العراق قد يكون مقبلاً على صراع جديد بين المدنيين والإسلاميين

وسط أزمات سياسية تقليدية يعيشها العراق منذ سنوات، ظهرت مؤخرا ملامح صراع جديد بين المدنيين والإسلاميين ليعيد إلى الذاكرة العراقية أول صراع بين الطرفين في ستينات القرن الماضي والاختلاف حول ادوار القوي والضعيف.

الأسبوع الماضي اختطفت جماعة مسلحة مجهولة سبعة ناشطين مدنيين شباب من مكان سكنهم في شقة صغيرة داخل منطقة السعدون في قلب العاصمة بغداد، وبعد ثلاثة أيام أعلنت وزارة الداخلية الإفراج عنهم بجهود من قبل وزيرها قاسم الاعرجي، ولكن المفارقة أنها لم تعلن عن الجهة التي نفذت الاختطاف، وهو ما وجه أصابع الاتهام إلى فصائل شيعية، كما قال الناشطون بعد إطلاق سراحهم أنهم تعرضوا للتعذيب.

ينتمي بعض هؤلاء الشباب المخطوفين إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي يتبنى التظاهرات المطالبة بتحقيق الإصلاحات السياسية في البلاد، ويقود الحزب الشيوعي تحالفا من منظمات وشخصيات غير حكومية تحت اسم “التيار المدني” ويطالب التحالف بالدولة المدنية.

وفي الشهر الماضي هاجم مسلحون مجهولون مقر الحزب الشيوعي في محافظة الديوانية جنوب البلاد بواسطة قنبلتين بعد ساعات من قيام عدد من طلبة الجامعة في المدينة بترديد شعارات مناهضة لزيارة زعيم حركة “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي إلى الجامعة في احتفال لدعم قوات “الحشد الشعبي”.

الحزب الشيوعي اتهم ميليشيات لم يحدد اسمها بالوقوف وراء الحادثة، وبرغم أن “عصائب أهل الحق” نفت مسؤوليتها عن الحادثة، إلا أن توقيتها ووقوعها في محافظة شيعية يؤكد بما لا يقبل الشك أن الحادثة ذات طابع سياسي، خصوصا أن احد الطلبة الذين رددوا الشعارات المناهضة للخزعلي قريب من الحزب الشيوعي.

ومنذ أيام تجري حرب كلامية على مواقع التواصل الاجتماعي بين فريقين من العراقيين، الأول ينتقد الأحزاب الإسلامية الحاكمة ويحملها مسؤولية دمار البلاد والحالة المعيشية السيئة، بينما يقوم الفريق الآخر باتهام الخصم بأنهم ضد الدين والإسلام ويريدون نشر الإلحاد والفجور داخل المجتمع العراقي.

وأدوات هذه الحرب الالكترونية في مقاطع فيديو ومقالات ومنشورات لا تخلو من خطاب كراهية من الجانبين، فمثلا ظهرت مقاطع فيديو لرجال دين يتكلمون بخطاب متشدد ويهاجمون ما يسمونه “تصرفات غير أخلاقية” من قبل بعض الشباب، وكذلك انتشرت عشرات المقالات التي تهاجم التيار المدني في البلاد والحزب الشيوعي خصوصا، والشيء نفسه يقوم به الفريق الآخر.

نصير كاظم احد الناشطين المدنيين يواظب منذ عامين على المشاركة في التظاهرات الشعبية المطالبة بالإصلاحات السياسية، يقول أن “بعض الأحزاب الإسلامية تحاول اتهامنا بالكفر والإلحاد وعدم الإيمان بالدين لتشويه سمعتنا أمام الرأي العام العراقي”.

ويضيف “صحيح أن شخصيات بارزة في الحزب الشيوعي هي التي تقود التظاهرات ولكن ليس فقط الشيوعيون هم من يتظاهر، فهناك عشرات الشخصيات ومنظمات المجتمع المدني التي تشارك في التظاهرة وبينهم حتى رجال دين مستقلون، ولكن هناك خطة للقضاء على التظاهرات عبر تهديد المتظاهرين، الجميع يعلم من خطف الناشطين الشباب السبعة وقبلهم الصحفية أفراح شوقي، ولكن لا احد يجرؤ على توجيه الاتهام لهم”.

تروي الذاكرة العراقية الصراع الأول بين الشيوعيين والإسلاميين في منتصف القرن الماضي بعد تغيير نظام الحكم في العراق من النظام الملكي إلى الجمهوري عام 1958 الذي قاده ضباط في الجيش بزعامة عبد الكريم قاسم وبدعم كبير من الحزب الشيوعي الذي كان الحزب الأقوى والأكثر انتشارا في البلاد والمنطقة العربية آنذاك.

واثر اتساع المد الشيوعي في المجتمع العراقي ووصوله إلى المحافظات الجنوبية الريفية ولدت أولى الأفكار في تاريخ المذهب الشيعي في مدينة النجف لتأسيس حزب سياسي بعدما كانت تعارض المشاركة في العمل السياسي، وفي عام 1960 تأسس حزب “الدعوة الإسلامية” الذي وصل إلى الحكم في البلاد بعد 2003.

أدبيات حزب “الدعوة الإسلامية” تشير إلى أن هدف الحزب الأساسي كان مواجهة المد الشيوعي العارم الذي اجتاح المجتمع العراقي، وفي حينه كان الشيوعيون العراقيون يسيطرون على مفاصل الحكم في البلاد حتى ظهر حزب “البعث العربي الاشتراكي” على الساحة السياسية العراقية.

كما أن احد ابرز رجال الدين الشيعة آنذاك محسن الحكيم (وهو جد رئيس المجلس الأعلى الإسلامي الحالي عمار الحكيم) اصدر أول فتوى صريحة من مرجع شيعي عام 1961 عندما قال “لا يجوز الانتماء إلى الحزب الشيوعي فإن ذلك كفر وإلحاد”.

ومع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 توقف الصراع بين الشيوعيين والإسلاميين عندما بدأ حزب البعث بمحاربة الطرفين من اجل الاستحواذ على السلطة، وتمكن بعد سنوات من حظر الأحزاب المنافسة، وأصبح العراق تحت حكم الحزب الواحد.

وبعد نصف قرن يعود الصراع مجددا بين الشيوعيين والإسلاميين، ولكن الإسلاميين هم الذين يسيطرون على السلطة هذه المرة بينما الشيوعيون والمدنيون ليس لديهم تمثيل سياسي قوي ومؤثر في الحكومة والبرلمان.

جابر المحمداوي رجل دين يعمل في تدريس المذهب الشيعي في النجف يقول حول ذلك “لا شك أن هناك مخاوف من انتشار ظاهرة الإلحاد في المجتمع كنتيجة متوقعة لظهور داعش الذي عمل على تشويه صورة الإسلام، منذ أشهر نلاحظ تزايد عدد الملحدين الشباب وهؤلاء يقومون بنشر أفكارهم بشكل علني على مواقع التواصل الاجتماعي وتعمل على استفزاز غالبية المجتمع”.

ويؤكد المحمداوي أن المرجعية الدينية العليا بقيادة علي السيستاني ترفض وبشدة استخدام القوة ضد أي شخص بسبب أفكاره، ولكن هناك رجال دين آخرين وفصائل مسلحة يحوي خطابهم على التحريض والكراهية وهو أمر غير مقبول، والسبب هو ضعف الحكومة وعدم قدرتها على حصر السلاح بيد الدولة”.

الصراع الجديد بين الشيوعيين والإسلاميين بدأ مع انطلاق التظاهرات الشعبية الواسعة المطالبة بالإصلاحات السياسية في 31 تموز (يوليو) 2015، وتبنى التظاهرة تحالف واسع ضم الحزب الشيوعي وناشطين مدنيين ومنظمات غير حكومية، ورفع المتظاهرون آنذاك الشعار الذي استفز الأحزاب الإسلامية الحاكمة “باسم الدين باكونة الحرامية” ويعني أن الأحزاب الإسلامية استخدمت الدين كوسيلة لسرقة الشعب العراقي.

وفي أول تعليق من السياسيين الإسلاميين على التظاهرات، حذر رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي من التظاهرات وقال أن “البعض يحاول سرقة التظاهرات لتغيير مسارها ضد الدين ورجال الدين والمراجع الدينية والحركات الإسلامية”.

بينما حاولت الفصائل الشيعية ومنها “عصائب أهل الحق” تشتيت التظاهرات عبر إعلانها المشاركة فيها، وظهر رئيسها قيس الخزعلي في كلمة تلفزيونية أعلن فيها تشكيل “الحشد الشعبي المدني” وهو الاسم ذاته الذي يطلق على الفصائل الشيعية التي تقاتل داعش مع إضافة اسم “مدني” لأن أهدافه ليست عسكرية.

وبعد أشهر قليلة على انطلاق التظاهرات في تموز (يوليو) 2015 تراجعت أعداد المتظاهرين بشكل كبير وأصبحت غير مؤثرة حتى فاجأ زعيم التيار الصدري الشيعي مقتدى الصدر الجميع في نيسان ابريل 2016 عندما دعا مئات الآلاف من أنصاره للمشاركة في التظاهرات الشعبية واقتحموا للمرة الأولى في حدث تاريخي لن ينساه العراقيون المنطقة الخضراء ومبنى البرلمان، ومنذ ذلك الحين عقد تحالف نادر بين حركة إسلامية شيعية وحركة مدنية تتبنى العلمانية والدولة المدنية.

هذه الأيام أصبحت التظاهرات أقوى من أي وقت مضى، ويتجمع الآلاف كل يوم جمعة وسط ساحة التحرير، وأصبحوا قوة مؤثرة في الحياة السياسية، ومثلا فإن البرلمان حاول الأسبوع الماضي التصويت على قانون “تنظيم حرية الرأي والتظاهر السلمي”، لكن النواب تراجعوا عن ذلك بسبب الضغط الشعبي الكبير.

التعقيبات

أضف تعليقك