الرئيسية / رأي عام / أقليات العراق تشكو من خطاب الكراهية ضدّهم

أقليات العراق تشكو من خطاب الكراهية ضدّهم

بغداد – اثار تسريب فيديو لرئيس ديوان الوقف الشيعي في العراق السيد “علاء عبد الصاحب الموسوي” لدرس فقهي عن الجهاد ضد غير المسلمين غضبا واسع النطاق في وسائل التواصل الاجتماعي. عبّر الموسوي في الدرس عن رأيه الفقهي عن الخيارات الثلاثة المتاحة أمام غير المسلمين وهو الجهاد معهم او دخولهم للاسلام او قبولهم دفع الجزية إن كانوا من أهل الكتاب حصراً.
فقد اطلق البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو راس الكنيسة الكلدانية في العراق بيانا في الخامس من أيار/مايو الحالي لاستيعاب ردود الأفعال الغاضبة من الفديو المسرب ولتنبيه القادة الدينيين الى مسؤوليتهم التاريخية في هذه الفترة الحرجة في تاريخ البلاد، اذ دعا في بيانه هذه القيادات الدينية التي لم يشر اليها بالاسم إلى “تبني نهج الاعتدال والانفتاح وحظر خطابات الكراهية والتمييز. مبينا بإن خطابات الكراهية ” لا تخدم الإسلام، إنما ترفع الجدران بين البشر وتقسمهم وترسخ الاسلاموفوبيا وتفكك اللحمة الوطنية وتقوض السلام وتنتهك الحريات وحقوق الإنسان”.

وأكد ساكو في بيانه على اهمية دور الدولة التي يشكل غياب سلطتها في انفلات الكراهيات المدمرة، اذ أشار في بيانه الى اهمية فرض الدولة “القانون والعمل على احترام عقيدة كل إنسان عملا بشرعة حقوق الإنسان بالآية الكريمة: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

وقد تطورت أزمة ردود الأفعال الغاضبة التي أطلقها التسريب الفديوي الى مطالبات اصلاحية داخل البرلمان الاتحادي بدمج الأوقاف الدينية في العراق بإدارة مدنية تحقيقا للوحدة، على أن “تشغله شخصية علمانية واقالة كل من يثبت تحريضه على اثارة الخلافات الدينية والنعرات الطائفية في البلد”، حسب تصريح النائبة عن كتلة الأحرار النيابية في 12 أيار/مايو الحالي.

وكشفت ردود الفعل على مضمون الفيديو المسرب عن الحساسيات في العلاقات الاسلامية المسيحية ومع بقية الاقليات الدينية والتي وصلت الى مرحلة حرجة بعد اجتياح داعش لمناطق من العراق في حزيران 2014 وممارسته اضطهادا ضد الاقليات الدينية وارتكابه جرائما ضد الانسانية وابادة في سنجار ومناطق اخرى من محافظة نينوى.

من جهة ثانية دعا ساكو في حديثه مع المونيتور عّن الحلول اللازمة لمواجهة خطابات الكراهية الى اهمية تأسيس مجلس وطني للاديان او لجنة وطنية دينية للحوار يمكن من خلالها اتخاذ مواقف موحدة على صعيد القيادات الدينية تتفادى مخرجات الانقسام وتؤسس لثقافة حوار نحن احوج ما نكون اليها في هذه الأيام العصيبة التي تمر على أبناء شعبنا”.

اما السيد “علاء عبد الصاحب الموسوي” فقد بين في حديثه مع المونيتور ان الفيديو يعود الى درس لاهوتي بعيد عن الراهن العملي كما يتم تناول احكام الرّق في الاسلام والتي تعد من الماضي ولم يعد لها اعتبار في الحاضر. وأضاف أن تسريب الفيديو تقف وراءه جهات لا تريد ان ان تترسخ أسس التعايش الاسلامي المسيحي في العراق، لا سيما بعد تحرير مناطق المسيحيين والايزيديين وبقية المكونات الدينية من تنظيم داعش، والذي اتسم بوحدة في الموقف تجاه التنظيم المتطرف، ومن ثم وحسب الموسوي هناك هدف مريب لتعطيل اعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع العرافي في فترة ما بعد داعش.

وقد أكد الموسوي على مظاهر التطور الإيجابي الذي وصلت اليه العلاقات الاسلامية مع بقية ممثلي المكونات الدينية المختلفة بعد زيارة الوفد العراقي لحوار الأديان برئاسته (الموسوي) في مقر الكنيسة الكاثوليكية في روما بابا الفاتيكان فرانسيس. واشار الموسوي الى انه قدم الشكر لقداسة البابا لرعاية اللقاء مع الوفد العراقي الرفيع، مخاطبا قداسته “إننا أمناء على رسالة الله و مقتضى هذا التكليف ان نحافظ على هذه الأمانة و نرعاها.”

في حين صدر بيان عن السيد المرجع الديني الأعلى في النجف الأشرف السيد علي السيستاني تضمن الحث على حرمة الدم العراقي ووقف العنف المتقابل بكافة اشكاله ومؤكدا على عدم التعرض بالسوء والأذى للمواطنين المسيحيين والمندائيين، مؤكدا على مواقفه السابقة والتي تمثل الخط التقليدي للمرجعية الدينية الشيعية في النجف الأشرف.

الى ذلك أشار النائب في البرلمان العراقي “جوزيف صليوا” رئيس كتلة الوركاء الديمقراطية النيابية للمونيتور الى انه في الوقت الذي يقدر فيه المسيحيون موقف المرجع الأعلى السيد علي السيستاني الذي طالما يهنىء ابناء شعبنا المسيحي في اعياد الميلاد ورأس السنة، الا انه تقع عليه المسؤولية الأكبر في منع خطابات الكراهية على أساس ديني. جاء تصريح صليوة في سياق حديثه للمونيتور عن اهمية دور النخب الدينية، ولا سيما المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف، للحد من تاثيرات خطابات الكراهية على حقوق الاقليات الدينية في العراق من مسيحيين وايزيديين ومندائيين وكاكائيين وبهائيين وزرادشتيين، وأكد صليوا ان تدخل المرجعية الدينية العليا لمنع خطب الكراهية والتمييز على أساس ديني من شانه تعزيز التعددية التي بدا المجتمع العراقي بفقدانها تدريجيا في الأعوام الماضية.

وبما ان كل أزمة قد تشكل فرصة للإصلاح ولإعادة بناء الثقة اذا ما احسن توظيف مخرجاتها على النحو السليم، فقد تنطوي الأزمة الحالية على فرص للإصلاح مثلما انطوت على تحديات هددت العلاقات الشيعية المسيحية، ما قد يصب في مصلحة تعزيز إدارة التنوع في عراق ما بعد داعش.

وقد بينت الأزمة التي تلت تسريب الفيديو والبيانات والمواقف من النخب الدينية والسياسية المسيحية اهمية صياغة استراتيجية وطنية من قبل الدولة العراقية لمواجهة خطابات الكراهية من جهة، واهمية اتفاق النخب الدينية الاسلامية ومن الاقليات الدينية غير المسلمة على دعم هذه الاستراتيجية من خلال موقف موحد من جهة ثانية، فيما يستعد العراقيون لإكمال تحرير آخر مساحة من محافظة نينوى من تنظيم داعش.

سعد سلوم
كاتب مساهم, نبض العراق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*