محمد شكري جميل مخرج عراقي تحتجز إيران فيلمه لأن بطله أحد ضحاياها

المخرج محمد شكري جميل سعى إلى العالمية منذ أوصت الروائية الإنكليزية أجاثا كريستي بالعناية به ومنحه فرصته بعد أن لمست فيه حساً سينمائياً وموهبة

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 5 نوفمبر 2016 - 9:34 صباحًا
محمد شكري جميل مخرج عراقي تحتجز إيران فيلمه لأن بطله أحد ضحاياها

عمان- يتجاوز الفنان العراقي محمد شكري جميل، بعد أسابيع قليلة، عتبة الثمانين من العمر. وعلى الرغم من أنه عرف بقلة الأعمال التي قدمها خلال حياته إلا أنه نجح في تأسيس حضور واضح في مجالي الفيلم السينمائي والدراما التلفزيونية. إذ استقطبت أعماله اهتمام الجمهور والمشاهدين والنقاد، على حدّ سواء، بعد أن وجدوا في صاحبها فناناً متمكناً من فنه، متميزاً بلمساته الإخراجية.

أحدث الأفلام التي أخرجها جرى تمويله من مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية وهو فيلم “المسرات والأوجاع”، الذي يبدو أنه لم ير النور لأسباب سياسية وأخرى تتعلق بالفساد المالي الذي ساد العراق بعد الاحتلال الأميركي سنة 2003، إذ ظل حبيساً لدى شركة إيرانية للطبع والتحميض ترفض إطلاق سراحه قبل دفع مستحقاتها المالية، على الرغم من أن هذا الفيلم رصدت له ميزانية هي الأكبر في المشروع.

لكنّ كثيرين يضيفون أسباباً تتعلق بفكرة الفيلم وبطله، الذي هو ابن لأحد ضحايا حرب الخليج الأولى ضد إيران، فالفيلم مأخوذ من رواية للروائي العراقي فؤاد التكرلي بالاسم ذاته، ويعود بالمشاهد إلى العهد الملكي وينتقل به عبر مراحل تاريخ العراق الحديث وصولاً إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية الاولى في مطلع ثمانيات القرن الماضي. والقائلون بهذا يتهمون إيران بعرقلة إنتاج هذا الفيلم الذي شهد سلسلة انتكاسات، أشهرها سرقة الكاميرا السينمائية الوحيدة في العراق، ومحاولة تهريبها عبر كردستان إلى إيران قبل إلقاء القبض على السارق.

تعثر السينما في العراق

جميل الذي التقته “العرب” بمقرّ إقامته في العاصمة الأردنية عمّان، سعى إلى العالمية منذ أوصت الروائية الإنكليزية الشهيرة أجاثا كريستي بالعناية به ومنحه فرصته بعد أن لمست فيه حساً سينمائياً وموهبة، وذلك خلال حضورها، أواسط خمسينات القرن الماضي، افتتاح المتحف العراقي في بغداد برفقة زوجها عالم الآثار مالوان، وكان عمره 17 عاماً، حين وجدته جالساً قرب المخرج والمونتير جون شيرمان الذي قال له “إن الفيلم مثل عجينة من الطين التي يستخدمها النحّات لصنع نموذج تمثال”، وعمل في الأفلام السينمائية العالمية “اصطياد الفأر” لبول روثا، وفيلم “عين الثعلب في الصحراء”.

لكن هذا الفنان لم يقفز بفنه إلى المستوى العالمي، إلا في العام 1982 عندما أخرج فيلم “المسألة الكبرى” الذي شارك فيه ممثلون عراقيون إلى جانب الفنانين العالميين المشهورين مثل الممثل العالمي أوليفر ريد، وكان من أضخم الأعمال السينمائية العراقية، تناول فيه نضال الشعب العراقي إبان ثورة العشرين، وفاز بجائزة مهرجان لندن وعدّ من أفضل الأفلام السينمائية، على الرغم من أنه قوبل بانتقاد واسع داخل العراق لاتهامه بتغيير حقائق تاريخية عن تلك الثورة.
لا ينكر جميل أنه من المقلّين في مجال الإنتاج والإخراج عازياً ذلك إلى عدم قبوله كل ما يعرض عليه من أعمال، ويقول “لا بد لي مع كل عمل يعرض عليّ من دراسة أجريها له. بدءاً من الفكرة التي يقوم عليها المشروع، وانتهاءً بالسيناريو، وبعد ذلك يكون قراري قبولاً، أو رفضاً”. يرى أن أسباب تعثر الإنتاج السينمائي في العراق تعود إلى أنه لم يتخذ شكلاً نظامياً، بل اعتمد على رغبات بعضهم ومبادراته بسبب غياب المصدر المموّل، كما أن الدولة لم تتدخل لتنافس تجارة السينما المصرية، فلم تظهر في العراق طبقة رأسمالية منتجة ولا مموّل ثابت، مشيراً إلى رغبة الحكام الذين توالوا على الحكم، في استخدام السينما لدعم أنظمة حكمهم، كما فعل نظام صدام حسين حين أجزل العطاء في الفترة التي سبقت سقوطه لإنتاج أعمال فنية تروّج للنظام إعلامياً ودعائياً، مما جعل السينما العراقية محدودة ومتقلصة من ناحيتي التوزيع والانتشار.

أفلام غريبة

يضيف جميل عائقاً آخر أمام الإنتاج السينمائي العراقي وهو العدد القليل لدور العرض السينمائي وعدم الاهتمام بما هو موجود منها، إذ لم تأخذ الحكومات السابقة على عاتقها بناء دور عرض لضمان عرض الأفلام العراقية وتالياً استقطاب الأسرة العراقية لمشاهدتها، واتجهت الحكومة، آنذاك، إلى بناء وتشييد النصب والتماثيل من دون الأخذ في الاعتبار الجانب الفني والثقافي، كما يقول.

ويرجع عزوف القطاع الخاص عن إنتاج أفلام سينمائية، كما هو متعارف عليه في دول أخرى، إلى الضريبة الباهظة التي تجاوزت 33 بالمئة عن كل عمل أو إنتاج سينمائي، جعلت كل منتج سينمائي يفكر أكثر من مرة قبل أن يقدم على الإنتاج، أو يهرب من هذا المجال الإنتاجي، الذي لا يحقق له ربحاً، ويستشهد بالبعض من الذين تستهويهم فكرة الإنتاج السينمائي من العراقيين، فغامروا بإنتاج أفلام ولم يحصدوا من ذلك إلا الخسران.
الطريق إلى النهوض بواقع السينما العراقية، في رأي جميل، هو أن تخلق السينما مصدراً ثابتاً مموّلاً للإنتاج السينمائي فضلاً عن تشجيع أصحاب رؤوس الأموال على إنتاج أفلام وتشييد دور عرض سينمائية، فمن دون انتشار دور عرض سينمائية، لا يمكن للسينما العراقية النهوض، وهو يبدي عجبه من الأموال الطائلة التي تنفق لإنشاء أو افتتاح فضائيات جلّ همها تحقيق الرغبات السياسية للمشرفين عليها ولا ينفق شيء من هذا على السينما، لأن السينما تحقق وببساطة رغبات فنية ثقافية.

يقول “لا يمكن للسينما أن تنهض بين ليلة وضحاها، لأن الأمر يتوقف على تشييد دور عرض جديدة، وإيجاد ممول ثابت، وقبل هذا كله استتباب الأمن، لأن الشعور بالأمن يلعب دوراً في الإنتاج السينمائي وفي انتشار إبداعاته”، وأضاف متسائلاً “كيف يمكن للعائلة أن تحضر عرضاً سينمائياً وسط الانفلات الأمني؟ وتالياً فإن هذا يقلل من إقبال المنتجين على إنتاج أفلام سينمائية تتطلب الكثير”.

في أفلامه الروائية يميل جميل إلى “استنطاق الواقع في بعديه السياسي والاجتماعي”، وهو ما نجده في فيلم “الظامئون”، الذي يتحدث عن قرية عراقية تعاني من الجفاف وتدهور الحياة الإنسانية فيها بسبب انقطاع الماء عنها. وكذلك فيلم “المسألة الكبرى”، وفيلم “الأسوار”، وهذان الفيلمان أنجزهما برؤية إخراجية متقدمة بالنسبة إلى السينما العراقية في سبعينات القرن الماضي، أما في حقل الدراما التلفزيونية فإن من بين أعماله المهمة “حكاية المدن الثلاث”، كما أخرج مسلسلاً درامياً هو “السرداب” الذي أخذه عن رواية الشاعر الراحل يوسف الصائغ وتولى الأدوار الرئيسة فيه عدد من أبرز الفنانين العراقيين في مقدمتهم يوسف العاني وسامي عبدالحميد.

تعلق جميل بالسينما منذ طفولته المبكرة واتجه إلى إنكلترا ليدرس السينما ويحصل على الدبلوم ليعود مونتيراً ثم مخرجا، يقول “في طفولتي أهداني والدي آلة عرض سينمائية تعمل بالكهرباء أنتجت بها فيلما غريباً لا يتجاوز الدقيقتين، بمعاونة صديق جمع لي قصاصات الأفلام المرمية والمتروكة في النفايات فألصقت بعضها ببعض، وكانت النتيجة خليطاً عجيباً من قصاصات لا يوحّدها رابط منطقي”.
بدأ دراسته في لندن من غرفة المونتاج في أستوديو “أمغول” الذي كان ينتج أفلام روبن هود، ثم إلى شركة “فيلم هاوس” ثم إلى القاهرة في شركة الإنتاج العربي التي كان يديرها صلاح أبو سيف، ثم انتقل إلى رئيس وحدة المونتاج في مصلحة السينما والمسرح والأفلام الوثائقية، قبل أن يشارك يوسف جرجيس حمد في إخراج فيلم “أبو هيلة” الذي كتب له السيناريو أيضا.. ثم التجربة غير الناجحة له في فيلم “شايف خير”، ثم ليخوض التجربة الثالثة “الظامئون” المأخوذ عن رواية الكاتب العراقي عبدالرزاق المطلبي، والذي جسّد قصة الظمأ والعطش والتخلف التي كانت تسيطر على العراق، وبحسب النقاد فإنه كان فيلما متماسكا قوياً بتفاصيله كلها، وتمتع بقيمة فنية وفكرية جعلت منه أثرا كبيرا حصل على جائزة اتحاد النقاد السينمائيين السوفييت في مهرجان موسكو، ثم خاض تجربته الرابعة في فيلم “الأسوار” الذي حصد به الجائزة الذهبية لمهرجان دمشق الدولي سنة 1980، والذي جسد المرحلة النضالية للشعب العراقي ووقوفه إلى جانب الشعب المصري في مواجهة العدوان الثلاثي بعد تأميم قناة السويس سنة 1956، واندلاع انتفاضة 1956 في العراق، وبعد الأسوار كانت أفلام “المسألة الكبرى”، و”الملك غازي”، و”عرس عراقي” و”اللعبة”.

لعبة الزمن

في العام 1982 أخرج جميل فيلم “المهمة مستمرة” وكان أول فيلم روائي عن الحرب مع إيران يمزج بين التسجيلي والروائي إذ تناول فيه حادثة حقيقية وقعت لطيار عراقي تصاب طائرته فوق أراضي العدو أثناء تنفيذه أحد واجباته مما يضطره للهبوط في الأرض الحرام ومن ثم يبدأ رحلته في البحث عن طريق الخلاص بالعودة إلى أرض الوطن. يقول الروائي العراقي علي خيون لـ”العرب”، “لا يختلف اثنان من الفنانين على أن محمد شكري جميل قامة عالمية كبيرة في السينما، لكنهم يختلفون على طريقته في الإخراج، منهم من يراه معلماً ويتمنى فرصة العمل معه، وهناك من يرى أنه متعب جداً، لأنه عصبي المزاج ودقيق في العمل”.

ويضيف “يؤلمني أن أجد السينما معطلة في العراق، ومحمد شكري جميل من دون عمل. لكنه يفرحني حين يخبرني عن قراءاته، إنه قارئ جيد، يقرأ بسرعة ودقة، إذ انتهى، على سبيل المثال، من قراءة روايتي ‘رماد الحب’ في ثلاثة أيام، وأعادها إليّ مليئة بتعليقات سينمائية”. لا تغيب أقوال محمد شكري جميل التي طالما كان يرددها، والتي أطلقها في مراحل من حياته والتي من بينها “قل كلمتك قبل أن تموت، فإنها ستعرف حتما طريقها”، و”لعبة الزمن أقوى منا”، و”ما أكتبه نورٌ يراه غيري ظلاماً”.

العرب – سلام الشماع

رابط مختصر