بعد طرده من الرقة والموصل.. هل يتشظى “داعش” في العالم؟

بات من المسلَّم به أنّ اندحار “داعش” من الأراضي التي سيطر عليها في العراق وسوريا أصبح مسألة وقت، الأمر الذي بات يطرح أسئلة كثيرة حول مصير من يتبقى من عناصر التنظيم وقياداته.

مصير مجهول ينتظر نحو 5000 مقاتل من جنسيات غربية انضموا للقتال إلى جانب تنظيم “داعش” منذ ظهوره في العام 2014، بعد أن بدأت دولهم بإجراءات سحب الجنسية منهم، لقطع طريق عودتهم، في ظل توجه دولي بزعامة واشنطن لاجتثاث التنظيم، بعد خسارته مناطق واسعة.

كما أن مصير الشبكة التي أنشأها التنظيم حول العالم لا يزال موضع تساؤل، حيث تشير المعطيات إلى أن التنظيم حركة دولية له فروع وعلاقات في نحو 50 دولة.

وقد بايعت تلك الفروع والجماعات زعيم “داعش” أبو بكر البغدادي، مثل جماعة أبو سياف في الفلبين، وبوكو حرام في نيجيريا، وفصيل من حركة الشباب في الصومال؛ ما يجعل تلك الدول مكاناً خصباً لإعادة ولادة “داعش” من جديد.

-“الجهادي جاك” نموذجاً

ومنذ إنشاء التنظيم في العام 2014 وحتى إغلاق الحدود التركية واتخاذ السلطات في أنقرة إجراءات تحد من عبور المقاتلين الأجانب إلى سوريا، زاد عدد المقاتلين الذين التحقوا بصفوف “داعش”، من دول أوروبا، إلى أكثر من الضعف منذ العام 2014 وحتى 2015.

ويشير تقرير أعدته لجنة مجلس الأمن في الأمم المتحدة، في أبريل/نيسان من العام 2015، إلى أن عدد المقاتلين الأجانب شهد ارتفاعاً بنسبة 71%، بين منتصف عام 2014 ومارس/آذار 2015.

“الجهادي جاك” واحد من الأجانب الذين عبروا إلى سوريا للانضمام إلى “داعش” في العام 2015، محتجزٌ اليوم لدى القوات الكردية المقاتلة في سوريا.

الشاب البريطاني جاك ليتس، المعروف بلقب “الجهادي جاك”، ذكر لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، أن القوات الكردية التي تقاتل التنظيم تحتجزه حالياً، ولكنه يدعي أنه معارض للتنظيم، وأنه ترك مناطقه.

وقد تحدث ليتس إلى الشبكة البريطانية عن كيفية وصوله إلى سوريا، قائلاً: “وجدت مهرباً، وسرت خلفه خلال حقول الألغام، إنني أكره (داعش) أكثر من كراهية الأمريكيين لهم”.

وتزوج جاك في العراق، ولا تزال زوجته وطفله موجودين في مناطق التنظيم، موضحاً أنه “أُصيب في انفجار وذهب إلى الرقة ليستعيد عافيته”.

وادعى “الجهادي جاك” أنه تخلص من الوهم بشأن تنظيم داعش قبل عام تقريباً، بعد قتل التنظيم أنصاره السابقين، مضيفاً: “أدركت أنهم ليسوا على حق، ولذلك وضعوني في السجن ثلاث مرات، وهددوني بالقتل”.

في حين قال والداه الأب جون ليتس، والأم سالي لين، لـ”بي بي سي” إن الحكومة قالت لهما إنها تستطيع مساعدته فقط إذا ترك مناطق تنظيم داعش، ونظراً لأنه موجود حالياً خارج تلك المناطق فلا أحد، كما تقول أمه، “يريد تحمل المسؤولية”.

وأقر والده، الذي يعمل مزارعاً، بأن على ابنه “تحمُّل عواقب أفعاله”، عند عودته إلى بريطانيا، ولكن الأسرة غير مقتنعة بأنه “ارتكب خطأ على الإطلاق”.

-ذئاب بشرية

قصة جاك هذه ليست إلا واحدة من آلاف القصص لمقاتلين أجانب سحرهم خطاب التنظيم، وضحوا بحياتهم من أجله، وجعلهم منبوذين من دولهم ومجتمعاتهم.

ففي بداية فبراير/شباط 2017، حذر رئيس جهاز مكافحة الإرهاب البريطاني، ماكس هيل، من خطر عودة البريطانيين، الذين سافروا إلى العراق وسوريا من أجل القتال بجانب “الدولة”، إلى بريطانيا.

وبين أن “هناك مخاوف هائلة من عودة مئات المواطنين البريطانيين الذين غادروا البلاد للانضمام للقتال مع داعش”.

وكانت كل من ألمانيا وأستراليا وبلجيكا وكندا وهولندا وفرنسا وسويسرا، بالإضافة إلى المملكة المتحدة، قد أقرت قوانين في عام 2015 تجيز سحب الجنسية من رعاياها المنضمين إلى تنظيم “داعش”.

هذا الكلام يعني أن مصيرهم بات أمام منطق واحد؛ هو مواصلة القتال في الموصل والرقة حتى الموت، وفي حال نجاتهم فسوف يواجهون السجن إلى أجل غير مسمى؛ إمَّا في بلادهم أو في معتقل غوانتنامو الذي يصر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على إبقائه مفتوحاً، بحسب ما ذكر الخبير في الشؤون الأمنية، حسن الخالدي.

الخالدي أوضح لـ “الخليج أونلاين أن “المخاوف الأوروبية” نابعة من تكرار الهجمات التي شهدتها أوروبا منذ العام 2004، مروراً بهجمات باريس الدامية في 2015 التي قتلت 140 فرنسياً.

وأضاف: “لا شك أن رفض عودة المواطنين الأوروبيين الذين يقاتلون في صفوف داعش أمر مخالف للقيم الحقوقية والإنسانية لأوروبا، لكن الحكومات فيها لا تريد المغامرة باحتضان ما يمكن وصفه بـ(ذئاب بشرية) جاهرت بالعداء للمجتمعات الغربية، وتوعدتهم بالقتل بأبشع الطرق، فهي لا تعرف متى سينقض هذا الذئب، الذي قد يبدو وديعاً في بادئ عودته، على ضحاياه الذين كانوا تاريخياً من المدنيين”.

-ولادة من جديد

خسارة “داعش” المستمرة لعمقه الاستراتيجي في العراق وسوريا، وطرده من المناطق التي كان يسميها “أرض التمكين” في إشارة إلى دابق أولاً ثم الرقة والموصل، سيعني وفق خبراء نهاية وجوده في المنطقة؛ لسقوط المبدأ الذي قام عليه هذا التنظيم.

هذا الأمر يعني أن عمله ووجوده سوف ينحصر كخلايا نائمة، وسيعمد إلى الاختلاط بالمجتمع، وسيستخدم خلاياه النائمة والقناصة والسيارات المفخخة والاغتيالات، وأنه سيتجه إلى استراتيجية الحرب غير المنتظمة وحرب العصابات.

لكن هذا الأمر لن يكون في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة منذ عقود كالفلبين والصومال ونيجيريا وغيرها، خاصة أن تنظيمات “متشددة” في هذه الدول بايعت البغدادي؛ مثل جماعة أبو سياف في الفلبين، وبوكو حرام في نيجيريا، وفصيل من حركة الشباب في الصومال؛ ما يجعل تلك الدول مكاناً خصباً لإعادة ولادة “داعش” من جديد.

الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، استبعد في حديث لـ”الخليج أونلاين” خروج “داعش” من المناطق الحضرية التي يسيطر عليها في العراق وسوريا.

وأوضح قائلاً: “التنظيم سيأخذ شكلاً جديداً لوجوده وهو حرب العصابات وشن هجمات معاكسة؛ لأن الظروف الموضوعية لظهوره في العراق وسوريا، وأبرزها اضطهاد الأكثرية السنية، لا تزال موجودة”.

وأشار إلى أن “داعش” يعمل وفق مستويات متعددة ويعمل في أكثر من 20 دولة، ولا يزال نشطاً في أكثر من بقعة جغرافية في آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهو يفرض سيطرته بشكل واضح في أفغانستان ونيجيريا.

وتوقع أبو هنية أن تكون هناك معارك أخرى كبيرة في العراق وسوريا، كمعركة تلعفر والحويجة في العراق، ودير الزور في الرقة، مشيراً إلى أن “التنظيم لا يزال لديه إمكانيات عسكرية”.

وحول سيناريو حدوث انشقاقات في “داعش” في حال هزيمته بالموصل والرقة، لفت أبو هنية إلى إمكانية حدوث ذلك لكن على شكل فردي، إلا أنه أوضح أن “التنظيم سيكسب عناصر جديدة بسبب مشاكل الإقصاء والتهميش والاضطهاد الشيعي الواضح للسنة في العراق وسوريا، بالإضافة إلى حرب التدمير التي شنت على سكان الموصل والرقة، كل ذلك سيخلق هجرة معاكسة إلى التنظيم نتيجة غياب أي تسويات أو حلول”.

وشدد على أن “المجتمعات السنية غير مقتنعة بأيديولجية “داعش”، ولكن سياسات العبادي والمالكي والأسد والحشد الشعبي تدفع أفراداً من هذه المجتمعات نحو “داعش”، ومن دون حلول وتسويات سياسية لا يمكن تهميش التنظيم وإقصاءه، وكل الجهود الحالية لذلك ستذهب هباءً”.

أضف تعليقك