جذور ومخاطر تمرد الروهينجا الجديد في ميانمار

وقف الراهب بروغيانادا فيكهو بثوبه الأرجواني أمام تماثيل بوذا الذهبية اللامعة وتذكر الليلة التي هاجم فيها غوغاء من المسلمين القوميين ديره في شرق بنجلاديش.

عن ذلك قال: “يبلغ عمر هذا الدير 300 سنة وهُدم بالكامل في تلك الليلة من عام 2012. وفي غضون سنة واحدة، أعادت حكومة بنجلاديش بناءه بالكامل بمساعدة الجيش”.

كما هاجم الغوغاء قرية مجاورة، مدفوعين جزئياً برغبة ملتوية في القصاص رداً على الهجمات التي يشنها البوذيون من عرقية راخين ضد المسلمين من عرقية الروهينجا على الجانب الآخر من الحدود، في ميانمار.

ولكن رد الحكومة والجيش على أعمال العنف التي استهدفت الأقلية البوذية في بنجلادش وأقلية الروهينجا المسلمين في ميانمار كان أبعد ما يكون عن ذلك.

لقي مئات الأشخاص مصرعهم في ولاية راخين في ميانمار في عام 2012، وأُجبر 140,000 شخص على الفرار إلى مخيمات النازحين. وكان جميع الضحايا تقريباً من الروهينجا، الذين أحرق الغوغاء البوذيون من عرقية راخين منازلهم، ولا يزال حوالي 100,000 في المخيمات حتى اليوم.

ولا يزال المسجد الذي يبلغ من العمر 157 عاماً في عاصمة الولاية، سيتوي، مصاباً بأضرار، ولا يُسمح للمصلين الآن بدخوله، بعد تحويله إلى مركز للشرطة.

وعلى عكس البوذيين الذين يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة في بنجلاديش ذات الأغلبية المسلمة، سُلبت من الروهينجا المسلمين في ميانمار جنسيتهم خلال عقود من الحكم العسكري.

واليوم، تقود ميانمار ذات الأغلبية البوذية حكومة مدنية اسمياً برئاسة السيدة الحائزة على جائزة نوبل، أونغ سان سو تشي، ولكن هذا التحول من الحكم العسكري المباشر لم يساعد الروهينجا. إنهم يعيشون في ظل نظام الفصل العنصري، وتحركاتهم مقيدة بشدة، مثل إمكانية حصولهم على الرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل.

وقد أثارت عقود من القمع غضب مجتمع الروهينجا، الذي انبثقت منه مؤخراً حركة تمرد تهدد الاستقرار في ميانمار، وكذلك في بنجلاديش. ويحذر محللون من أن التمرد يمكن أن يجتذب دعماً من الجماعات الإسلامية الدولية المسلحة، بما في ذلك ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية.

“لا يمكن أن نتهاون في هذا الشأن، كدولة بنجلاديش أو كأعضاء في المجتمع الدولي،” كما أكد أ. ن. م. منير الزمان، وهو لواء متقاعد يرأس حالياً معهد بنجلاديش لدراسات السلام والأمن.

وأضاف أن على بنجلاديش تبني مشروع قرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يهدف إلى حل الأزمة الإنسانية في ولاية راخين ومنع ميانمار من إجبار الروهينجا على الفرار عبر الحدود.

وفي 30 ديسمبر، دعا 11 فائزاً بجائزة نوبل للسلام أيضاً مجلس الأمن الدولي لاتخاذ الإجراءات اللازمة، واتهموا ميانمار بارتكاب “تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية”. ولم تكن أونغ سان سو تشي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام تقديراً لنضالها المؤيد للديمقراطية ضد المجلس العسكري السابق، من بين الموقعين.
تمرد متصاعد

وفي استجابة مباشرة لأعمال العنف التي اندلعت في عام 2012، بدأ بعض الروهينجا في تنظيم التمرد الناشئ، وفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن مجموعة الأزمات الدولية، التي قالت أن لجنة من الروهينجا في مكة المكرمة تشرف على المجموعة المسماة حركة اليقين، ويتولى 20 رجلاً من الروهينجا ذوي خبرة دولية في حرب العصابات قيادة العمليات على الأرض.

انتفضت حركة اليقين في 9 أكتوبر، حيث شن مئات المتمردين هجمات منسقة على مواقع حدودية تابعة لشرطة ميانمار أسفرت عن مقتل تسعة ضباط في مونغدو، وهي بلدة حدودية. وقُتل أربعة جنود في اشتباكات وقعت يوم 11 أكتوبر، في حين لقي جندي آخر مصرعه وأصيب عدة جنود آخرين بجروح في 12 نوفمبر قبل تراجع المسلحين إلى إحدى القرى بعد أن طاردتهم القوات.

وأفادت مجموعة الأزمات الدولية أن “عدة مئات من القرويين المسلحين بكل ما توفر لديهم [السكاكين وأدوات الزراعة]، دعموا المهاجمين، بطريقة تبدو عفوية”.

وطلب الجيش دعماً جوياً بعد مقتل ضابط برتبة عقيد رمياً بالرصاص، ويقال أن طائرتين هليكوبتر “أطلقتا النار عشوائياً” على القرويين الذين حاولوا الفرار، وفقاً للتقرير. وبعد معارك 12 نوفمبر، “كثف الجيش عملياته بشكل كبير” في مونغدو، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية.

ومنذ ذلك الحين، وردت تقارير عن انتهاكات عسكرية واسعة النطاق ضد المدنيين الروهينجا، بما في ذلك الاغتصاب والقتل والاختفاء. وفر عشرات الآلاف من الروهينجا إلى بنجلاديش.

“من المرجح أن يؤدي العنف والانتهاكات إلى تعزيز الدعم المقدم للجماعة المسلحة،” كما حذرت مجموعة الأزمات الدولية،” مضيفة أن “الناس المدفوعين إلى اليأس والغضب، وليس لديهم أمل في المستقبل، أكثر عرضة لتبني الاستجابات المتطرفة، حتى لو أتت بنتائج عكسية”.

غير متعاونين

وقد قوبلت مزاعم سوء المعاملة بالنفي القاطع من جانب الحكومة، التي ترفض السماح للصحافيين والمحققين بالذهاب إلى مونغدو. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية في ميانمار آيه آيه سوي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إنها لا تصدق المنظمة الدولية للهجرة التي أعلنت أن 34,000 شخص على الأقل من عرقية الروهينجا قد عبروا الحدود إلى بنجلاديش منذ بدء العمليات العسكرية.

انظر: رغم الأدلة المتزايدة، ميانمار تقول أن مزاعم “اغتصاب الروهينجا وإساءة معاملتهم “مفبركة”

وقد انضم الوافدون الجدد إلى ما لا يقل عن نصف مليون من الروهينجا الذين فروا إلى بنجلاديش خلال الهجمات على قراهم على مدار العقود القليلة الماضية. وتكافح بنجلاديش الفقيرة والمكتظة بالسكان من أجل استضافة اللاجئين، وتواجه الآن احتمال تحول المخيمات المكتظة إلى مرتع لتجنيد أعضاء في حركة اليقين. وقد عبر مئات من اللاجئين الروهينجا الحدود مرة أخرى بالفعل إلى ميانمار للانضمام إلى التمرد، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية.

مع ذلك، فإن ميانمار لا تزال تؤكد أن الوضع في ولاية راخين “ليس قضية دولية”، كما أشارت مقالة تم نشرها على موقع وزارة الإعلام في 19 ديسمبر.

وفي هذا الشأن، قال منير الزمان أن بنجلاديش حاولت دون جدوى “التودد” إلى ميانمار بهدف العمل معاً لحل القضايا في ولاية راخين. وأشار إلى أن أونغ سان سو تشي قد زارت كل بلدان المنطقة تقريباً عدا بنجلاديش.

وقد استدعت وزارة الخارجية في بنجلادش سفير ميانمار في شهري نوفمبر وديسمبر لعرض تعاونها لحل القضايا في ولاية راخين حتى يتمكن الروهينجا من العودة إلى ديارهم.

وفي 23 نوفمبر، حثت الوزارة ميانمار على النظر في السماح بإجراء “تحقيق مستقل” في مزاعم عن انتهاكات ارتكبها الجيش. وطلبت الوزارة أيضاً من ميانمار “اتخاذ التدابير المناسبة والعاجلة التي لا تجعل الأقليات المسلمة في ولاية راخين تبحث عن ملاذ عبر الحدود،” وفقاً لبيان.

ولم تسع ميانمار حتى الآن إلى القيام بأي من العملين.

جذور ومخاطر تمرد الروهينجا الجديد في ميانمار

تاريخ معقد

إن انعدام الجنسية هو القضية الكبرى التي يتجذر فيها العديد من المشاكل التي تواجه ما يقرب من مليون شخص من الروهينجا في ميانمار. ولكن للأسف، تعتمد المواطنة الكاملة إلى حد كبير على الانتماء إلى واحدة من 135 “عرقية وطنية”، لا تشمل الروهينجا.

انظر: الرشوة والبيروقراطية – نظام المواطنة الفوضوي في ميانمار

“إنه أمر متجذر في التاريخ، سواء كانوا مواطنين أم لا. وبعد ذلك، يعتمد على الكثير من القضايا. عليك أن تأخذ بعين الاعتبار كلا من المجتمعين المحليين في ولاية راخين،” كما قالت آيه آيه سوي.

ويعتبر المجتمع الآخر – وهو عرقية راخين التي تشكل نحو ثلثي سكان الدولة – الروهينجا مهاجرين غير شرعيين جاءوا من بنجلاديش. إنه شعور مشترك على نطاق واسع في جميع أنحاء ميانمار، لكنه يرتكز على تاريخ كاذب روج له القوميون طوال عقود: أن الروهينجا، الذين يسمونهم “البنغاليين”، وصلوا خلال الفترة الاستعمار البريطاني أو بعد ذلك.

كما أعلنت وزارة الشؤون الدينية والثقافة في ميانمار في منتصف ديسمبر أنها ستنشر مقالة تبين أن الروهينجا ليسوا من ميانمار.

ويخضع السلف القديم لطائفتي راخين والروهينجا لجدل كبير، ولكن المؤرخين يقولون أن كلا الهويتين خرجتا من مملكة أراكان، التي كانت تضم جزءاً كبيراً من ولاية راخين الحالية، وكذلك مناطق توجد الآن في بنجلاديش. وتستند هوية كل منهما إلى حد كبير على الدين، وهناك أدلة وافرة من وجود كل من البوذيين والمسلمين في المملكة.

وقد اكتشف علماء الآثار بعض القطع النقدية التي يعود تاريخها إلى القرن الـ15 ويظهر فيها حكام أراكان الذين كانوا يستخدمون ألقاباً إسلامية. لكن مايكل تشارني، وهو مؤرخ في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، يرى أن عدداً قليلاً نسبياً من المسلمين كان يقيم في أراكان حتى بدأت غارات الرقيق في القرن الـ17، التي أسفرت عن زيادة كبيرة في عدد السكان.

“على الرغم من أن هناك أدلة قليلة جداً عن وجود مجتمع ريفي مسلم في أراكان قبل سبعينيات القرن الـ16، فمن الواضح أنهم كانوا يشكلون نسبة كبيرة من السكان في سبعينيات القرن الـ18، قبل حكم بورما،” كما أضاف.

وتجدر الإشارة إلى أن البورميين، الذين يشكلون المجموعة العرقية الأكبر والأقوى سياسياً في ميانمار الحديثة، احتلوا أراكان في عام 1784، ولكن حكم بورما دام لمدة 40 عاماً فقط قبل الاحتلال البريطاني، الذي تلاه مزيد من الهجرة إلى المنطقة من ما أصبحت الآن بنجلاديش.
المواطنة

وتصر ميانمار على أن الروهينجا المسلمين يجب أن يقدموا دليلاً على أن أسرهم كانت تعيش في ولاية راخين قبل الغزو البريطاني في عام 1824.

من منظور دولي، من غير الطبيعي حرمان أبناء الشعب الذين وصلوا قبل 193 سنة أو حتى في وقت لاحق من حقوقهم. وإذا فرضت الدول الأخرى قيوداً مماثلة، فإن العديد من الأشخاص الذين فروا من ميانمار خلال نصف قرن من الديكتاتورية العسكرية سيجدون أنفسهم فجأة بلا جنسية أيضاً.

ومن الصعب على العديد من الروهينجا أيضاً إثبات نسبهم، حتى لو كان يعود إلى ما قبل تاريخ الحكم البريطاني. وقد فُقدت وثائق الهوية على مر السنين، بما في ذلك بعض الوثائق التي احترقت مع منازلهم.

إن الاختلافات بين سياسات المواطنة في ميانمار وبنجلاديش لافتة للنظر. والأقلية البوذية، الذين يجدون أنفسهم يعيشون في بلد غالبية سكانه من المسلمين – على جانب واحد من الحدود التي رسمها البريطانيون بشكل تعسفي – ليسوا مضطرين لإثبات حقهم في أن يكونوا مواطنين. فهم يولدون بنغاليين.

التعاليم البوذية

وعلى الرغم من ذلك، فإن التحيز ضد الروهينجا شائع أيضاً بين الأقلية البوذية من عرقية راخين في بنجلاديش، وفقاً لكيا ثين أونغ، وهو من عرقسة الراخسن ويرأس كلية في مدينة كوكس بازار. “أخبرنا آباؤنا أن الروهينجا تعني ثقافة عائمة: أشخاص ليس لديهم مكان،” كما قال. في المقابل: “نحن الشعب الأصلي لهذه الأرض.”

وقال كيا ثين أونغ أنه يشك في صحة معظم التقارير عن الانتهاكات ضد الروهينجا. وأضاف قائلاً: “إذا رفضت ميانمار منحهم الجنسية، يمكنك أن تأخذهم إلى بلد آخر”.

من جانبه، عبّر بروغيانادا فيكهو، الراهب البوذي الذي يشغل منصب المدير المشارك في دير سيما بيهار في رامو، عن رأي أكثر استنارة.

“جيش ميانمار هو المسؤول عن تعذيب الروهينجا،” كما قال فيكهو، الذي ينتمي إلى الأقلية العرقية باروا.

وأضاف أن البوذية تعلمنا أن كل الناس لديهم الحق في أن يكونوا سعداء وأن يعيشوا في سلام، وأدان البوذيين الذين شاركوا في هجمات على قرى الروهينجا.

“الناس الذين يشاركون في هذا النوع من العنف لا يتبعون قواعد البوذية. إنهم ليسوا بوذيين حقيقيين،” كما قال.

أضف تعليقك