العراق: قوات داعش الفارّة أطلقت موادا كيميائية سامة

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 12 نوفمبر 2016 - 10:46 صباحًا
العراق: قوات داعش الفارّة أطلقت موادا كيميائية سامة

(أربيل )- شنّت قوات تنظيم “الدولة الإسلامية” (المعروف أيضا بـ “داعش”) 3 هجمات كيماوية على الأقل على بلدة القيارة العراقية. يُشكّل استخدام المواد الكيميائية السامة كوسيلة حرب تهديدا خطيرا للمدنيين والمقاتلين في مدينة الموصل المحاصرة وحولها، ويُعتبر جريمة حرب.

ضربت الهجمات بلدة القيارة، 60 كم جنوب الموصل، في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، بعد استعادة قوات الحكومة العراقية البلدة في 25 أغسطس/آب 2016. تسببت الهجمات بحروق شديدة لـ 7 أشخاص على الأقل، بما يتفق مع أعراض التعرض لمستويات منخفضة من مادة كيميائية تستخدم في الحروب وتُعرف بـ “مُنفّطات البثور”(vesicants)، حسب قول خبير أسلحة كيميائية لـ هيومن رايتس ووتش.

قالت لمى فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: “تُظهر هجمات داعش بالمواد الكيميائية السامة لامبالاة غاشمة بأرواح البشر وقوانين الحرب. أفادت التقارير بمهاجمة مقاتلي داعش المدنيين الذين تركوهم وراءهم، وتعريضهم للخطر مرارا، بما يزيد المخاوف تجاه سكان الموصل ومناطق النزاع الأخرى”.

تتقدم قوات الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، بدعم من قوات تحالف بقيادة الولايات المتحدة، على امتداد نهر دجلة لاستعادة البلدات والقرى من داعش. سبقت هجمات القيارة العمليات العسكرية التي بدأت في 17 أكتوبر/تشرين الاول لاسترداد الموصل، ثاني أكبر مدن العراق.

كانت قوات داعش وقت الهجمات تسيطر على مساحة بين 3 و6 كم شمال المدينة. قال 15 من سكان القيارة لـ هيومن رايتس ووتش في 31 أكتوبر/تشرين الأول إن هذه الهجمات هي الأولى من نوعها في المنطقة. قالوا – وقال أيضا موظف في السفارة الأمريكية ببغداد – إن داعش نفذها. اعتمد السكان في اتهامهم على حقيقة أن القوات العراقية كانت تسيطر على بلدة القيارة تماما حينئذ، بينما كان داعش يهاجم المدينة ويستهدف مواقع عسكرية. يعتقد السكان أن داعش كان يحاول إجبار سكان المدينة على الفرار نحوهم، استنادا إلى تقارير تفيد بأن داعش حاول إجبار المدنيين على الانسحاب معهم في مناطق أخرى، ثم يستهدف القوات المعادية التي تحاول دخول المنطقة بعد الانسحاب منها. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تأكيد هذا الادعاء.
ذكرت وسائل إعلام أن داعش أطلق قذائف بها مواد كيميائية في 20 سبتمبر/أيلول، أثناء هجومه على “قاعدة غرب القيارة الجوية”، التي سيطرت عليها القوات العراقية وقوات التحالف في يوليو/تموز. نشر ناطقون باسم التحالف على تويتر بعد الهجوم أن الفحوصات المخبرية “لم تجد مادة الخردل” في الذخائر التي أطلِقت على القاعدة الجوية. لكن سكان القيارة وصفوا لـ هيومن رايتس ووتش الهجمات الثلاث التي تسببت بإصابات تتفق مع استخدام مواد الحرب الكيميائية.

في الهجوم على القيارة في 21 سبتمبر/أيلول، سقطت مقذوفة في حديقة منزل عائلة، وتسرب منها سائل تسبب بحروق وبثور لاثنين من أفراد الأسرة ورجلي شرطة ساعداهما في إبعادها.

في هجوم جدّ في 6 أكتوبر/تشرين الأول، انفجرت مقذوفة أمام مقهى قُرب دراجة نارية تعود لمقاتلَين. ابتعد المقاتلان على دراجتهما، ولكن أصيبا بحروق شديدة حيث لامس جسداهما الدراجة. اعتقد الأطباء أن الإصابات ناتجة عن مادة الكلور بادئ الأمر، ولكن حددوا لاحقا أنها ناجمة عن مادة مُنفّطة للبثور. سقطت مقذوفة أمام مصفاة نفط في 10 أكتوبر/تشرين الأول، وأصيب عامل كان يمر بالموقع على متن دراجة نارية بحروق وبثور مماثلة.

عاين كيث بي وارد، خبير مستقل في كشف آثار مواد الحرب الكيميائية، أدلة الفيديو والصور وشهادات المتضررين من الهجمات، وخلص إلى أن رائحة “الثوم” المميزة وحرق العيون الذي وصفه رجل مباشرة بعد الهجوم الذي وقع في حديقة منزله، واحمرار الجلد اللاحق، وتأخر ظهور البثور على الجلد لـ 7 مصابين، تتفق مع أعراض التعرض لمستويات منخفضة من مواد الحرب الكيميائية من النوع المعروف باسم “مُنفّطات البثور”. قال وارد إن كبريت الخردل نوع شائع من المواد المنفطة للبثور، وقد يوجد شكل نقي أو مخفف من هذ المادة في القذائف التي استخدمت في الهجمات الثلاث. ربما تعرض الضحايا لهذه المادة مباشرة وقت الهجوم أو لاحقا بعد ملامسة أجسام ملوثة بالمادة المنفطة. يجب تحليل عينات التربة والمياه التي جمعتها فرق متخصصة بالقرب من مواقع الهجمات، وعينات الأنسجة المأخوذة من الضحايا، لتحديد المواد الكيميائية المستخدمة في هذه الهجمات بشكل أدق.

قال وارد إن الذين تعرضوا لتلك المادة المنفطة للبثور وصفوا حروق جلد أولية وبثور تلتها خلال يوم، وأنها مؤلمة جدا. بالإضافة إلى هذه الآثار المباشرة، يمكن أن يسبب التعرض للعوامل المنفطة عواقب أكثر على المدى البعيد. تشمل زيادة حدوث سرطانات الجهاز التنفسي والتهاب الملتحمة المزمن وعديد الأمراض الجلدية المزمنة مثل تقرحات الجلد وتشكل الندبات والسرطانات الجلدية.
ينتهك استخدام المواد المنفطة للبثور أو غيرها من المواد الكيميائية السامة التي تنتج تأثيرات مشابهة في هذه الهجمات “اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية” لعام 1993. تحظر الاتفاقية التي انضم إليها العراق عام 2009، استخدام أي شخص تحت أي ظرف من الظروف للخصائص السامة للمواد الكيميائية لإحداث الوفاة أو إصابة المقاتلين أو المدنيين. هذا الاستخدام هو جريمة حرب بموجب “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية” والقوانين العرفية للحرب. استخدام الأسلحة المحرمة بقصد جنائي عمدا أو عشوائيا هو جريمة حرب.

استخدمت داعش مواد منفطة سابقا، بما فيه أثناء هجوم على مناطق تسيطر عليها جماعات المعارضة المسلحة في سوريا في أغسطس/آب 2015، وفقا للجنة التحقيق الأممية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة العراقية تحذير المدنيين من استخدام الأسلحة الكيميائية، ومنع دخولهم المناطق الملوثة، وتوفير العلاج أو المتابعة الطبية للضحايا. إذا لم تتدبر الحكومة ذلك، فعليها أن تطلب المساعدة والتعاون من الدول الأخرى الأعضاء في “اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية”.

وثّقت هيومن رايتس ووتش منذ بدء عملية الموصل إجلاء داعش القسري للمدنيين في المناطق التي يسيطر عليها مع مقاتليه، لاستخدامهم كـ “دروع بشرية” على ما يبدو. جمع داعش أيضا مئات الرجال وأعدمهم، لاشتباهه بصلاتهم السابقة بقوات الأمن.

قالت فقيه: “حاول داعش تنصيب نفسه حاميا للعرب السنة في العراق، ومع ذلك فهو مستعد لمهجاتهم بالأسلحة الكيماوية في منازلهم”.

هجوم الحديقة في 21 سبتمبر/أيلول 2016
قال 3 أفراد من عائلة تعيش قبالة الطريق الرئيسي الذي يمر عبر القيارة لـ هيومن رايتس ووتش إنه في ظهر 21 سبتمبر/أيلول، سقطت مقذوفة في حديقة منزلهم، وسببت حفرة مساحتها حوالي 2*2 متر، خرج منها سائل كثيف مصفرّ حوّل تربة الحديقة إلى الأسود والأصفر، وله رائحة قوية. قال أحد الأبناء، وهو طالب في أوائل العشرينات من العمر إنه فور وصول الشرطة المحلية، ساعد وابن عمه اثنين منهم في نزع المقذوفة من الأرض:

بينما كنا نحاول إخراجها، بدأت عيناي تحترق. كان هناك رائحة قوية كرائحة الثوم أو البصل الفاسد. رششنا الماء على [المقذوفة]، ولامست بعض تلك المياه أيدينا وساقينا. بعد 3 ساعات شعرت بحرق وألم شديد في ساقي وذراعي وبدأ جلدي بالاحمرار. ظهرت بثور على ساقي صباح اليوم التالي.

زار باحثو هيومن رايتس ووتش موقع الهجوم في 31 أكتوبر/تشرين الأول، واشتمّوا الرائحة القوية المتبقية في الحديقة.

وفقا للابن، أرسلته العيادة الصحية المحلية مع ابن عمه ورجلي الشرطة، اللذان ظهرت عليهما نفس الأعراض، إلى مستشفى في أربيل. نظّف الأطباء الحروق والبثور وعالجوها بمرهم يحتوي السلفا ويستخدم لعلاج ومنع العدوى للحروق من الدرجة الثانية والثالثة. قال إنه وابن عمه ذهبا إلى البيت إلا أن الألم ظل يسوء، حتى ذهبا في اليوم التالي إلى تكريت ومن هناك إلى مستشفى “مدينة الطب” في بغداد لتلقي العلاج لعدة أيام. لا يعرفان وضع رجلي الشرطة.

رأى باحثو هيومن رايتس ووتش حروق الرجل وصوروها، ولا تزال واضحة حتى بعد شهر. كان أعلى المعصم الأيمن لأحد الرجلين محترقا، ولدى الآخر عدة بثور على الجزء السفلي من ساقه اليسرى. قدّما صورا لجروح في الذراعين والساق اليسرى لأحد رجلي الشرطة. وقدموا مقاطع فيديو تظهر فيها المقذوفة الصاروخية بطول مترين تقريبا، وبركة من السائل الأصفر الذي خرج منها، ووصول الشرطة وإزالة المقذوفة.

هجوم المقهى، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2016
قال 4 رجال يعملون في مقهى على الطريق الرئيسي في القيارة إنه في 6 أكتوبر/تشرين الأول، انفجرت مقذوفة أمام المقهى مخلفة بركة مما وصفه صاحب المقهى بأنه سائل مخضر. رأى صاحب المقهى 3 رجال في ثياب بيضاء واقية، يرتدون قفازات وأقنعة ويحملون عبوات أكسجين على ظهورهم يعاينون المنطقة، قالت قوات الأمن المحلية له إنهم أميركيون. أخذ 3 رجال شرطة بالزي الرسمي بقايا المحرك الصاروخي للمقذوفة إلى ضفاف نهر دجلة ورموها في الماء. ذهب باحثو هيومن رايتس ووتش إلى موقع رمي المحرك لكن لم يتمكنوا من رؤية أي بقايا. عاين الباحثون أيضا صور الرجال الثلاثة الذين ارتدوا سترات المواد الخطرة التي نشرها السكان على فيسبوك، وتتفق مع وصف صاحب المقهى، وعاينوا مقطع فيديو لإلقاء الشرطة بقايا المقذوفة في النهر.

قال مقاتلان من ميليشيا قبلية محلية (“الحشد العشائري”) إن دراجتهما النارية كانت متوقفة على الطريق الرئيسي، على بعد أمتار قليلة، عندما سقطت مقذوفة عند المقهى وانفجرت. لم يدركا أنها قد تحتوي موادا كيميائية فهرعا إلى المنطقة، ثم غادرا على الدراجة. وصفا رائحة قوية وأظهرا لـ هيومن رايتس ووتش الحروق التي قالا إنها نتجت عن ملامستهما للدراجة النارية على الفور بعد وقوع الحادث. لا تزال الحروق ظاهرة على اليد اليمنى بأكملها لواحد منهما، مع بقع كبيرة متغيرة اللون، حيث لامست يده مقبض الدراجة النارية. كان لدى الآخر حروق كبيرة أسفل وباطن فخذيه، حيث لامس جلده كرسي الدراجة.

قال طبيبان في مستشفى القيارة لـ هيومن رايتس ووتش إنهما نظفا جروح الرجلين، وإنهما اعتقدا أن الهجوم بغاز الكلور بسبب رائحته القوية، وأرسلاهما إلى مستشفى في أربيل لمزيد من العلاج. قال المقاتل المصاب في يده: “كان ألم الحروق سيئا للغاية لدرجة أنني كنت أتنفس بصعوبة. لم أستطع النوم أكثر من ساعة، إذ كنت استيقظ بسبب الألم”.

قال المقاتلان إن الأطباء في مستشفى أربيل نظفوا جروحهما وأمروا بخروجهما. قال الرجلان إنه في اليوم التالي، ظهرت بثور كبيرة في المناطق المحروقة، فعادا إلى مستشفى أربيل، وعندها غير الأطباء تشخيصهم إلى مادة منفطة للبثور.

هجوم مصفاة النفط في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2016
قال أحد العاملين في مصفاة نفط القيارة لـ هيومن رايتس ووتش إن مقذوفة انفجرت على تخومها ظهيرة 10 أكتوبر/تشرين الأول. أضاف أنه هرع خارجا من المصنع بعد الهجوم وأخذ دراجته النارية، التي كانت على بعد أمتار قليلة من المقذوفة، وذهب إلى بيته. قال إن لم يتمكن من المشي لـ 3 أيام بسبب الحروق المؤلمة في باطن فخذيه. اتصل طبيب بمنطقته بمستشفى أربيل الذي عالج جرحى هجوم المقهى واتبّع تعليمات أطباء المستشفى بناء على تشخيص هجوم الكلور.

غيّر طبيبه المذكور تشخيصه إلى مادة منفطة للبثور بناء على الأعراض التي ظهرت لاحقا. استطاع باحثو هيومن رايتس شمّ رائحة قوية تنبعث من السلة المُثبتة بالدراجة في 31 أكتوبر/تشرين الأول عندما زاروا موقع الهجوم. استطاعوا تمييز أن رائحة السلة – رغم ضعفها – مثل الرائحة في الحديقة التي أصابتها المقذوفة الأولى.

قال والدا عامل المصفاة وشقيقته إنهم غسلوا الملابس التي كان يرتديها على الدراجة مرتين ولكن الرائحة بقيت فاضطروا لحرقها. قال عامل المصفاة إنه الوحيد الذي أصابته المقذوفة الثالثة، على حد علمه. قال إن جنودا عراقيين كانوا داخل المصفاة، يستخدمونها كقاعدة عسكرية مؤقتة.

رابط مختصر