كـقصص خيال “بوليسية”… صقور عراقية تجوب جورجيا واسطنبول وتقطع “رأس الأفعى”

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 29 نوفمبر 2016 - 4:15 صباحًا
كـقصص خيال “بوليسية”… صقور عراقية تجوب جورجيا واسطنبول وتقطع “رأس الأفعى”

استثمرت خلية الصقور الاستخبارية “نجاحها” في كشف واحدة من “أكبر خلايا” (داعش) خارج العراق، واعتقال أحد عناصرها، لضبط باقي أعضاء الخلية في جورجيا وتركيا، بعملية استخبارية دولية أقرب ما تكون الى قصص “الخيال البوليسية”، من خلال تخطيط دقيق وتنسيق مع الأمن الجورجي، وعناصر عراقية وعربية في اسطنبول، قبل أن توقع بـ”رأس الأفعى” بعد استدراجه الى محافظة أربيل.

اعترافات المتهم حميد ناصر، بالانتماء لتنظيم (داعش) ضمن “خلية تبليسي” الإرهابية التي كانت مهمتها خلق فوضى في أوربا الشرقية والتي نشرت (المدى برس) تفاصيلها في (الـ12 من تشرين الثاني 2016)، أطاحت بفضل جهود استخبارية عراقية عالية الدقة بأضلاع المجموعة العرب والاجانب وفككتها بالكامل، بانتظار ما تثمره التحقيقات مع افرادها من عمليات استخبارية أخرى، تسهم بتعزيز الأمن في البلاد.

خطوة دولية “جريئة”

الملاحقة بدأت بمفاتحة الجهات الرسمية ذات العلاقة في وزارة الخارجية، للتنسيق مع السفارة العراقية في جورجيا، ثم تحصيل موافقة قضائية لخطوات العمل التي كانت تسير وفق خطة تقضي بالحفاظ على ثقة المجموعة بالمعتقل حميد ناصر من خلال “خطوة جريئة” تتمثل بإعادته الى جورجيا تحت اشراف فريق من خلية الصقور بعد تنسيق السفارة العراقية مع الأجهزة الأمنية الجورجية للإيقاع بالعقل المدبر للمجموعة في جورجيا “كارتلوس”، بحسب ما يكشفه مصدر استخباري مطلع.

ويقول المصدر في حديث الى (المدى برس)، إن “التغاضي عن فكرة اعتقال المجموعة الإرهابية الدولية لم يكن ممكناً على الرغم من صعوبة التنفيذ حيث لم يكن أمام الخلية إلا أخذ المتهم، حميد ناصر، من جديد إلى جورجيا لأن غيابه يمكن أن يُعّرض المهمة كلها للفشل، فتمت تهيئة الوضع المثالي بموجب خطة محكمة واختصارها على مرافقته من قبل فريق يضم أربعة من أمهر ضباط الاستخبارات في خلية الصقور للمتهم، وبالتنسيق مع السفارة العراقية والأمن الجورجي”.

عملية “نظيفة” في جورجيا

فصول عملية الاعتقال الدولية بدأت بإعادة المتهم الى محل سكنه في جورجيا واعادة دفع اجور السكن والخدمات كما كان يفعل عند العودة من الاجازة الاعتيادية، حيث كانت الخطة تعتمد على مبادرة العقل المدبر للمجموعة في جورجيا “كارتلوس” للتواصل مع المعتقل ناصر، وهو ما تم فعلاً حيث دفعه الفضول لمعرفة ما دار في لقاء ناصر مع “أبو عبد الله” الذي يعد “رأس أفعى المجموعة” في تركيا، الى السؤال عن المعتقل والمبادرة الى محل سكنه بعد يومين فقط من وصول الأخير.

ويؤكد المصدر، أن “كارتلوس استهل لقاءه بناصر بالعتاب عن عدم الاتصال به خلال المدة التي تلت مغادرته لجورجيا، فكان عذر الأخير وعكة صحية”، مبيناً أن “كارتلوس تابع حديثه عن اللقاء بـ(أبي عبد الله) في تركيا، ورأيه بما طرحه عليه بشأن استطلاع ابخازيا بطريقة أكثر دقة وجدية، في حديث دام لنحو نصف ساعة ووثق من قبل فريق الصقور صوتاً وصورة، وأثمر عن اتفاق على اجتماع في اليوم التالي يضم العضوين الآخرين في المجموعة”.

الاجتماع الأخير للمجموعة تم فعلاً في اليوم التالي بحضور المتهم وكارتلوس ونايف العراقي، وعبد القادر الاذربيجاني، في مترو “تكنكل يونفيرستي” تحت أنظار رجال الاستخبارات العراقية والأمن الجورجي، ووثق أيضاً، حيث شهد الاتفاق على الذهاب إلى ابخازيا بعد اسبوع تحديداً، لينتهي الاجتماع بشكل مختلف هذه المرة حيث تفرق المجتمعون قبل أن يلتقوا سريعاً مجدداً لكن تحت قبضة خلية الصقور والأمن الجورجي، ليسلم نايف العراقي لخلية الصقور الاستخبارية، فيما بقي المعتقلين الآخرين بحوزة الأمن الجورجي.

عمل الفريق في جورجيا تكلل بالنجاح بتلك العملية “النظيفة” حيث سحب المعتقلان العراقيان بهدوء عبر المطارات وأعيدا إلى بغداد، بعد الاتفاق مع الأمن الجورجي على انتظار أي اتصال من “أبي عبد الله” بكارتلوس وإبلاغ الاستخبارات العراقية بالتطورات، لكن اي اتصال من “رأس الافعى” لم يرد أبداً خلال الشهرين اللاحقين.

خطة عراقية ومصدر خليجي لـ الاطاحة بـ”أبي عبد الله”

أهمية الهدف الذي مثله المدعو “أبو عبد الله” دعت القيادات الاستخبارية العراقية في خلية الصقور الى عقد اجتماع لاتخاذ موقف منه، خاصة وأن اعادة سيناريو جورجيا لم يكن ممكناً لاحتمالية معرفة الهدف بما جرى هناك، اضافة الى عدم تعاون السلطات التركية بالمرة في مثل تلك حالات.

ويوضح المصدر، أن “القرار صدر بوضع خطة بديلة للإطاحة بالإرهابي (ابي عبد الله)، وكانت الخطوة الأولى تحديد مكان الهدف في منطقة اقصراي، من خلال نشر أوصافه على بعض المصادر العربية الموثوقة في اسطنبول لمتابعته، حيث تلقت الخلية رسالة من أحد مصادرها العربية الخليجية تفيد بالتعرف على الهدف، مع طلب اذن للشروع بالمراقبة”، مشيراً الى أن “المصدر تلقى الضوء الاخضر للعمل لما يحظى به من ثقة عالية اكتسبها خلال مدة عمله مع الخلية والتي تجاوزت العشر سنوات”.

خلية الصقور تلقت خلال الاسبوعين اللاحقين تفاصيل الهدف وتحركاته ومحل سكنه، لكن تلك المعلومات لم تكن كافية لإعداد خطة محكمة للاطاحة به، ليصدر القرار بإرسال “أمهر صقور المراقبة” إلى اسطنبول ليرافقوا المصدر في متابعة الهدف، حيث عاد الضابط بعد اقل من عشرة أيام وبجعبته تفاصيل وافية، أشارت الى ما يتمتع به الهدف من حيطة وحذر أمنيين في جميع التحركات والتعاملات، وكشفت زيف ادعاءاته بامتلاكه منزل كبير غربي بغداد يتقاضى بدل ايجاره وراتباً تقاعدياً لقاء خدمته في وزارة الزراعة، حيث أكدت المتابعة والتدقيق أن هذا الشخص لم يكن موظفاً في وزارة الزراعة ولا يملك داراً في بغداد كلها.

عملية “سرية” في اسطنبول

غموض الهدف دعت خلية الصقور الى تشكيل فريق عمل “عالي المستوى” من ضباط وخبراء، وحددت ساعة الصفر وبدأت العملية بتحرك فريق العمل إلى اسطنبول بـ”سرية تامة” لاختراق الهدف، حيث تم استئجار شقتين إحداهما قريبة من سكناه والأخرى بمكان آخر للتمويه، كما يشير المصدر.

ويكشف المصدر، أن “فريق العمل لم ينجح باختراق الهدف خلال محاولتين ما دفعه الى تغيير الخطة بمساعدة المصدر الخليجي الذي يتقن اللغة التركية، مستعيناً بامرأة عراقية كبيرة في السن تطوعت للعمل مع الفريق بعد مفاتحتها دون تفاصيل دقيقة، لما تطلبته الخطة بوجود امرأة كبيرة السن”.

الخطة تلخصت بافتعال مشادة كلامية قرب الهدف بين سائق أجرة تركي ومستأجر عراقي ترافقه أم كبيرة السن، كان أبطالها المصدر الخليجي وأحد الضباط الأبطال في الاستخبارات العراقية والمرأة المتطوعة، لتبدأ فصولها حال الاقتراب من الهدف في إحدى الساحات العامة، بصراخ واتهامات صدرت من الشاب الى الحكومة العراقية قائلاً : العتب كل العتب على الحكومة العراقية الي متيهتنا ومخليتنا نروح لتركيا وغير تركيا حتى نتعالج.

استدراج الهدف

تلك الكلمات كانت كافية لإثارة حفيظة الهدف ودافعة به الى التدخل بالقول: شنو الموضوع أغاتي اني عراقي خير شبيك وي أبو التكسي، ليجيبه رجل الاستخبارات بصوت مرتفع وأعصاب منهكة: هذا السائق يريد يغلبني ويأخذ أكثر من حقه، قبل أن يبادر الهدف بدفع أجرة السيارة بهدوء طالباً من سائقها تقبل العذر كون المستأجر غريباً ومتوتراً.

الهدف بقي مع رجل الخلية والسيدة وفاتحه بالسؤال مجدداً : خير اخويا شنو محتاج، ليبادره الضابط بالرد: والله اريد أسوي فحوصات لأمي ودخت من الصبح الى حد الآن أريد أوصل لمستشفى لأمراض القلب تكون اسعارها معقولة وخدماتها جيدة، فما كان من الهدف الا أن تعهد باصطحابه الى أحد المستشفيات المناسبة والتكفل بمصاريف اجراء الفحوصات الطبية، وهو ما حدث بالفعل بعد أن رافقهما الى مستشفى “ميديبول ميجا” المتخصصة بالأمراض المزمنة وأمن لهم حجزاً لدى طبيب أخصائي يدعى “ارسلان اكچفين” ودفع أجرة الفحص.

ويشير المصدر، الى أن “الهدف كان مهتماً بالشاب ووالدته حيث نصحهما بتغيير محل سكنهما لارتفاع كلفته المالية بعد أن علم بسكنهما في فندق (سفير اسطنبول) في منطقة (آيا صوفيا)، الى مكان انسب مالياً”، مؤكداً أن “ذلك هو ما جرى فعلاً بعد موافقة الضابط”.

ويوضح المصدر، أن “الهدف طلب من الشاب ووالدته الانتظار في المستشفى ريثما يؤمن لهما حجزا في فندق آخر، حيث خرج متبوعاً بفريق الاستخبارات العراقي إلى أن وصل الى فندق (اوسمانهان هوتل) قرب منطقة آيا صوفيا، ودخل لتثبيت الحجز ثم رجع إلى المستشفى والتقى برجل الاستخبارات وأخبره بتأمين الحجز وطلب منه الغاء حجزه السابق والسكن في المحل الجديد”.

اختراق الهدف

“أبو عبد الله” غادر المستشفى بعد أن فشل في الحصول على رقم الشاب العراقي الذي تعذر بعدم امتلاك خط هاتف تركي، لكنه لم يغادر أنظار “الصقور” العراقية التي تابعته حتى محل سكنه في اقصراي، ليتابع الفريق المكون من رجل الاستخبارات والسيدة الكبيرة الفحوصات ويتوجها لإلغاء الحجز السابق والسكن في المحل الجديد.

ويكشف المصدر، أن “الهدف كان دائم الحيطة والحذر حيث عاد الى المستشفى المذكور بعد نحو أربع ساعات وتأكد من أن الشاب ووالدته قد اجريا الفحوصات فعلاً، حيث أكدت ادارة المستشفى اجراء تلك الفحوصات وتحديد موعد آخر لهما بعد يومين”، موضحاً أن “الهدف عاد الى منزله بعد ذلك قبل أن يغادره مساء مرة أخرى متوجهاً هذه المرة الى فندق (اوسمانهان هوتل)، والتقى بالشاب بعد أن توصل اليه عن طريق ادارة الفندق، وتبادلا أطراف الحديث بشأن الوضع في العراق، حيث بدأت مهمة رجل الاستخبارات الذي استعار اسم (أحمد)”.

“أبو عبد الله” بادر “أحمد” بسؤال عن منطقة سكناه فكانت الاجابة تناسب ما كان يطمح اليه الهدف، حيث بيّن له بـأنه يسكن حي الجامعة، غربي بغداد، وأنه أحد خريجي كلية العلوم السياسية وعاطل عن العمل منذ اربع سنوات، لتتوالى بعد ذلك اسئلة الهدف عن طريقة تدبير المعيشة وعدد افراد الاسرة، ليتلقى اجابات زادت من ثقته بالشاب وأسرته، حيث بيّن “أحمد”، أن “اسرته تتكون من أم وأخت متزوجة من ضابط سابق ويسكنون داراً يمتلكونها ويعتاشون من راتب تقاعدي للأم، بعد وفاة الأب منذ زمن بعيد”.

فريق الاستخبارات العراقي استمر بمراقبة “ابي عبد الله” بعد انتهاء اللقاه حيث اكتشف أن الأخير كان قد عيّن أحد عناصره لمراقبة الشاب “أحمد”، الذي قام بجولة في الأسواق لمدة خمس ساعات قبل أن يعود الى الفندق في ساعة متأخرة من الليل.

ويروي المصدر، أن “(ابا عبد الله) كان قد ذهب الى الفندق الذي يسكنه (أحمد) في اليوم الثالث وانتظره صباحاً ورافقه الى المستشفى، لتسلم نتائج الفحوصات، حيث حددت ادارة المستشفى موعداً لـ(أحمد ووالدته) بعد شهرين”، مشيراً الى أن “الهدف استمر بالاحسان الى (أحمد) وبادر بدفع أجرة سيارة الاجرة ورافقه الى مكتب الخطوط الجوية التركية لحجز موعد للعودة الى بغداد، حيث حدد المكتب موعداً بعد يومين”.

فصول عمل “أحمد ووالدته” في اسطنبول كانت على وشك أن تنتهي بعد أن حققت نجاحاً باهراً، حيث بادر “أبو عبد الله” الى الكشف عن رقم هاتفه طالباً من احمد التواصل بعد العودة الى بغداد، في حين أن عمل بقية أفراد الفريق الاستخباراتي العراقي في اسطنبول كان متواصلاً بمراقبة ومتابعة دقيقتين للهدف أين ما حل وارتحل.

أدعية دينية عبر الـ”فايبر” ورأي متطرف بـ”الشيعة”

اتصال “أحمد” بالهدف لم يتأخر سوى اسبوع واحد بعد العودة الى بغداد حيث بادر بمواصلته عبر تطبيق الـ”فايبر” بالشكر على مواقفه في اسطنبول، لتبدأ بينهما محادثات ترحيبية يومية تطورت الى أدعية دينية وصور لأحاديث نبوية، قبل أن يطلب “ابو عبد الله” تغير وسيلة الاتصال الى “تويتر” بحجة اغلاق الـ”فايبر” في بعض الاحيان.

ويقول المصدر، أن “الحوارات الدينية بين الجانبين اصبحت أكثر عمقاً حيث كان (أحمد) على اطلاع بالمسائل الشرعية وتحت إشراف خلية الصقور”، لافتاً الى أن “(ابا عبد الله) سأل ذات مرة عن رأي (أحمد) حول الشيعة، فكان رد الأخير حازماً ومقنعاً، وساهم بعد شهرين من تبادل الأحاديث بإقناع الهدف بتطرف (أحمد) الديني”.

ومع اقتراب موعد العودة الى اسطنبول لإجراء الفحوصات الطبية كلف “أحمد” الهدف بتأمين حجز فندقي في ذات المكان السابق ثم توجه برفقة السيدة الى هناك مباشرةً قبل الموعد بيوم واحد، لكن “ابا عبد الله” أو أحداً من عناصره لم يظهروا على مدار الايام الثلاثة اللاحقة، مما دفع الى خطة بديلة من خلال التجوال “أحمد ووالدته” في مجمعات اسطنبول التجارية، حيث أتت تلك الخطة ثمارها سريعاً بعد أن ظهر الهدف فجأة خلال تناولهما الطعام في أحد تلك المجمعات.

ويشير المصدر، الى أن “(أبا عبد الله) سأل عن موعد عودة (أحمد) الى بغداد والذي كان مقرراً أن يتم بعد يومين، وطلب تأجيله ليومين آخرين وترتيب موعد للقاء خلال تلك المدة”، مبيناً أن “اللقاء تم قرب الفندق بعد ثلاثة أيام حيث تجول الاثنان في شارع الاستقلال وبدأ الهدف بتجاذب أطراف الحديث بسؤال عن سبب عدم زواج (أحمد) حتى الآن، حيث تعذر الأخير بالعوز المادي”.

صقر عراقي بين صفوف (داعش)

أحاديث “ابي عبد الله” الجانبية لم تستمر طويلاً بعد أن نجح “أحمد” بذكاء استخباري بإقناعه بالانتماء لعدد من الفصائل الارهابية خلال اعوام 2005، 2006، 2007 ثم تركها بعد وفاة والده، ما دفع الهدف الى مفاتحته بالانتماء الى تنظيم (داعش) في سبيل تغيير وضعه المادي وقدم له مبلغ 500 دولار كوسيلة اقناع، وأكد له أن التنظيم يمتلك خططاً بديلة في حال خرجت الأمور عن السيطرة في نينوى والأنبار.

ويؤكد المصدر، أن “(ابا عبد الله) استخدم اسلوب الترغيب بالأموال تارة وبالدين اخرى لإقناع (أحمد) الذي أوهم الهدف بتردده بالانتماء للتنظيم، حتى ابدى له الموافقة أخيراً”، موضحاً أن “اللقاء انتهى عند هذا الحد بعد الاتفاق على التواصل مجدداً بعد العودة الى بغداد عبر موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) وعبر حسابات جديدة”.

تنظيم “خيطي” بصورة “سيلفي”

وتيرة عمل “أحمد” تصاعدت بعد عودته الى بغداد حيث كلفه الهدف ابتداءً برصد نقاط تفتيش داخلية وخارجية وتصويرها، فتم ذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة من خلال نصب نقاط أمنية فرعية في أماكن متفرقة وتصويرها بشكل غير دقيق من أماكن بعيدة، وارسلت تلك المقاطع الى الهدف ليطمئن أكثر.

ويذكر المصدر، أن “(أبا عبد الله) كان فرحاً بتلك المقاطع وطلب من (أحمد) رصد ثكنات عسكرية، لكن الاخير تعذر عن ذلك متذرعاً بضعف امكاناته عن مثل تلك العمليات”، مؤكداً أن “الهدف طلب من (أحمد) تغيير اسلوب العمل من خلال كسب أعضاء جُدد بشكل خيطي، على أن تكون طريقة الاختيار دقيقة جداً، وحمّلهُ مسؤولية الاختيار”.

وافق “أحمد” على العمل الجديد، وابلغ الهدف بالعثور على ضالته بعد ثلاثة اسابيع وأرسل له التفاصيل كاملة بطلب من الأخير بعد أن اختار فريق العمل اسماً معروفاً لدى (داعش) كان قد اعتقل سابقاً مع ضمان عدم علم التنظيم باعتقاله، فحاز على ثقة الهدف بعد نحو اسبوعين وطلب صورة له فتم له ما أراد من خلال صورة “سيلفي” جمعت “أحمد” بالمعتقل بعد تغيير ملابسه.

16 الف دولار مقابل صورة عقد ومسدس “كلوك”

حماسة “أبو عبد الله” تصاعدت وطلب من خليته “الخيطية” تنفيذ عمليات مراقبة لمنتسبين لأجهزة الأمن تمهيداً لاغتيالهم، ليتلقى ردود أفعال خائفة وحذرة، خطط لها مسبقاً لمراعاة جانب الحيطة والذكاء الذي يتمتع به الهدف، الذي مارس ضغوطه على “أحمد” لإقناعه بالفكرة.

ويقول المصدر، أن “(أحمد) وافق على الفكرة لكنه وضع شروطاً أولها توفير عجلة للتنقل وتأمين سلاح وهويات مزورة، وهو ما يحتاج الى أموال لا يمتلكها، فتعهد الهدف بتوفير تلك الأموال”، مشيراً الى أن “(أحمد) تلقى بعد ثلاثة أيام رسالة من (أبي عبد الله) عبر تويتر تؤكد تحويل مبلغ 16 الف دولار عبر أحد مكاتب الصيرفة، مشترطاً أن يرسل له صورة عقد للسيارة التي سيتم شراؤها وقطعة السلاح والهويات المزورة”.

ويضيف المصدر، أن “الفريق الاستخباري استعان بإحدى السيارات الحكومية ذات لوحات تسجيل مدنية ومسدس (كلوك) وهوية مزورة لمنتسب بشرطة الطاقة، وارسل تلك الصور الى الهدف، الذي سأل عن مصدر التزوير حيث زوّد باسم مزور يعمل لصالح تنظيم (داعش) اعتقل سابقاً وقتلت مجموعته في الانبار”، مؤكداً أن “الهدف كشف عن ارتباطه بمجاميع اخرى حينما أبلغ (أحمد) أن مصدر التزوير قد قتل سابقاً في الانبار، فأقنعه الاخير بوجود المصدر على قيد الحياة وطمأنه بامكانية أن يتواصل معه شخصياً ما حدا بالهدف الى غض النظر عن الموضوع مباشرة”.

عمليات اغتيال “وهمية” في بغداد

بعد أن قدم الهدف المبلغ المالي اللازم لخليته الجديدة داخل العاصمة طالبهم بعملية اغتيال سريعة ومصورة، فتم الترتيب لعملية اغتيال “وهمية” هدفها أحد منتسبي شرطة حماية المنشآت يسكن منطقة الزعفرانية ويسلك طريق السعدون ثم المسرح الوطني ثم ساحة عقبة ثم طريق معسكر الرشيد الذي اختير مكاناً للتنفيذ، بعد أن أرسلت تفاصيل العملية الى “أبي عبد الله”.

ويكشف المصدر، أن “فريقاً من الخبراء قد أعد للعملية باحترافية عالية وباستخدام الاطلاقات الصوتية وتم تصوير عملية الاستطلاع ثم عملية التنفيذ في المكان المحدد، ثم ارسل المقطع المصور الى الهدف”، مبيناً أن “الهدف طالب بتصوير مكان عمل المنتسب بعد أن يعلن مقتله فتم تصوير لافتة النعي التي تم ترتيبها مسبقاً في مكان عمل المنتسب وقرب منزله”.

تلك العملية لم تكن الوحيدة حيث نفذت خلية “أحمد” الوهمية عمليتين اضافيتين بذات الاسلوب إحداهما في جانب الكرخ، بطلب من “أبي عبد الله”، الذي اطمأن بعد تلك العمليات لإخلاص “أحمد” وخليته، ليفاتحه بتهيئة مضافة لتنفيذ عمليات “نوعية” وأرسل مبلغ عشرة آلاف دولار، حيث بادر الفريق الى استئجار منزل صغير في منطقة الدورة، قبل أن يطلب الهدف بعدها بأسابيع قليلة شراء أسلحة متوسطة مشترطاً أن تكون جديدة.

ويشير المصدر، الى أن “(أحمد) رفض ذلك الا أن (أبا عبد الله) هدده باستعمال التصوير ضده فيما لو لم ينفذ، فطلب الأول فرصة للتفكير والترتيب، قبل أن يرسل الأخير بعد يومين تحديداً رسالة اعتذر عن سوء حديثه، حيث جرى الاتفاق بعد ذلك على فتح مضافات في جانبي الكرخ والرصافة وتجهيزها بالسلاح، فيما لم يبد (أحمد) اعتراضاً على المبدأ ولكنه أبدى مخاوف من العملية”.

لقاء أخير في اسطنبول

“أبو عبد الله” طمأن تلك المخاوف قائلاً : لا تخاف الجماعة ملتهين بالموصل، دون أن يعلم أنه سيشهد لحظة هزيمة تنظيمه المجرم في الموصل وهو بقبضة أجهزة الأمن العراقي، ليجري الاتفاق على لقاء جديد في اسطنبول، رتبت له خلية الصقور شهد اتفاقاً على تهيئة خمس مضافات في بغداد وشراء أسلحة وملابس عسكرية وترتيب هويات مزورة.

ويقول المصدر، أن “لقاءً ثانياً جمع (أحمد) بالهدف في أحد المطاعم خلال تلك السفرة، حيث قدم الهدف مبلغ 30 الف دولار كدفعة أولى لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً، متعهداً بتوفير مبلغ مماثل حال رجوع (أحمد) الى بغداد”، مشيراً الى أن “أحمد رفض تلك الفكرة مؤكداً أن ذلك سيعرضه للخطر ولم يستجب للضغوطات التي مارسها الهدف بحسب مارسمه الفريق من خطة لاستدراج الأخير”.

رفض “أحمد” تبعه صمت طويل بعد أن غادر الاثنان صالة المطعم وتجولا في أحد شوارع المدينة التركية، قبل أن يقطعه “أبو عبد الله” بطرح فكرة انتظرها الفريق طويلاً لتتويج جهودهم المضنية.

أربيل آخر الفصول

“راح أجازف ولازم انت هم تجازف وياي” بتلك الكلمات بدأ “أبو عبد الله” طرح فكرته على رجل الاستخبارات الشاب “أحمد”، والتي كانت تقضي بلقاء يجمعهما في اربيل ليتسلم الاخير المبالغ المالية ويعود الى بغداد براً، راقت الفكرة لـ”أحمد” وأبدى الموافقة، قبل أن يعود أدراجه الى بغداد بانتظار موعد أربيل المرتقب.

ويؤكد المصدر، أن “(أحمد) تلقى رسالة من الهدف بعد نحو اسبوعين من عودته الى بغداد تؤكد تواجد الاخير في اربيل وتدعوه الى موافاته سريعاً، دون تحديد مكان للقاء حيث أكد الهدف أنه هو من سيلتقي (أحمد) حين وصوله الى هناك”، لافتاً الى أن “الفريق الاستخباري تحرك سريعاً الى اربيل وبشكل فردي بعد أن وصل (أحمد) وحجز في أحد فنادق عينكاوا”.

ثلاثة ايام مرت دون جديد أو اتصال، كان خلالها “أحمد” يتجول صباحاً ومساءً في مجمعات أربيل التجارية، على أمل كشف موقع الهدف تحت أنظار الفريق، لكن دون جدوى.

خمس دقائق تطيح بـ”رأس الأفعى”

اليوم الرابع أقبل حاملاً رسالة من الهدف أبلغت “أحمد” بموعد لقاء في أحد المجمعات التجارية المعروفة، حيث جرى بين الطرفين لقاء سريع لم يدم أكثر من “خمس دقائق” أبلغ خلاله “أحمد” بإيداع مبلغ 60 الف دولار باسمه عند أحد مكاتب الصيرفة كأمانات.

ويقول المصدر، إن “الفريق بادر فور نهاية اللقاء بمتابعة (ابي عبد الله)، حيث مثلت تلك اللحظات تجسيداً لعمل جسيم دام لأكثر من ستة أشهر أما أن تتكلل بالنجاح أو تذهب ادراج الرياح”، مؤكداً أن “العناية الالهية قادت الهدف الى مرآب السيارات بدل المطار حيث كان يروم التوجه الى محافظة دهوك”.

ويضيف المصدر، أن “الفريق عمل بسرعة ودقة عاليتين وجهز سيارة أجرة تحمل لوحات اقليم كردستان وأوقفها خارج المرآب”، مشيراً الى أن “أحد ضباط الخلية ممن يجيد اللغة الكردية توجه الى الهدف وأبلغه بوجود سيارة تروم الانطلاق الى دهوك وتحتاج مسافراً واحداً بعد أن سمعه يبحث عن سيارة أجرة فرافقه (أبو عبد الله) سريعاً دون أن تسعفه حيطته وحذره”.

خطوات “أبو عبد الله” السريعة باتجاه السيارة مثل اللحظات الأخيرة التي انقضت فيها صقور الاستخبارات العراقية على “رأس الأفعى”، حيث ما أن غادرت السيارة نقطة تفتيش أربيل، حتى تم تخدير الهدف، ونقله الى مركبات حكومية تابعة لاستخبارات كركوك كانت بانتظار الفريق، ليفيق على صوت يقول: أنت موقوف بأمر قضائي عراقي وفق المادة الرابعة من قانون مكافحة الاٍرهاب.

معلومات سرية لتفكيك قيادات جديدة

ويختم المصدر، أن “الفريق واجه المعتقل بالأدلة القاطعة وبالمتهم حميد ناصر، الموقوف مسبقاً حيث تعرف عليه وشهد بتكليفه باستطلاع مدينة ابخازيا بشكل دقيق لتنفيذ هجمات ارهابية فيها”، مؤكداً أن “بقية المعلومات ما تزال طي السرية لارتباطها بإرهابيين خطرين ما يزالون قيد المتابعة والمراقبة”.

رابط مختصر