الخلافات المزمنة بين القوى السياسية سمة المشهد العراقي

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 18 ديسمبر 2016 - 5:09 مساءً
الخلافات المزمنة بين القوى السياسية سمة المشهد العراقي

بغداد ـ «القدس العربي»: اندلعت هذه الأيام مجددا، الخلافات وتبادل التهديدات بين قطبي التحالف الوطني الشيعي، حزب الدعوة والتيار الصدري، لتؤكد ان الشارع الشيعي ليس بمنأى عن الخلافات السائدة في الشارعين الكردي والسني.
وتفاقمت الخلافات بين القوتين الرئيسيتين ضمن التحالف الوطني، وهو الحاكم الفعلي للسلطة في العراق، اثر زيارة قام بها الأمين العام لحزب الدعوة إلى محافظات الجنوب لمحاولة كسب الشارع الشيعي الغاضب على اداء حزب الدعوة وقادته الذين يتحكمون بمفاصل الدولة الأساسية منذ 2003. إلا ان نتائج الزيارة كانت محبطة لحزب الدعوة عندما انطلقت تظاهرات مناهضة عنيفة وحملات على شبكات التواصل الاجتماعي تنتقد المالكي وتتهمه بالمسؤولية خلال توليه رئاسة الحكومة لدورتين، عن الفشل الإداري ونقص الخدمات والفساد المالي والانهيار الأمني جراء سياساته الطائفية التي تسبب في بروز ظاهرة تنظيم «الدولة» في العراق.
ويبدو ان حزب الدعوة ـ جناح المالكي، لم يجد مبررا لتغطية فشله في كسب الشارع الشيعي سوى في القاء تهمة تحريض الجماهير على التيار الصدري الذي نفى علاقته بالمتظاهرين رغم تأييده لمطاليبهم وشعاراتهم.
وضمن التطورات السياسية اللافتة، دعا ائتلاف متحدون برئاسة نائب رئيس الجمهورية اسامة النجيفي، وفي موقف نادر، الحكومة العراقية إلى سحب الميليشيات المشاركة في معارك سوريا ومحاسبتهم. وإذا كان السبب المباشر لهذا الموقف هو الوضع المأساوي في حلب الذي وصفه بيان الائتلاف بانه «جريمة إبادة متكاملة الأركان حيث يقوم النظام السوري وحلفاؤه في موسكو وطهران والميليشيات غير النظامية القادمة من شتى الدول بما فيها من العراق وتحت دوافع انتقامية طائفية، بعملية إبادة وتصفية جسدية وتدمير كامل للممتلكات وعقاب جماعي على العزل من المدنيين»، فالمؤكد ان هذا التصعيد في انتقاد تورط الميليشيات الشيعية في حرب سوريا، سيحرج الحكومة العراقية ويساهم في زيادة تأزم الموقف بين التحالف الوطني الداعم للتدخل في سوريا وبين المعارضين لهذا التدخل.
وفي شمال العراق، أصبحت منطقة سنجار غرب الموصل، هذه الأيام، نقطة استقطاب للاهتمام المحلي والدولي والإقليمي.
وأثارت زيارة القنصل الأمريكي في أربيل إلى سنجار ولقاءاته مع المسؤولين الإداريين فيها، تساؤلات عن هدف الزيارة وهل هي محاولة لاحتواء حزب العمال التركي المتواجد في المنطقة لصالح طمأنة الموقف التركي الرافض لهذا التواجد، خاصة بعد إعلان الرئيس التركي بعدم السماح بجعل سنجار مثل جبال قنديل مقرا لحزب العمال التركي المعارض، ام هو تحرك أمريكي استباقي لافشال محاولات الحشد الشعبي السيطرة على سنجار، المنطقة الاستراتيجية المشرفة على مثلث الحدود العراقية السورية التركية، بعد ان تقدمت قوات الحشد نحو طريق تلعفر – سنجار. وكانت مصادر مطلعة في دهوك أشارت إلى وجود تحرك مشبوه لافراغ منطقة سنجار من أهلها السنة عبر التهجير أو احتواء الشباب فيها من خلال ضمهم إلى الحشد الشعبي.
ويتابع مراقبون للوضع العراقي شمال العراق، مؤشرات غزل وخيوط اتصالات بين إيران وحزب العمال التركي من خلال توفير تسهيلات ودعم للحزب وتواجده في مناطق متعددة من الإقليم منها جبال السليمانية وكركوك وسنجار، في موقف يمكن اعتباره محاولة لجعل الحزب ورقة ضغط على تركيا تحركه إيران. وفي معركة تحرير الموصل من تنظيم «الدولة» ومع تعقد الأوضاع في المدينة، أعلنت الحكومة عن تغيير خطط تحرير الموصل، وذلك عقب زيارة قام بها رئيس الحكومة حيدر العبادي إلى قيادة العمليات المسؤولة عن المعركة، مع توقعات للقادة العسكريين العراقيين والأمريكان بان تأخذ معركة الموصل وقتا قد يمتد أشهرا صعبة، وهو ما يعني تكبد خسائر كبيرة وما يشبه حرب استنزاف للقوات العراقية، اضافة إلى خسائر تزداد بين المدنيين المحاصرين في المدينة الذين أصبحوا فريسة بين وحشية تنظيم «الدولة» وبين الحصار المطبق وانعدام مستلزمات الحياة الأساسية مثل المواد الغذائية والكهرباء والماء والوقود، وسط ظروف الشتاء القاسية. وينطبق ذلك على أوضاع النازحين الذين يزداد عددهم ومعاناتهم في مخيمات النازحين.
وفي الأنبار غرب العراق، عكس تصاعد الخروقات الأمنية في المحافظة وتكرار عمليات التفجيرات الانتحارية بسيارات مفخخة في الفلوجة رغم الإجراءات الأمنية المشددة جدا على الداخلين إليها، اضافة إلى عودة تنظيم «الدولة» إلى بعض المناطق المحررة ولو مؤقتا، ليؤشر فشلا في إدارة الملف الأمني والخدمي في المناطق المحررة. مما دفع بقوى سياسية في المحافظة إلى دعوة حكومة حيدر العبادي لاعلان حالة الطوارئ في الأنبار وتعيين حاكم عسكري لها، لمواجهة تكرار الخروقات الأمنية ومخاطر عودة الإرهاب وتفشي الفساد في الحكومة المحلية وبعض القوى السياسية الفاسدة والمتنفذة فيها.
ومن جهة أخرى، عادت التصريحات النارية لبعض قادة الميليشيات المنضوية في الحشد الشعبي، لتساهم في تصعيد التوتر السياسي الدائم في المشهد العراقي، من خلال تصريحاتهم وتدخلاتهم في القضايا السياسية رغم اقرار قانون الحشد الشعبي الذي يؤكد ان الفصائل المسلحة فيه جزء من المؤسسة العسكرية الرسمية وتخضع لأوامر القائد العام للقوات المسلحة.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات قائد منظمة العصائب قيس الخزعلي ضد إقليم كردستان وانتقاداته وتهديداته التي ردت عليها حكومة الإقليم والبيشمركه، كما بادر القيادي في حزب الله العراق واثق البطاط إلى اطلاق تهديدات بتغطية شوارع بغداد ومدن أخرى، بدماء المتظاهرين المعارضين لزيارة زعيم حزب الدعوة نوري المالكي إلى محافظات الجنوب، لتؤكد هذه التصريحات صحة مخاوف القوى المعترضة، بأن ضبط الميليشيات في قانون الحشد الشعبي صعب التحقيق.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع إعلان حكومة الإقليم عن عدم التزامها بميزانية 2017 التي أقرها البرلمان الاتحادي مؤخرا، ليؤكد عمق الأزمة بين بغداد وأربيل وغلق أي آمال باصلاح العلاقة بينهما بما يحل أزمة الإقليم المالية، خاصة وقد قاطعت أربعة أحزاب كبيرة الاجتماع الذي دعت له حكومة أربيل لمناقشة ميزانية 2017 وحصة الإقليم فيها، ليعكس ذلك استمرار خلافات الأحزاب الكردية وعدم اتفاقها على قضايا أساسية منها الميزانية.
ويبدو ان سمة الخلافات المزمنة بين القوى السياسية (شيعة وسنة وأكراد) وعدم الاتفاق على مشتركات لحل أزمات البلاد، ستبقى هي سمة المشهد العراقي مع اقتراب عام 2016 على الانتهاء.

مصطفى العبيدي

كلمات دليلية
رابط مختصر