تقرير حصري: الأمم المتحدة تحذر ميانمار من أن هدم منازل الروهينجا “سيزيد التوترات”

حذرت الأمم المتحدة السلطات في ميانمار التي تعتزم هدم مئات المنازل التي تمتلكها أقليات عرقية الروهينجا المسلمين أن من شأن ذلك أن “يزيد التوترات” في ولاية راخين في ميانمار، حيث يُتهم الجيش بإساءة معاملة المدنيين خلال عمليات مكافحة التمرد.

جاء هذا التحذير في رسالة بتاريخ 28 ديسمبر 2016، حصلت عليها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، وموجهة إلى ني بو، رئيس الوزراء في ولاية راخين. ذكرت الرسالة أنه قد تم تدمير أكثر من 100 هيكل بالفعل، وأن الأمم المتحدة قد “تلقت تقارير تفيد بأن شرطة حرس الحدود قد أصدرت أوامر بهدم 819 مبنى مملوكاً للمسلمين، بما في ذلك 696 منزلاً”.

ووفقاً للرسالة، يساور الأمم المتحدة القلق أيضاً إزاء “دراسة استقصائية للأسر المعيشية” التي يجري تنفيذها في المناطق التي شهدت فرار عشرات الآلاف من الروهينجا من ديارهم بسبب العمليات العسكرية، لأن الدراسة الاستقصائية قد تعني إزالة النازحين من القائمة الرسمية للمقيمين، مما يجعلهم غير قادرين من الناحية القانونية على العودة إلى ديارهم فور توقف أعمال العنف.

وقد أكد مسؤولون في الأمم المتحدة صحة هذه الرسالة، التي وقعها كريس كارتر، كبير مستشاري الأمم المتحدة المعني بولاية راخين.

وفي رسالته هذه، وصف كارتر أعمال الهدم والدراسة الاستقصائية بأنها أعمال “استفزازية”.

وتجري عمليات الهدم والدراسة الاستقصائية في شمال ولاية راخين، حيث يشن الجيش “عمليات تطهير” بعدما هاجمت مجموعة متمردة من الروهينجا مراكز لشرطة حرس الحدود في 9 أكتوبر. وقال أشخاص من الروهينجا، من الذين فروا عبر الحدود إلى بنجلاديش، للصحفيين وجماعات حقوق الإنسان أن الجنود ارتكبوا فظائع على نطاق واسع، بما في ذلك حرق المنازل، فضلاً عن اغتصاب المدنيين وقتلهم.

انظر: رغم الأدلة المتزايدة، ميانمار تقول أن مزاعم اغتصاب الروهينجا وإساءة معاملتهم “مفبركة”

ارتباك الحكومة

وعمليات الهدم أمور شائعة في ميانمار، حيث تتطلب القوانين تدمير الهياكل التي تُبنى من دون ترخيص. ولكن هناك ارتباك في أوساط مسؤولي الحكومة بشأن أسباب إجراء الدراسة الاستقصائية، وعمليات الهدم الآن، في الوقت الذي يشتبك فيه الجيش مع المتمردين، وفي ظل نزوح زهاء 80,000 من المدنيين.

وفي هذا الصدد، قال زاو هتاي، المتحدث باسم مكتب الرئيس هتين كياو: “لقد أبلغناهم بالفعل أن يوقفوا خططهم نظراً لأن الوضع حساس للغاية”، مشيراً إلى الأوامر التي أصدرت لمسؤولي الولاية، “وقد تدخلت الحكومة المركزية بالفعل”.

وقال مسؤول في الأمم المتحدة، تحدث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، شريطة عدم ذكر اسمه، أن الأمم المتحدة تلقت تأكيدات مماثلة من الحكومة المركزية، مع ذلك لا يزال تدمير الهياكل مستمراً.

وأضاف هذا المسؤول “ما زلنا نحاول تحديد ما إذا كانت عمليات الهدم الجارية هي أحداث يقوم بها مسؤولون محليون مارقون… أم أنها تحركات محسوبة من قبل آخرين”.

من جانبه، قال تين مونج شوي، المدير بالإنابة لولاية راخين في وزارة الإدارة العامة التابعة للحكومة المركزية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) لقد حدث “سوء فهم على المستوى الشعبي”.
وأضاف “نحن نجري تحقيقات في الموضوع”.

تصاعد التوترات

والجدير بالذكر أن الروهينجا المسلمين يشكلون قرابة ثلث سكان ولاية راخين، أو ما يزيد قليلاً عن 3 ملايين نسمة، بينما ينتمي غالبية السكان إلى عرقية البوذيين الراخين. وقد شهدت البلاد فترة طويلة من التوترات بين المجتمعات المحلية، وأدّت أعمال العنف التي اندلعت في عام 2012 إلى مقتل مئات الأشخاص ونزوح زهاء 140,000 آخرين. وكان جميع الضحايا تقريباً من عرقية الروهينجا، ولا يزال قرابة 100,000 منهم يقيمون في المخيمات.

وقد أصبح جميع الروهينجا تقريباً عديمي الجنسية بعدما قام الحكام العسكريون السابقون في ميانمار بتجريدهم من الجنسية. وعلى الرغم من أن الروهينجا يعيشون في المنطقة منذ مئات السنين، إلا أن العديد من السكان في ميانمار يعتبرونهم مهاجرين غير شرعيين من بنجلاديش المجاورة. كما أنهم يجبرون على العيش في ظل نظام فصل عنصري يتم فيه تقييد تحركاتهم بشدة.

وتجدر الإشارة إلى أن ولاية راخين تجري دراسة استقصائية على الأسر المعيشية كل عام بهدف رصد مجتمع الروهينجا. ويُسمح لمن ترد أسماؤهم فقط في “قوائم الأسر المعيشية” التي تنتج عن هذه الدراسة للإقامة في منازلهم.

وتعليقاً على هذه الدراسة الاستقصائية، قال مسؤول الأمم المتحدة، المشار إليه سابقاً: “عادة ما تتم في شهر يناير في شمال ولاية راخين، غير أنها بدأت هذا العام في شهر نوفمبر…لا يتم تنفيذها في أماكن أخرى في ولاية راخين في هذا الوقت، بل في البلدات الشمالية الثلاثة فقط”.

وتشهد البلدات الشمالية الثلاث، رايتدونغ وبوتيدونج ومونغداو، تواجداً عسكرياً كثيفاً منذ 9 أكتوبر. وهذه البلدات هي موطن معظم الروهينجا في الولاية، وجميع أولئك الذين نزحوا من جراء عمليات مكافحة التمرد. وهذا يعني أن عشرات آلاف الأشخاص الذين فروا من قراهم قد يصبحون من دون مأوى للأبد، لأنهم لا يستطيعون المشاركة في الدراسة الاستقصائية.

وفي هذا الصدد، قال ماثيو سميث، المدير التنفيذي لمنظمة فورتيفاي رايتس Fortify Rights، وهي منظمة قامت مؤخراً بجمع شهادات من الروهينجا حول الفظائع التي ارتكبها الجنود، أن قرار إجراء دراسة استقصائية للأسر المعيشية وتدمير المنازل الآن سيؤدي إلى “تصعيد حملة الجرائم الوحشية والتطهير العرقي التي تقودها الدولة”.

وأضاف في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): “إذا لم توجد أسماؤهم في القائمة، لن يكون أمامهم أي خيار سوى الفرار إلى بنجلاديش…عدم إعطاء الشعب أي خيار سوى الفرار من الدولة يمكن أن يعتبر ترحيلاً قسرياً”.

وتساور الأمم المتحدة مخاوف مماثلة، إذ تشير الرسالة إلى تقارير تفيد بأن “أسماء الأشخاص المفقودين التي حددتها الدراسة الاستقصائية الجديدة للأسر المعيشية يتم حذفها بشكل دائم من قوائم الأسر المعيشية”.

وفي حين أن الحكومة هناك ذكرت أن أكثر من 50,000 من الروهينجا قد فرّوا إلى بنجلاديش المجاورة في الأشهر الثلاثة الماضية، أعلنت الأمم المتحدة أنه يوجد هناك 30,000 آخرين نازحون داخلياً.

ويعيش زهاء نصف مليون من الروهينجا في مخيمات مكتظة في بنجلاديش، بعدما عبروا الحدود خلال الهجمات التي استهدفت مجتمعاتهم منذ فترة السبعينات.

أضف تعليقك