التنافس على ميراث “قاعدة” بن لادن

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 2 مارس 2017 - 5:36 صباحًا
التنافس على ميراث “قاعدة” بن لادن

الرياض – هدى الصالح

في حزيران/يونيو 2016، أصدر (حمزة بن لادن) تسجيله “كلنا أسامة” وكان بنفس الشهر (حذيفة عبد الله عزام) ينشط على تويتر وعلى قناته اليوتيوبية، محدثا عن نهج عزام، مما أثار مفارقة كبيرة حيث إن الشخصيتين ابنين بالمعنى البيولوجي وابنين بالمعنى الفكري لأشهر رمزين بمن عرفوا بالأفغان العرب وهما #عبد_الله_عزام و #أسامة_بن_لادن، فكان لافتا تنافس النجلين على وراثة “مجد” الأبوين.

“العربية.نت” سعت وفي جزأين تناول المفارقات ما بين النجلين اللذين ارتبطت أسرتيهما ومنذ مطلع الثمانينات بروابط وثيقة كان أبرزها (الشيخ وتلميذه) فمن هما حمزة وحذيفة؟.

بداية القصة

#حذيفة عبد الله عزام يبلغ من العمر 47 سنة، ولد في مصر عام 1970، وقتل والده الأب الروحي للأفغان العرب في بيشاور 26 نوفمبر 1989، وكان حذيفة حينها لا يتجاوز الـ 19 سنة وترتيبه الرابع من بين أبناء عزام الـ8، والدته سميرة عزام “أم محمد”، (66 سنة)، وهي أردنية من أصول فلسطينية، تزوجت من عبد الله عزام سنة 1965 وعمرها آنذاك 14 سنة.

انتقلت #سميرة_عزام مع زوجها الى بيشاور بأفغانستان سنة 1981، وترأست اللجنة النسائية لدعم المقاتلين والتي ضمت زوجات المقاتلين العرب. ارتبطت بزينب الغزالي أثناء إقامتها مع زوجها في مصر وجمعت بينهما علاقة صداقة استمرت حتى بعد انتقال الأولى إلى أفغانستان التقتا حيث كانت تنشط الغزالي لإلقاء المحاضرات، وبحسب ما ذكرته أم محمد في إحدى لقاءاتها: “تأثرت بشخصيات كثيرة وأكثرهم السيدة زينب الغزالي فقد تلقيت منها الدروس والتقيت بها في أماكن متعددة وكنت رفيقتها في الكثير من المؤتمرات في باكستان والأردن، وكانت سببا في توعيتنا على قصة الجهاد تمنيت أن أكون مثلها”.

حمزة بن لادن 28 سنة، ولد في جدة (غرب السعودية) سنة 1989، قتل والده زعيم تنظيم القاعدة يوم 2 مايو/أيار 2011 في عملية اقتحام لمسكنه في أبوت آباد بإسلام آباد نفذها الجيش الأميركي وكان عمره حينها 22 سنة، والدته خيرية صابر الزوجة الثالثة لأسامة بن لادن أنجبت له ابنها الوحيد حمزة الابن الرابع لأسامة من بين 20 من الأولاد والبنات، وتزوجت منه في سنة 1985 وتحمل شهادة الدكتوراه في علم نفس الأطفال وأكاديمية سابقة بجامعة الملك عبد العزيز، تخصصت بتدريس الأطفال الصم والبكم. قامت زوجته الأولى نجوى غانم باختيارها زوجة ثالثة لزعيم التنظيم وأشرفت على تدبير زواجهما حيث قالت عنها في كتاب مشترك لها مع ابنها عمر بن لادن بعنوان (إنه ابن لادن): “يهمني أن تكون النساء اللواتي يتزوجن بهن زوجي ورعات، وخيرية متدينة جدا، لكنها امتلكت فضائل أخرى جذبتني إليها، أحببتها من اللحظة الأولى التي وقع نظري فيها على وجهها الساحر وزاد كل اكتشاف جديد عن حياتها الدينية في محبتي لها”.

لم يعرف عن زوجة أسامة الكثير سوى مرافقتها أسامة حتى 2001 وخروجها بعد ذلك برفقة حمزة إلى إيران حيث مكثا بالمضافات الإيرانية سنوات عدة، وكانت قد انتقلت بداية مع زوجتي أسامة “نجوى” و”خديجة” إلى السودان، وبعدها إلى جبال تورا بورا، إلى أن استقر بها المقام بإحدى المضافات الإيرانية عقب ما سمي بـ”الانسياح” الكبير لعناصر القاعدة عقب أحداث 11 سبتمبر وبرفقة ابنها حمزة، تولت “الخالة خيرية” كما اعتاد أبناء أسامة مناداتها، والتي لم تنجب سوى ابن واحد، تعليم بناته بعض الأسس في المنزل وذلك لمعارضته التعليم الرسمي للفتيات، فلم يسمح لبناته بارتياد المدرسة.

ارتبطت والدة حذيفة عزام وأم حمزة بن لادن بعلاقات وثيقة حتى قبل الالتقاء في بيشاور وبحسب سميرة عزام: “كانت هناك علاقات مع زوجات بن لادن حتى قبل الوصول إلى باكستان وكنا نلتقي بهن وكنا نعرفهن”.

زعيم تنظيم القاعدة وأمير الأفغان العرب

تعرف أسامة بن لادن على عبد الله عزام في أواخر السبعينات حيث التقى به في الأردن وزاره في منزله بمدينة صويلح لأول مرة حتى توطدت العلاقة بعزام في بداية الثمانينات حيث عمل عبد الله عزام أستاذا في جامعة الملك عبد العزيز في جدة وظل يتردد عليه خلال تلك الفترة، وبات تأثر بن لادن بعزام جليا حتى أصبح بمثابة الأب الروحي له وتعلق بشخصيته كثيرا.

في 1981 انتقل عبد الله عزام إلى بيشاور على إثر لقاء جمع بينه وبين السنانيري –صهر سيد قطب- “أبرز كوادر التنظيم الخاص المعروف بنشاطاته الإرهابية المسلحة التابع لجماعة الإخوان المسلمين”، وظل أسامة بن لادن على تواصل مع عزام ولم تنقطع علاقتهما ببعض حتى بدأ “بن لادن” بالتكفل بدفع نفقات ما سمي بمكتب المجاهدين العرب في أفغانستان إلى أن التحق بعبد الله في بيشاور سنة 1984.

تمتع كل من التلميذ وشيخه بكاريزما خاصة ومهارات في الخطاب والتحريض ساهمت في استقطاب وتجنيد المقاتلين العرب إلا أنه لكل منهما “مريديه” انقسموا ما بين معسكر “الفرقان” و”المأسدة” لبن لادن ومعسكر “صدى” لعزام.

بدأت ملامح استقلال بن لادن عن شيخه منذ 1986-1987، إلا أنه وعلى المستوى الشخصي بقي الوصال والعلاقات ذاتها وبحسب وصف مهتمين بشؤون الجماعات الجهادية لعلاقة الرجلين: “وصل إنساني وفصل تنظيمي بين أسامة وشيخه أشبه ما يكون بتقاسم وظيفي بين القاعدة ومكتب الخدمات”.

ورغم الاختلاف في وجهات النظر الميدانية ظل كل منهما يرى في الآخر “رجلا في أمة” حتى إن عبد الله عزام كان قد خص أسامة في وصيته، قائلا: “أدعو كثيرا لمن تكفل هذا المكتب بماله الخاص، وهو الأخ أبو عبد الله أسامة بن محمد بن لادن، أدعو الله أن يبارك له في أهله وفي ماله ونرجو الله أن يكثر من أمثاله، ولله أشهد أني لم أجد له نظيرا في العالم الإسلامي فنرجو الله أن يحفظ له دينه وماله وأن يبارك له في حياته”.

كذلك كان الأمر بالنسبة لأسامة فكثيرا ما تردد اسم عبد الله عزام في تسجيلاته الصوتية والمرئية ومما جاء فيها: “الشيخ عبد الله عزام رجل بأمة وأظهر بوضوح بعد أن اغتيل مدى العقم الذي أصاب نساء المسلمين من عدم إنجاب مثل الشيخ عبد الله رحمه الله فأهل الجهاد الذين حضروا الساحة وعاشوا تلك المرحلة يعلمون أن الجهاد الإسلامي في أفغانستان لم يستفد من أحد كما استفاد من الشيخ عبد الله عزام حيث إنه حرض الأمة من أقصى المشرق لأقصى المغرب”.

ورغم الحديث المتكرر لرجالات عزام في السنوات الأخيرة عن اختلاف الرؤية الجهادية بين الرجلين إلا أن معلومة مثيرة قد جاءت في حديث عمر نجل أسامة بن لادن تؤكد التنسيق المشترك بينهما في تأسيس ما يسمى بالقاعدة وذلك قبل مقتل عزام بعام واحد.

في آب/أغسطس 1988 طرح عبد الله عزام، المرشد الروحي لأسامة فكرة إنشاء مؤسسة واسعة يمكن للمقاتلين من خلالها إطلاق ما سمي بـ”بكفاحهم في سبيل عالم إسلامي مثالي” وافقه أسامة كليا الرأي، ودعا الى اجتماع تخطيط أطلق عليه اسم القاعدة العسكرية، واختصر فيما بعد بتنظيم القاعدة وأقيم الاجتماع الأول في منزله العائلي في بيشاور.

كان اللقاء الأخير الذي جمع قطبي الجهاد الأفغاني في ذات العام الذي قتل فيه عبد الله عزام 1989، حيث اضطر حينها أسامة بن لادن العودة الى السعودية لحضور جنازة أحد أشقائه إلا أن عزام سعى الى حث بن لادن بعدم السفر خشية من عدم السماح له بالعودة مرة أخرى، ووفقا لما نقله حذيفة حول مشهد الوداع قال: “حين ودع الوالد الشيخ أسامة بن لادن وهو مسافر إلى المملكة لحضور جنازة شقيقه تعانق الرجلان عناقا طويلا، كان كل منهما يظن كل الظن ألا تلاقيا، كأنهما يشعران أنه آخر لقاء ولذلك العناق استمر طويلا ورأينا الدموع تنهمر من الرجلين، حقيقة بكيا بكاء طويلا حتى أبكيا جميع الحاضرين”.

النجل حمزة “ناصر الدين”

رغم العلاقة الوثيقة التي جمعت الأسرتين ولسنوات إلا أن ظروف الساحة الأفغانية ومستجداتها لم تسمح لكل من حمزة وحذيفة بالتعارف عن قرب حيث اضطر حمزة إلى مغادرة والده نتيجة الضربات الأميركية التي استهدفت تنظيم القاعدة عقب أحداث 11 سبتمبر، مغادرا جبال تورا بورا وعمره حينها لا يتجاوز الـ10 سنوات، برفقة والدته وبقية أفراد أسرة أسامة بن لادن إلى ايران، بينما كان حينها حذيفة قد بلغ الـ31 سنة، يضاف إلى ذلك فارق العمر بين الرجلين في وقتها فلم يعرف حذيفة ابن تلميذ والده “حمزة” سوى طفل لم تصقل بعد شخصيته أو تتضح ملامحها.

بعد مضي 6 سنوات على مقتل أسامة و28 سنة على مقتل شيخه عبد الله عزام، عاد التسابق على الظهور من جديد بين الاسمين من خلال ورثة مكتب الخدمات للأفغان العرب وتنظيم القاعدة، ما بين حذيفة عزام 47 سنة وحمزة بن لادن 28 سنة.

السؤال الأبرز من يملك شخصية “الوريث” لما خلفه الآباء من تراث لطالما بقي مرجعا لكافة الجماعات الإسلامية الراديكالية المتطرفة؟.

لازم حمزة والذي أطلق عليه التنظيم لقب “ناصر الدين” والده بداية في السودان ثم الى جبال تورا بورا وبعدها الى قندهار حتى هجمات 11 سبتمبر، وأمضى معظم الوقت برفقته وفيما جاء عن حمزة على لسان نجوى غانم زوجة أسامة: “كان حمزة كثير الحركة ومليئا بالخدع الساحرة”.

اضطر حمزة على مفارقة والده وذلك من خلال ما كشف من وثائق أبود آبات ولم يتمكن أسامة من رؤية ابنه قبيل مقتله في باكستان جراء عدم تعاون الوسطاء الذين أقام لديهم حمزة في إرساله الى والده برفقة أمه خيرية كما طالبهم أسامة في صورة متكررة.

تولى “أبو يحيى الليبي” واسمه الحقيقي محمد عبد المجيد حسن قائد من مواليد 1963، الإشراف على حمزة ورعايته في مكان إقامته.

يعد أبو يحيى الليبي المخطط الاستراتيجي في تنظيم القاعدة، وكان قبلها عضوا في اللجنة الشرعية للجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا التي خرجت إلى أفغانستان للمشاركة في قتال السوفييت، قتل في هجوم لطائرة دون طيار في باكستان 4 يونيو 2012.

لا يعرف الكثير عن الوريث الشاب حمزة بن لادن سوى ما يمكن قراءته من خلال ما أفرج من وثائق ومراسلات القاعدة وما برز في إصداراته الصوتية والمرئية وبياناته التي دشنها وهو لا يتجاوز الـ23 سنة.

ويظهر من خلال ذلك كله ما يتميز به حمزة عن منافسه حذيفة بما حاز عليه من شرعية خاصة سواء أكان من حيث القتال أو من حيث المعرفة الدينية، فرغم رفض أسامة كما دونه في رسائله إخضاع ابنه لتدريبات عسكرية والاكتفاء بالتربية الدينية والشرعية إلا أن مطالبه لم تلق استساغة من قبل القائمين على تنشئة ابنه حيث تم تدريبه على القتال وصناعة المتفجرات إلى جانب التهيئة الشرعية، وأهمية الترسيخ الشرعي تأتي من الملقن الأول والواعظ القاعدي أبو يحيى الليبي المربي لحمزة.

فبدى جليا العناية الخاصة التي تلقاها في تعليمه وتأهيله لغوياً، وتدريبه، وتفقيهه بالواقع ضمن الأبجديات القاعدية، واستغلال القضايا الإسلامية العالمية والقدس بهدف إعادة القبول لها في الحواضن الخاصة بها بنسخة مطابقة للأصل عن والده.

ظهر حمزة في 2005 بأول مقطع مرئي له ضمن قوة من مقاتلي طالبان استهدفت جنوداً باكستانيين في وزيرستان الجنوبية، وقبل ذلك في 2003 خرجت رسالة صوتية منسوبة إليه، نشرت عبر أحد المواقع التابعة لتنظيم “القاعدة”، يحض فيها أتباع التنظيم في كابول وبغداد وغزة على “إعلان الجهاد ضد الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا”.

وفي 2008 ظهر شريط فيديو لحمزة بن لادن (19عاماً)، يدعو فيه إلى إزالة بريطانيا وحلفائها من الوجود مهاجماً كذلك الولايات المتحدة والدنمارك وفرنسا.

إلا أن هذا التسجيل المنسوب لحمزة وبحسب ما أذاعه تنظيم القاعدة، ووفقا لرواية عمر الأخ غير الشقيق: “التسجيل تم قبل سنوات من هجمات 11 سبمتبر، وكان حمزة لايزال صبيا صغيرا عندما طلب أسامة متطوعين للقيام بالتسجيل، وكان حمزة هو الابن الوحيد الذي تطوع”.

وفي أغسطس/آب 2015 رصدت رسالة صوتية منسوبة إلى حمزة بن لادن بعنوان: “تحية سلام لأهل الإسلام”، دعا فيها إلى شن هجمات ضد أميركا وإسرائيل، مبايعاً الملا عمر زعيم حركة طالبان حينها، ومشيداً بجهود زعيم “القاعدة في جزيرة العرب” ناصر الوحيشي الملقب بـ”أبو بصير”.

ووجه حمزة الذي كما أطلقت عليه الشبكة الإعلامية للقاعدة بـ”الأمير”، التحية إلى زعيم تنظيم “القاعدة” الحالي أيمن الظواهري الذي كما وصفه بـ”رفيق الجهاد مع الوالد”، مشيداً بفروع وأتباع “القاعدة” في (الجزيرة العربية وسوريا وفلسطين والعراق والمغرب والصومال والهند والشيشان وإندونيسيا).

في 10 يونيو/حزيران 2006/ توعد حمزة الولايات المتحدة بهجمات داخل أراضيها وخارجها، مهددا بالانتقام لوالده وقال في تسجيل صوتي بعنوان “كلنا أسامة” قائلا: “إن ظننتم أن جريمتكم الآثمة التي ارتكبتموها في أبوت آباد مرت من دون حساب فقد أسأتم الظن وجانبكم الصواب، فالحساب عليها عسير”.

حداثة سن حمزة لعبت دورا هاما لاعتباره خيارا مناسبا دفع الى اصطفائه وريثا عن والده من بين باقي إخوته، وخصوصا أن حمزة تميز عنهم بعدم اختبار الحياة الطبيعية كما فعل أشقاؤه الأكبر سنا من الأم نجوى غانم والزوجة الثانية خديجة، والتي ظلت تقف عائقا أمام تكيفهم مع حياة التقشف والشقاء بعد أن تمتعا بالرفاه في فيلا كبيرة فاخرة حيث يقوم على خدمتهم عدد من الخدم والموظفين.

غادر حمزة مدينة جدة وهو لا يتجاوز الـ 3 سنوات إلى السودان، قضى هناك 5 سنوات، ومنها إلى تسلق جبال تورا بورا، وصولا الى إيران حتى انتهت محطته بوزيرستان بين رجال طالبان، فلم تراوده أحلام العودة كما فعل شقيقه الابن البكر لأسامة “عبد الله” الذي غادر والده من السودان عائدا الى جدة، وكذلك الأخ غير الشقيق “علي” ابن الزوجة خديجة، ولحقهما “عمر” بعد سنوات، كما لم يدرك تبدل هويته بعد سحب الجنسية السعودية من أسامة وأبنائه 1994 وحمل السودانية عوضا عنها، كما فعل الأمر بإخوته الآخرين.

رابط مختصر