دور الأكراد في تقسيم العراق وسوريا يضر بقضيتهم … محمد زاهد جول

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 9 أبريل 2017 - 6:23 مساءً
دور الأكراد في تقسيم العراق وسوريا يضر بقضيتهم … محمد زاهد جول

لا ينغي النظر إلى قرار مجلس حكم محافظة كركوك برفع علم إقليم كردستان على المباني الحكومية في كركوك على أنه ذاتي أو معزول عن الرؤية الأمريكية لمستقبل العراق، ولا عن المواقف الأوروبية والألمانية تحديدا، ولا عن الموقف الإيرانية التي سوف توافق على أن تكون حصتها جزءا من الأراضي العراقية أو السورية، في حال أصرت المشاريع الدولية على تقسيم العراق وسوريا، فالخطوة الكردية برفع علم إقليم كردستان في كركوك جاءت بعد توافق بين جلال طالباني ومسعود بارزاني أقوى قطبين كرديين في العراق، وهذا يدل على أن الحركة تعني أول ما تعني السعي لتوسيع إقليم كردستان ليشمل محافظة كركوك، وأما أسبابها فليست توسعا في الجغرافيا وإنما لما في كركوك من مخزون نفطي كبير، فالمسألة مسألة نفط يحتاج إقليم كردستان إلى عائداته المالية لإدارة الإقليم أو الدولة الكردية المقبلة بعد تقسيم العراق. لم تخف الحكومة العراقية رفضها لرفع العلم الكردستاني على مباني كركوك، وطالبت بانزاله بقرار صادر من البرلمان ومن الحكومة أيضاً، ورفضت الحكومة التركية هذا الإجراء فقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثلاثاء الماضي «ليعلم أصحاب ذلك العلم أنهم يمارسون الانفصالية».
هذا الرفض العربي والتركي ينطبق أيضاً على رفض قرار أحادي الجانب اتخذه مجلس محافظة كركوك بتنظيم استفتاء لضم المدينة، فالأعضاء العرب والتركمان في المجلس يرفضون رفع العلم ويرفضون اجراء استفتاء من طرف واحد دون الرجوع إلى البرلمان والحكومة المركزية في بغداد، ما يعني أن الأزمة في كركوك ستكون في بعدها الأول عراقية داخلية، ولكنها إذا لم تحسم في البداية فإن الأطراف الإقليمية ستكون لاعبا ضروريا لحماية حقوق العرب والتركمان في كركوك وغيرها، وقد عبر عن ذلك وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو قائلا: «فليعلموا أن تركمان كركوك ليسوا وحيدين، ولن نسمح بفرض مثل هذا الأمر الواقع».

صراعات بين مشاريع سياسية دولية

إن الاشكالية التي تواجه العرب والتركمان في العراق وسوريا هي المشاريع الدولية، فالأكراد لا يتحركون بمثل هذه الخطوة إلا بوجود ترتيبات مستقبلية، ولو من باب المحاولات الأمريكية لإيجاد تقسيمات سياسية كبيرة في المنطقة، والأكراد هم محور عمليات التقسيم في القرن الحادي والعشرين، ولذلك يجدون التأييد من أمريكا وأوروبا، ولأمريكا الآن نحو عشرة آلاف جندي في المنطقة، فالصراعات في المنطقة ليست بين الأكراد والعرب والأتراك وإنما هي صراعات بين مشاريع سياسية دولية ذات خلفية حضارية، تحاول الدول الغربية أن تفرض الضعف والهزيمة الحضارية على المسلمين في المنطقة، بصناعة كيان أو دولة كردية في العراق وسوريا، سيكون بمثابة خلل في موازين الاستقرار في المنطقة، والتي بدورها ستوجد الحاجة الماسة للتدخل الغربي الأمريكي لعقود.
لقد رسمت بريطانيا وفرنسا خريطة التقسيم في اتفاقية سايكس بيكو وبقيت هذه الاتفاقية سرية حتى كشفها وزير الخارجية السوفييتي في ذلك الوقت، وكانت أسباب إخفاء الاتفاقية ان البريطانيين استخدموا سلاح القومية العربية ضد القومية التركية والعكس صحيح أيضاً، والهدف صناعة هذا التقسيم وتثبيته، وما يجري اليوم هو استخدام جديد للقومية الكردية ضد العرب والأتراك، لصناعة تقسيم سياسي جديد، فما أشبه اليوم بالبارحة! فقد جاءت أمريكا هذه الأيام لفرض تقسيم جديد في بلاد العرب والمسلمين، وضع خططها برنارد لويس اليهودي الأمريكي وقدمها لمراكز القرار الأمريكي وأيدها هنري كيسنجر حتى تبناها الكونغرس الأمريكي عام 1984. وانتهزت أمريكا حرب الخليج الثانية بعد احتلال الكويت، ووضعت العراق تحت الحصار الدولي والعقوبات 13 عاماً، حتى أصبح العراق ضعيفا فاحتلته بمساعدة إيران وجنودها الطائفيين، ودخل العراق في مشروع التقسيم الأمريكي منذ عام 2003، وانتهزت أمريكا ثورات الربيع العربي منذ عام 2011، وأخذت في تنفيذ مشاريع تقسيم سوريا وهي تدعي مساعدة الشعب السوري، فاستدعت أمريكا إيران وحرسها الثوري وميليشياتها الطائفية لمساعدتها في تقسيم سوريا منذ عام 2012 واستدعت روسيا أيضاً ولكنها لم تنجح، واليوم تستغل أمريكا الأحزاب الكردية لتقسيم سوريا، فهل يتنبه الأكراد أن دورهم في تقسيم العراق وسوريا يضر بهم وبقضيتهم وبأسباب استقرارهم في المنطقة، وربما تطمع أمريكا بتقسم إيران وتركيا ودولا عربية أخرى بعدها؟
لذلك فإن الموقف التركي الرافض لهذه الخطوة في كركوك ليس ضد الأكراد وإنما من أجل مصالح شعوب المنطقة. فالموقف التركي يدرك الاندفاع الكردي لإقامة كيان سياسي كردي بعد امنيات دامت أكثر من قرن بعد تقسيم الدولة العثمانية، ولكن هذا التقسيم الذي تشرف عليه وتنفذه الدول الغربية وأمريكا لن يكون في مصلحة الأكراد ولا شعوب المنطقة، فتقسيم 1916 لم ينقذ شعوب المنطقة وإنما أبقاها قرنا كاملا في حالة ضعف. فالانتقادات التركية لتقديم السلاح للأكراد ليست كراهة بالأكراد، وإنما كراهية بان تتحول هذه الأسلحة لقتل الأكراد لبعضهم بعضاً أولاً، وقتلهم للعرب وتشريدهم من مدنهم وقراهم، وقتلهم للأتراك في العراق وفي سوريا وتركيا أيضاً، فالرفض هو لجعل الأكراد جنودا مرتزقة للمشاريع الغربية الاستعمارية.
ومن الأدلة على ذلك هو أن أمريكا ترفض التعاون مع تركيا لمعالجة قضايا التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، سواء بتحرير الموصل أو الرقة، لأن أمريكا تريد خلق الأزمات وليس حلها، فتركيا عرضت على أمريكا القيام بعملية عسكرية مشتركة تتضمن دعم المعارضة المعتدلة السورية، بغية إنشاء منطقة آمنة في مدينة منبج شمالي سوريا، وكذلك من أجل تحرير الرقة، ولكن أمريكا لا يهمهما تحرير الرقة ولا القضاء على «داعش» بقدر ما يهمها خلق أزمات جديدة تهدد المنطقة، بما فيها تهديد الأمن القومي التركي والعربي الإيراني والكردي معاً، فهل يدرك الأكراد سواء كانوا عراقيين أو سوريين او أتراكاً أن مشاريع التقسيم ليست في صالحهم ولا تحفظ حقوقهم، بل تدخلهم في حروب قومية دائمة؟

رابط مختصر