محاولات تسويق «التسوية السياسية» في العراق خارجيا هل تحقق المصالحة الوطنية؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 11 ديسمبر 2016 - 3:17 مساءً
محاولات تسويق «التسوية السياسية» في العراق خارجيا هل تحقق المصالحة الوطنية؟

بغداد ـ «القدس العربي»: تتواصل جهود أغلب أطراف التحالف الوطني الشيعي هذه الأيام في محاولة الترويج لمشروع ما يسمى بـ«التسوية التاريخية» الذي تعده مشروعا لتحقيق المصالحة السياسية بين القوى المشاركة في العملية السياسية لمرحلة ما بعد الانتهاء من تنظيم «الدولة».
ولم تكتف قيادات التحالف في التحرك للترويج للمشروع نحو القوى السياسية الأخرى في العراق، بل امتدت نحو المحيط الإقليمي، حيث قام رئيس التحالف الوطني عمار الحكيم بجولة بدأت من الأردن ودول أخرى في المنطقة وتنتهي في إيران، بهدف التعريف بالمشروع وأهميته في التسوية السياسية والمجتمعية في العراق، إضافة إلى اقناع الدول العربية قطع دعمها لقوى معارضة للعملية السياسية.
ويستغرب العراقيون كيف تفكر أحزاب السلطة بعقد مصالحة مع القوى السياسية التي اعتادت على التحالف معها ضمن العملية السياسية التي بدأت منذ 2003 وتتغافل عن حقيقة ان اهمال واقصاء شريحة واسعة من العراقيين في المحافظات الغربية والشمالية والوصاية عليهم، كان أحد أسباب وجود مشاعر الغبن والاحباط والظلم، ووفر بيئة حاضنة لتنظيمات إرهابية مثل القاعدة والدولة لتنبت في الأرض العراقية، وبالتالي فان ضم القوى الاجتماعية والسياسية خارج العملية السياسية الحالية، عدا التي ارتكبت جرائم بحق العراقيين، وازالة مشاعر الغبن والاقصاء لدى المكون السني، هي ضرورة لإعادة اللحمة الوطنية وتحقيق المصالحة الحقيقية الشاملة، وليس مصالحة لا تساوي الحبر الذي تكتب به. وذلك لكي نثبت استيعابنا لدروس التجارب والمشاريع الفاشلة السابقة التي دفع فيها العراقيون أنهارا من الدماء وخسائر مادية يصعب تقديرها، والتي يبدو انها لم تكن كافية لكي يصحو هؤلاء الساسة ويغيروا اسلوبهم في إدارة البلاد التي أوصلوها إلى كل أشكال التمزق الاجتماعي والفساد والفشل وضياع الخيرات.
وتأتي مبادرة التسوية في وقت أصر فيه التحالف الوطني على اصدار قانون الحشد الشعبي الذي رفضته الكتل السنية، كما ان بعض القوى الشيعية أبدت مواقف غير متفاءلة من المشروع ومنها مواقف التيار الصدري، كما رفض زعيم حزب الدعوة نوري المالكي أي تسوية سياسية مع من وصفهم بـ«صانعي الأزمات والفتن في ساحات الاعتصام والذين شكلوا المجموعات الإرهابية» في إشارة إلى التظاهرات والاعتصامات المطالبة بالاصلاحات وانصاف أهل السنة التي وصفها بأنها مدفوعة من الخارج. وبالتالي فإن التحالف الوطني ينسف بنفسه مشروعه للتسوية.
ومن جانب آخر، ما زالت أوضاع العراق في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» تثير الكثير من النقاش واللغط والمخاوف، حيث دعا نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي إلى تشكيل «هيئة سياسية انتقالية» من أبناء الموصل، لإدارة المدينة بعد استعادتها من قبضة تنظيم «الدولة». وطالب علاوي عند لقائه السفير الأمريكي في بغداد دوغلاس سيليمان بـ»تشكيل هيئة سياسية عليا ممثلة لكل الشرائح من أبناء الموصل، لإدارة المدينة، وتحقيق أمنها واستقرارها، وإعادة النازحين بعد طرد الدولة، وقيادة مرحلة انتقالية تمتد حتى إجراء انتخابات مجالس المحافظات».
وعسكريا، ما زالت المعركة الرئيسية في مدينة الموصل، تنال الاهتمام الأكبر مع تحرير المزيد من الأحياء والقرى. إلا ان تقدم القوات العراقية المشتركة أخذ في التباطؤ في التحرك نحو أحياء مركز المدينة، وذلك باعتراف القادة العسكريين العراقيين والأمريكان، وهو أمر حتمه وجود أعداد كبيرة من المدنيين الذين أصبحوا محاصرين وسط بطش تنظيم «الدولة» وأساليبه الوحشية في معاقبة السكان واتخاذهم دروعا بشرية لعرقلة تقدم القوات العراقية. وأكدت المصادر العسكرية ان التنظيم يلجأ إلى الاكثار من استخدام مئات السيارات المفخخة والعبوات الناسفة وتلغيم البنايات وينشر القناصين، بهدف عرقلة تقدم القوات المهاجمة، في الوقت الذي أصبح فيه اشراك الأسلحة الثقيلة مثل الغازات والدبابات والمدفعية والصواريخ محدودا من قبل القوات العراقية والأمريكية.
وقد أعلنت قيادة عمليات تحرير نينوى انها ستغير استراتيجيتها في معركة الموصل لإبعاد المدنيين وجر التنظيم إلى معارك خارج الأحياء والمدن، في محاولة لحسم المعركة باسرع وقت وكما وعد رئيس الحكومة حيدر العبادي بتحرير الموصل قبل نهاية هذا العام، وهو الأمر الذي يبدو ان تحقيقه ليس بالسهولة المتوقعة.
ومع تقدم المعارك في أنحاء محافظة نينوى، تتفاقم مأساة النازحين الذين تجاوز عددهم 100 ألف عائلة ويتوقع زيادة أعدادهم، حسب وزارة الهجرة والمنظمات الدولية، وسط برد الشتاء القارس والنقص الكبير في تجهيز المخيمات والمستلزمات الإغاثية الضرورية للنازحين فيها ودعوة المجتمع الدولي للمساهمة في تقديم المساعدات والإغاثة السريعة.
وفي شأن آخر، أنهى إقرار مجلس النواب لميزانية 2017 ماراثون النقاشات والاجتماعات بين القوى السياسية في مجلس النواب حول مشروع الميزانية، الذي تخللته خلافات واسعة وتصريحات تهديدية، انتهت بالاتفاق على تقاسم «كعكة الميزانية» بمراعاة جزء من طلبات كل فريق بما يخدم مصالحه، على حساب مصلحة المواطن، حيث ولدت الميزانية التقشفية المقدرة بـ ( 68 مليار دولار) بعجز وصل إلى الربع، لتشكل اعباء جديدة على المواطنين عبر فرض ضرائب جديدة وتخفيض رواتب الموظفين وايقاف المشاريع الاستثمارية والخدمية المهمة وايقاف التعيينات الحكومية وغيرها من الإجراءات التي فرض بعضها البنك الدولي مقابل تقديم القروض للعراق.
ورغم إقرار الميزانية، فإن إقليم كردستان عبر عن عدم رضاه عن حصته فيها، حيث وجه رئيس الإقليم مسعود البارزاني انتقادات لحصة الإقليم في ميزانية 2017 معتبرا إياها غير واضحة وتقبل التأويل متهما بغداد بعدم الإيفاء بوعودها.
ويتخوف العراقيون من مرحلة ما بعد معركة الموصل بسبب تشدد القوى السياسية في مواقفها وعدم الاستعداد لتغيير سياستها ومواقفها تجاه الآخرين، كما يتحسبون لتداعيات الميزانية التقشفية التي ستزيد الأعباء على كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

كلمات دليلية
رابط مختصر