العراق والسعودية … د.انور عشقي

جاءت ولاية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، مع الخطوات الأخيرة لتحرير العراق من احتلال داعش الإرهابية ثلث الأراضى العراقية، فقال الرئيس الأمريكى: لقد دفعنا فى العراق ثلاثة تريليونات دولار ولن نتخلى عنها.

ولو عدنا إلى الوراء، لوجدنا أن الاحتلال الأمريكى للعراق وإسقاط حكم صدام، ما كان إلا لهدف جعل العراق نموذجًا للعالم العربى، فى جوانبه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما فعلت الولايات المتحدة بألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، فكانت نموذجًا لأوروبا الشرقية، فما إن انهار الاتحاد السوفيتى حتى أعادت هذه الدول بناءها على النموذج الألمانى الغربى.

واليوم نجد الرئيس ترامب يحاول تصحيح المسار، ولا يكون ذلك إلا بإعادة بناء العراق بعد تحريره من داعش، وإخراج إيران، وعودة العراق إلى العالم العربى الذى يتولى إعادة البناء فى مرحلة ما بعد داعش.

لهذا نجد وصول المستشارين الأمريكيين، والدعم الأمريكى للقضاء على داعش الذى عجز أتباع إيران عن القيام به، ثم جاءت زيارة وزير الخارجية عادل الجبير إلى العراق فى 25 مارس 2017، عندها شهدت بغداد والرياض تحسنًا كبيرًا فى العلاقات، تلتها زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن كى تكتمل الصورة، فهذه الأحداث المتلاحقة لم تكن من قبيل المصادفة، بل هى من باب التخطيط والتنفيذ.

وبتلبية دعوة الرئيس دونالد ترامب، نجد الرئيس حيدر العبادى، كان قد طار – منذ أسابيع – إلى واشنطن ليكون ثالث مسئول عربى يلتقى الرئيس الأمريكى، ولم تتمكن إيران من المعارضة أو الاعتراض، لأنها أصبحت فى وضع صعب بعد التهديدات الأمريكية.

فهذه الزيارات، من شأنها إعادة تشكيل العراق على أسس قوية، تقضى بتوحيد الصفوف فى الداخل، وإبعاد العراق عن الهيمنة الخارجية من إيران بتعاون سعودى أمريكى تركى، هذا ما توصل إليه المتابعون للأحداث المتلاحقة، وهذا لا يتم إلا باستراتيجية رُسمَت من قبل العواصم الثلاث.

وقد كان البيت الأبيض قد أبلغ الرئيس حيدر العبادى، بأن اللقاء التشاورى مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، سيكون بعد اللقاء مع الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز بالرئيس ترامب فى واشنطن.

وبعد زيارة وزير الخارجية السعودى عادل الجبير إلى العراق، تحرك وفد عراقى إلى المملكة العربية السعودية، وبعد التشاور، وبناءً عليه، فُتحَت الممرات البرية بين البلدين، وسُيَرت الخطوط الجوية بين الجارتين.

وقبل زيارة العبادى، عقد لقاء تشاورى بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية فى إسطنبول، وضعت بموجبه الأسس الاستراتيجية الجديدة لما بعد داعش فى العراق وسوريا، وقد عرضت أمريكا على العبادى ما جرى فى هذا اللقاء التشاورى.

ومن أهم الملفات التى تم بحثها فى واشنطن، مستقبل المناطق المحررة، وأن إدارة الموصل ستكون فى البداية عسكرية، حتى يتم ترتيب باقى الأوراق، وهذا لا يعنى أن دعوة الرئيس العبادى استدعاء، بل هى دعوة للتشاور، وفرق بين الدعوة والاستدعاء.

فهل يستطيع الرئيس العبادى أن يتخلص من الحشد الشعبى كأذرعة إيرانية قوية فى العراق، لكننا فى هذا الواقع يُمكن أن نستجدى المعادلات الرياضية، فالحشد الشعبى فى العراق لم يظهر إلا عندما ضعف الجيش العراقى، واليوم نجد الولايات المتحدة تدعم الجيش العراقى، فإذا وصل إلى القوة الكافية، فإن الحشد الشعبى سوف يتلاشى ويزول، وهذه هى استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد طلب الرئيس الأمريكى من الكونجرس مزيدًا من الميزانية للجيش الأمريكى، وأفرد من هذه الميزانية ثلاثة مليارات دولار، كل ذلك لتقوية الجيش العراقى وإعادة البناء، وهذا ما يؤكد أن العراق سيتخلص من الهيمنة الإيرانية.

وقد يتساءل البعض: كيف لإيران أن تتخلى عن العراق؟

لقد بدأت المشاكل تتفاقم داخل إيران، فالأهوازيون يطالبون بالاستقلال، والأكراد يفعلون ذلك، والآذاريون يقولون بأنهم ليسوا بفرس، والبلوشيون يؤكدون انتماءهم إلى باكستان، أما التركمان فيتطلعون إلى الانضمام لدولتهم تركمانستان، كما أن ضغط العقوبات أرهق الإيرانيين، وتورطهم فى سوريا والعراق ولبنان أثقل كاهلهم بالنفقات، والشعب الإيرانى أخذ يُبدى امتعاضه من شظف العيش الذى يعيشه.

لهذا نجد إيران تُخفض من المخصصات لأذرعتها الخارجية، وترضخ للشروط التى رفضتها بشأن الحج والعمرة، وتحاول مد الجسور مع دول مجلس التعاون، ولم تعترض على زيارة وزير الخارجية السعودى إلى العراق، وتُغمض العين عن زيارة الرئيس العبادى إلى واشنطن.

لقد وجد الشعب العراقى أنه دون الولايات المتحدة لن يتمكن من دحر الإرهاب الممثل فى داعش، مما جعل الثقة تعود إلى التعاون مع أمريكا، وكما أصبح القرار فى سوريا بيد روسيا، فإن القرار الأول فى العراق أخذ يميل إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وفى كل مرة كنت أسأل زملائى العراقيين المشاركين فى المؤتمرات الدولية، من يتحكم فى القرار السياسى بالعراق؟، كان الجواب يأتينى بأنه فى أيدى إيران!، وعندما كنت أسألهم: هل أنتم راضون؟، فكان الجواب.. لا، علمت وقتها أن إيران لن تبقى فى العراق، فهل حقًا هذا هو الواقع، أم أن ما يبدو على السطح هو من قبيل التفاؤل؟.

إن موعد الامتحان قد اقترب، فالانتخابات العراقية المقبلة ستكون فى العام المقبل، عندها ستكون النتيجة هى الشاهد على ذلك، والمرشحان المتوقعان هما المالكى وإياد علاوى، فالمالكى يمثل الذراع الإيرانية، أما علاوى فيمثل رغبة الشعب العراقى، فهل يُكتب الفوز للمالكى أم لعلاوى؟.

 

أضف تعليقك