعقد للطوائف العرقية والدينية المتداخلة (عرب، أكراد وتركمان، سنة وشيعة ومسيحيون وإيزيديون) وبدون المصالحة بين العراقيين ستظل جميع الاستثمارات السياسية والعسكرية والاقتصادية ضعيفة أمام الصراعات المستقبلية المحتملة.
وبالنسبة للولايات المتحدة، كما قال العديد من المحللين، بمن فيهم نانسي لندبيرغ، مديرة معهد السلام الأمريكي، فإن تعزيز هذه النتيجة لا يتطلب زيادة في موارد باهظة الثمن بل سياسة متسقة تتمثل في استثمار دولي فعال من حيث التكلفة لمساعدة العراقيين على بناء السلام. ويؤكد الاستقرار النسبي المستمر في منطقة المحمودية في البلاد التي مزقتها الحرب فعالية التكلفة في مساعدة السكان المحليين على التفاوض بشأن سلامتهم، وبعد توقيع 31 من شيوخ القبائل اتفاق سلام قبل 10 سنوات، تمكن 3500 جندي من الفرقة الجبلية العاشرة في الجيش الأمريكي من مغادرة البلاد لتحل محلهم قوة متابعة قوامها 650 جنديا فقط، أي بنسبة تخفيض تصل إلى 80 في المئة في عدد القوات المطلوبة وتوفير في التكاليف قدره 150 مليون دولار في الشهر، بينما لم تتجـــاوز تكلفة اتفاق السلام أكثر من 1.5 مليون دولار.
ومع اقتراب القتال في الموصل من النهاية، يمكن مشاهدة جثث العديد من المقاتلين الذين يشتبه بأنهم من عناصر تنظيم «الدولة» في الشوارع أمام الجمهور، بينما تم ابلاغ عائلات القتلى بأنه يجب عليهم مغادرة المدينة ما أثار مخاوف أمريكية غير رسمية من تصاعد عمليات القتل خارج نطاق القضاء والبدء في عقوبة جماعية لمجتمع باكمله كمثال آخر على عدالة المنتصر في العراق.
وهناك تحذيرات دائمة من منظمات ومراكز أبحاث أمريكية وجماعات حقوق الإنسان من رؤية سياسة في العراق تقوم على حصانة الإفلات من العقاب، الأمر الذي سيدمر أي فرصة لسلام دائم في البلاد. كما ان التركيز على التجاوزات التي ارتكبتها جماعة الدولة تتناقض مع هدف العراق بتمكين عملية مصالحة بين المجموعات الإثنية لتشكيل بلد مستقر.
ومن الواضح ان إدارة ترامب لا تملك استراتيجية واضحة للعراق لفترة ما بعد تنظيم «الدولة الإسلامية» مما قد يساعد على انتشار الفوضى في المنطقة إذا أصرت الأطراف المتنوعة على عدم التصالح مما أدى إلى ارسال تحذيرات متكررة من مستوعات التفكير الأمريكية والعديد من السياسيين والمشرعين إلى ضرورة اعداد خطة أمريكية لمواجهة الفوضى المحتملة الجديدة في الشرق الأوسط. ولكن الأهم من ذلك كله، طالب كل صناع السياسة في واشنطن بضرورة التحدث مع بغداد الاتجاهات التي يمكن متابعتها لتحقيق الاستقرار والعدالة وإتاحة المجال أمام المجتمعات المتضررة لتشكيل سياسات.

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العراق: إرث الدولة الإسلامية المدمر يهلك الزراعة الأيزيدية

“فتحقيقاتنا تكشف كيف قام تنظيم “الدولة الإسلامية” بالتدمير الوحشي المتعمد للبيئة الريفية في العراق حول ...

%d مدونون معجبون بهذه: