الرئيسية / ملفات و تقارير / مليشيات الحشد أكبر خطر يتهدد العراق بعد تنظيم داعش

مليشيات الحشد أكبر خطر يتهدد العراق بعد تنظيم داعش

تدخل الحرب القائمة في العراق ضد تنظیم “داعش” مرحلتها الأخیرة، خاصة مع التأكيد مؤخرا أن الجهاديين باتوا محاصرين على مساحة 12 كيلومتر فقط، معلنين بذلك عن بداية مرحلة جديدة لن تكون أقل تعقيدا وربما دموية من مرحلة التحرر من سلطة التنظيم. فإلى جانب معضلة التوصل إلى مشروع مصالحة وطنية محل توافق الجميع، يطرح مصير مليشيات الحشد كتحدي كبير أمام الحكومة العراقية ولا سيما تلك الموالية منها لطهران.

في يونيو حزيران 2016 دعا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الجميع سياسيين وأحزابا وأفرادا إلى المصالحة الوطنية، في خطوة اعتبرت بمثابة التأييد لمشروع المصالحة الوطنية التي طرحها زعيم التحالف الوطني عمار الحكيم في يناير كانون الثاني من نفس السنة.

وكان الحكيم قد طرح على زعماء القوى السياسية العراقية مشروعا وصف بكونه “عابرا للطائفية والقومية” وحاول كسب تأييدهم بالسعي لإقناعهم بأن الوضع الراهن في البلاد يتطلب وحدة الصفوف ونبذ الانقسامات الطائفية.

ولمزيد توسيع دائرة التحشيد لمشروعه قام بزيارة إلى كل من الأردن وإيران، ولكن المشروع وإن نال دعم الكثير من الزعماء العراقيين سواء داخل التحالف الوطني وخارجه، إلا العديد من الزعماء وخاصة السنة على غرار “ائتلاف العراقية” الذي يتزعمه أسامة النجيفي، لم يكونوا راضين عن المشروع الذي بدا لهم أنه يكرس سياسة الإقصاء والتفرد بالسلطة التي سادت في العراق ما بعد 2003.

ورغم اقتراب موعد حسم معركة داعش مازال الخلاف والاختلاف يخيمان على الوضع داخل العائلة السياسية العراقية، في ظل عدم تقديم القوى الشيعية التي سيطرت على مقاليد السلطة بعد الإطاحة بصدام حسين، لضمانات حقيقية للقوى الأخرى وخاصة السنية التي ترى أنها تعاني التهميش والإقصاء بل وتعتبر أن هذا الوضع كان السبب المباشر في سيطرة الجهاديين على الكثير من المدن ذات الغالبية السنية في العراق.

ولم تقف الخلافات في حدود الصراعات التقليدية بين الطائفتين المتناحرتين، بل تسلل الخلاف داخل الطائفة الواحدة. فمن جهة تعاني الكتل والأحزاب السنية انشقاقات وانقسامات كبيرة بين شق رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري الذي يدعو التقارب أكثر مع الكتل الشيعية بدل التصادم معها، وشق أسامة النجيفي الذي يشدد على مشاركة حقيقية للعراقيين السنة في السلطة ووقف سياسة الإقصاء التي سادت لأكثر من عقد وهو طرح لا يحظى بتأييد القوى الشيعية.

ومن جهة أخرى تجاهد العائلة السياسية الشيعية لإخفاء الخلافات الكبيرة التي بدأت تتكشف يوميا وخاصة بين تيار يقوده المالكي ويريد مواصلة العمل بذات السياسة إيمانا منه بأن الشيعة هي الأغلبية العراقية وتفعيلا لأجندات إيران التي تتطلع لعراق لا يهدأ لفسح المجال أكثر لبلورة مشروعها، وبين معسكر العبادي الذي ينشد مزيد الانفتاح على بقية الطوائف العراقية في الحكم لتجنب تكرار سيناريو “داعشي” جديد، هذا فضلا عن معسكر مقتدى الصدر الذي يبدو يقينا أنه يعادي المالكي وسياسته ولكنه لا يعلن صراحة تأييد مشاريع العبادي.

وفي خضم هذا الارتباك الكبير في البلاد يبدو أن الأيام القادمة ستشهد مخاضا عسيرا لمشروع المصالحة الوطنية الذي قد لا يرى النور في ظل وضع محكوم بعقيدة طائفية “مقيتة” وبسطوة مليشيات قد تتحول في مرحلة قادمة إلى أداة لفرض سياسات بقوة السلاح على غرار الحشد الشعبي الذي تكمن خطورته في كونه خليطا من المسلحين العراقيين بينهم من قد يسهل دمجهم في القوات الرسمية رغم خطورة الفكرة، وآخرين هم وكلاء إيران في العراق وسيشكل وجودهم خطرا كبيرا في المرحلة القادمة.

ولهذا باتت المليشيات تمثل هاجسا كبيرا للحكومة العراقية ما بعد مرحلة التحرير من الدولة الإسلامية، فمع إشراف المعركة على نهايتها ستكون مسألة البت في مصير المليشيات التي شاركت على جانب القوات الرسمية في المعارك ضد الجهاديين، أمرا حتميا.

ويقول بعض المراقبين أن الكثير من الفصائل التابعة للحشد الشعبي الشيعي والحشد السني سيكون من السهل دمجهم بشكل رسمي داخل القوات العراقية سواء الجيش أو الشرطة وغيرها، وإن كان ذلك سيطرح جدلا آخرا في ظل معارضة الكثير من القوى في العراق لخيار دمج المليشيات واعتبارها جهازا امنيا رسميا كما أعلن عن ذلك العبادي.

ويخشى الكثير من ىالعراقيين أن تتحول هذه المليشيات في حال دمجها إلى ما يشبه الحرس الثوري الإيراني نظرا للطابع العقائدي والطائفي الذي يميزها ولارتباطها بالمقامات ورجال الدين تماما كما هو النموذج الإيراني.

ويعتقدون أنه في حال تمت بلورة هذا السيناريو فإن لا مفر من غرق العراق في حرب طائفية لن تتوقف ما دامت الهياكل الأمنية الرسمية ستكون محكومة بمليشيات طائفية لا تحظى بثقة وتأييد الطوائف العراقية الأخرى التي تتهمها بالضلوع في جرائم كبرى بحقهم كالاعتقال والخطف والقتل، وقد تخلق سباقا “ميليشياويا” مع بقية الطوائف العراقية بهدف تأمين الحماية الذاتية.

كما أن هذه المليشيات قد تحافظ على وضعها الحالي لاستثمارها في الانتخابات التي باتت على الأبواب. فالمعلوم عن هذه الفصائل تبعية كل واحدة لزعيم سياسي أو لقائد محسوب على كتلة سياسية بعينها. ولهذا وفي خضم حالة الفوضى المستشرية في العراق ومع غياب ردع الحكومة لكل تجاوزاتها السابقة والحالية فمن المرجح أن تكون أداة ضغط لصالح بعض القيادات لدفع الانتخابات نحو مسارات يتم الإعداد لها بشكل مسبق.

ويقول مراقبون أن هذا السيناريو قد يكون الأخطر لأنه سيعيد البلاد إلى مرحلة الصراعات الطائفية الكبرى، وقد يتمخض عنه مولود “جهادي” جديد أشد ضراوة من الدولة الإسلامية، هذا دون اعتبار خطر المليشيات الأخرى المحكومة بالولاء لخامنئي.

وإذا كان حال المليشيات العراقية الانتماء والولاء بهذا القدر من التعقيد والخطورة، فإن الفصائل المدعومة من طهران ستكون صداعا كبيرا يصعب التعاطي دون خسائر كبيرة في كل الحالات.

وبين هذه المليشيات المثيرة للجدل والمنضوية داخل الحشد الشعبي هناك بشكل خاص “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي و”كتائب حزب الله”، اللتين تنتصبان في العراق لخدمة أهداف إيران التوسعية، بل ولتجسيد مخطط “البدر الشيعي” في العراق وسوريا ولبنان كما أعلن الخزعلي منذ أيام.

وهذه المليشيات سيكون من الخطر إدماجها داخل القوات العراقية الرسمية لأن ذلك سيشكل اختراقا خارجيا كبيرا لأمن البلاد من قبل جهة يلائمها بقاء حالة الفوضى في البلاد لتتغلغل أكثر في مفاصل الدولة الحيوية. كما أن بقاءها طليقة دون رادع أو إطار قانوني سيطلق يدها أكثر لارتكاب المزيد من الجرائم أمام صمت حكومي قد تعتبره إشارة موافقة أو تأييد، أو التحول لحركة سياسية تحاكي نموذج “حزب الله” اللبناني، أي التحول لحزب سياسي بجناح عسكري خارج عن سلطة الدولة.

وستستخدم هذه النسخة العراقية لمهاجمة أعداء إيران في المنطقة كالسعودية وإسرائيل، كما ستكون أداة ضغط على القادة السياسيين والعسكريين والدينيين العراقيين الذين قد يجاهرون بالتخلي عن مصالح طهران في البلاد.

ويبدو أن الولايات المتحدة الأميركية التي تسعى بقيادة ترامب لتحجيم نفوذ إيران في المنطقة، قد استشرفت هذا السيناريو الذي رجحه الكثير من المطلعين على الشأن العراقي، ولهذا باتت تروج لفكرة البقاء في العراق بعد نهاية معركة الدولة الإسلامية.

ويقول بعض المراقبين أن زيادة عدد العسكريين الأميركيين في السنة الأخيرة بالعراق بتعلة دعم جهود القوات العراقية في مكافحة الإرهاب رغم التوجه سابقا لتقليص الأعداد بل والانسحاب التام، إنما يدخل في سياق الإعداد لهذه المرحلة.

وستكون واشنطن، حسب المراقبين، مجبرة إقرار حزمة جديدة من التدريبات للعراق وتجهيز الدعم لقوات الأمن العراقية لتغطية للفترة الممتدة بين 2017-2020، لتحل محل الحزمة الحالية التي تغطي الفترة 2014-2017. وهذا الغطاء الرسمي سيمنحها صلاحية البقاء مع تجنب الدخول في مواجهة مبكرة ـ ربماـ مع المليشيات المدعومة من إيران.

وستعمل في الأثناء على قطع طريق دمج المليشيات السالف ذكرها داخل القوات العراقية وعرقلة بلورة مشروع “حزب الله” اللبناني في العراق. ولكن المهمة لن تكون سهلة وقد تؤدي لاندلاع معارك دامية بين الجانبين.

والسيناريو الأكثر تفاؤلا هو أن يخرج آية الله علي السيستاني بفتوى جديدة بعد تحرير الموصل، بإعفاء العراقيين من واجباتهم في حمل السلاح، كما خرج سابقا ودعا إلى “الجهاد” ضد داعش والذي أدى فيما بعد لظهور الحشد الشعبي. ويبقى السؤال هل ستلتزم هذه الفصائل بنداء رجل الدين كما فعلت في البداية؟ الأمر لا يبدو سهلا أو ممكنا بالنسبة خاصة للمليشيات التي استفادت كثيرا من انخراطها في الحشد الشعبي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*