مكتبة الإسكندرية: معاً ضد التطرف


بقلم: رشيد الخيّون
عقدت مكتبة الإسكندرية مؤتمراً شعاره: «العالم ينتفض.. متحدون في مواجهة التَّطرف» (17-19 يناير 2017). كانت المداخلات مزدحمة، والأجواء ملبدة، وعلى المتحدث أن يحسب حسابه، فالمشادات التي حصلت بين مدافع ومهاجم كدرت بعض النَّدوات. التزم عدد من المتدخلين بالمعلومة الطاردة للنعاس عن الجفون، بينما آخرون أكثروا من الإنشاء، فلا تأخذ منهم حقاً ولا باطلاً مثلما يُقال.

لم أكن أتوقع بعد محنة عدن وحضرموت، مع الاحتلالات القادمة والمتتالية من الشمال عليهما، أنه بقيت فيهما بقية، وإذا بناشطة وباحثة شابة حضرمية عدنية، قدمت مداخلة فيها رؤية ومعلومة، وأجادت الدفاع عنها بثبات، ومما قالته وسام باسندوة مخالفة للكثيرين من التبريريين: «ليس الفقر ولا غيره هو العامل الأول في التطرف، فقادة التطرف انحدروا من أُسر غنية ومتوسطة، إنما سببه الفكر الديني نفسه، من مناهج التعليم وإشاعة كُتب التدين المنحاز وخارج المعقول، الذي تُعبأ به رؤوس الشباب». كذلك طرح محمود الهباش، مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الدينية، رأياً وجيهاً في اتخاذ المتطرفين لقضية فلسطين، والاستهتار الإسرائيلي، عذراً في تصاعد التطرف الديني، فإذا كان العالم جاداً في إنهاء التطرف، فحل القضية الفلسطينية يأتي في المقدمة.
ما زال رفعت السعيد، وهو يقترب من التسعين، والمعتقل في أزمنة الدولة المصرية كافة، يهدر بالمعلومة الفاضحة للتعصب الديني، مع أن عليه حراسة خشية تنفيذ السلفية الجهادية لتهديها له، وعندما استدعي لاعتلاء منصة الندوة، مرّ برجل سلفي يجلس في الصف الأول، وداعبه بالقول: «اصعد معي»! فأطلقتها القاعة ضحكة مدوية! كان ختام الندوات حديثاً للشيخ علي جمعة، وعلى خلاف الأزهريين الشباب المشاركين، لم ينشغل بالدفاع والتبرير وإنما تحدث بوقائع عن الفتنة التي يوقدها الإسلام السياسي كلما ذوت نارها.
لا شيء أشهر من منارة الإسكندرية وحماماتها ومكتبتها في أمهات التاريخ، كما لا شيء أكثر شيوعاً من حرق الكتب فيها، عند دخول العرب المسلمين (نحو 20ه)، وأنت أمامها تتساءل: أي كتب أُحرقت، كي يوقد شرارها حمامات الإسكندرية لستة أشهر؟ وعلى قدر البحث في التواريخ لم يذكرها مؤرخو الفتوح ولا البلدانيون ولا كُتاب التاريخ العام، بداية من الطبري (ت 310ه) واليعقوبي (ت 292ه) إلى المسعودي (ت 346ه) والنَّديم الوراق (ت 380ه)، الذي خصص فهرسه للكتب ومؤلفيها، وحتى المتأخرون كابن الجوزي (ت 597ه) وابن الأثير (ت 630ه)، لم يذكروا شيئاً عن الحادثة، مع أن هؤلاء لم يراعوا صالح العرب المسلمين عندما أرخوا لحروب الفتوح.
بدأت القصة بالطبيب موفق الدين عبداللطيف البغدادي (ت 629ه) وجمال الدِّين القفطي (ت 646ه)، وأخذها عن الأخير نصاً ابن العبري (ت 685ه)- بعض الطبعات رفعت تلك الرواية مِن كتابه- ومِن المعاصرين نقلها الأب لويس شيخو (ت 1927م) في «مجاني الأدب في حدائق العرب». على أن ابن العبري يُشيد بعمرو بن العاص (ت 43ه) وبانبهاره بالقِس الفيلسوف الذي طلب منه ترك كتب الدَّار الملوكية له، قال: «كان عمرو بن العاص عاقلاً حَسن الاستماع صحيح الفكر» (تاريخ مختصر الدُّول)، إلا أن أوامر الخليفة جاءت مِن المدينة بحرق الكتب. إنها إحدى المختلقات، وهل كانت الكتب آنذاك بهذه الغزارة قبل الطباعة، وقبل إشاعة استخدام الكاغد تكفي لإيقاد حمامات الإسكندرية الكُثر لستة أشهر؟!
كان يمكن أن يحصل للمكتبة ما حصل للمُتحف العراقي مثلاً، ودار المخطوطات ببغداد، صبيحة التاسع مِن أبريل 2003، وذلك في التظاهرات العارمة والمارة بشارع المكتبة ضد نظام مبارك ثم «الإخوان المسلمين»، لولا أن الشباب الإسكندري نظم طوقاً حولها لحمايتها. هذا ما شاهدناه في لقطات عرضها مديرها العام إسماعيل سراج الدين، سليل الأسرة الوفدية المعروفة.
انشغلتُ لحظتها بتذكر التراث العراقي، كيف تُحمى وزارة النِّفط ولم يهتم الغُزاة ولا غيرهم بحماية ذخر العراقيين القدماء، وإرث حضارة تنافست متاحف العالم في اقتنائه. قبل ذلك حقق الحصار (1990-2003) غايته، وتدنى الاهتمام بالكتاب والأثر، حتى أوسمة الملوك المتأخرين عُرضت خارج العراق للبيع. كان ذلك مستهلَ ما فكرتُ فيه بين أروقة المكتبة، التي أُعيدت، بهذه الضَّخامة (2002)، على تلك السُّمعة المدوية في التاريخ، مع الشائعة التي ظلت تجرحها.
إن أهميةَ مثل هذا المؤتمر، الذي يُعقد سنوياً، لقاء النُّشطاء ضد التَّطرف والغلو، وطرح أفكار تصدرها المكتبة كراريسَ دوريةً، للفت أنظار العالم للمرحلة الحرجة التي وصلها التطرف، فلا حرج أبلغ من إشاعة الكراهية والدِّماء. أقول: مهما نأت مصر، أو عُسر حالها، تبقى للتنوير داراً، ومنها يبدأ الانتفاض على التطرف، فإذا كان أول المسامير لتسييس الدِّين غُرس في أرضها، فإن أول المسامير في نعشه قد غُرس هناك أيضاً، «الإسلام وأُصول الحُكم». وللجواهري «قصيدة إلى الشَّعب المصري 1951»: «ووسعتِ أشتات الفنون كأنها/ فلكٌ يدور وأنتِ أنتِ المحورُ» (الدِّيوان).
الاتحاد الإماراتية

أضف تعليقك