ترامب الصورة الخفية لأميركا: عنصرية وصراعات هوية

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 5 نوفمبر 2016 - 10:27 صباحًا
ترامب الصورة الخفية لأميركا: عنصرية وصراعات هوية

يستمد المرشح الجمهوري دونالد ترامب ملامح العنصرية التي تطغى على خطاباته من سياق عام يعيش على وقعه الغرب، بالتزامن مع تصاعد موجات الهجرة وتوسع رقعة التهديدات الإرهابية، وهي ولئن بدأت غريبة ومرفوضة من قبل الأغلبية، فإنها ليست بالأمر الجديد، خصوصا في صفوف مرشحي الحزب الجمهوري ذي النزعة القومية، والذي تأسس مطلع عام 1854 ليكون بديلا عن الحزب اليميني، لكن ووفق قراءات خبراء من بينهم المؤرخ الأميركي دانيال رودجرز، لن تشفع الموجة اليمينية التي يسير على نهجها العالم الغربي للحزب الجمهوري زلات ترامب، المدعوم بالغضب الشعبي من السياسات الراهنة، والذي قد يسطر نهاية الحزب الجمهوري الذي عرفناه.
واشنطن – يعتبر موسم الانتخابات الأميركية لاختيار الرئيس الأميركي الخامس والأربعين، أكثر المواسم المليئة بالأحداث الغريبة وغير المتوقعة، منذ أول انتخابات شهدتها الولايات المتحدة سنة 1789، لا فقط من حيث طبيعة المرشحين الديمقراطية المخضرمة هيلاري كلينتون، والملياردير ذي الأصول الألمانية دونالد ترامب مرشح الجمهوريين المثير للجدل.

لم يكن هناك مرشح للرئاسة الأميركية منذ سنة 1945 يرفض التحالفات الخارجية ويتبنى سياسة إقصائية أكثر من دونالد ترامب الذي يأتي صعوده مواكبا لموجة من القومية المتشدّدة التي اجتاحت العالم الغربي، وبدت واضحة جدا خلال الحملة البريطانية للخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي تصريحات زعماء اليمين المتطرف الأوروبيين.

ويحظى ترامب بتأييد من الحركات اليمينية والقومية المتشددة في أوروبا، وفيما دعمه البعض منهم بتصريحات إعلامية، وتأييد علني، دعمه آخرون بشكل غير مباشر، وأبرزهم نايجل فراج، الرئيس المؤقت لحزب الاستقلال في المملكة المتحدة، الذي قاد حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وعبر فراج عن دعمه لترامب خلال مشاركته له في إحدى حملاته الانتخابية في مدينة جاكسون الأميركية، في مفارقة أثارت انتباه المؤرخ الأميركي دانيال رودجرز، الذي اعتبر المفارقة مردها ظهور نايجل فراج ودعمه للمرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية دونالد ترامب في تجمع انتخابي في مدينة جاكسون، التي تعتبر معقل حركة كو كلوكس كلان، في الستينات، وهي حركة مدافعة عن الأميركيين من أصل أفريقي.

وكتب رودجرز في قراءة تحليلية له، نشرها المركز الملكي البريطاني للشؤون الخارجية، تشاتام هاوس، أنه كان لافتا الخطاب الذي اعتمده ترامب خلال حملته في هذه المدينة، والذي يشبه إلى حد ما الخطاب الذي اعتمده نايجل فراج خلال حملة البركسيت.
وقد بدا واضحا أن فراج وترامب استخدما بعض العبارات الواردة في خطاب باراك أوباما “نعم نستطيع”، رغم أنهما من أشد المعارضين له.

ويصف الباحث الأميركي هذه الظاهرة بـ”اقتراض الدعم السياسي” مشيرا إلى أنها ليست بالأمر الجديد في السياسة الأميركية، ففي النصف الأول من القرن العشرين، تم تبادل التأييد السياسي عبر الخطوط الوطنية المشتركة لا سيما في صفوف اليسار، حيث وجد التقدميون والاشتراكيون أنفسهم جزءا من حركة دولية لتبادل الأفكار ومشاعر التضامن.

وفي سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، بشّر المحافظون الليبراليون الجدد بمسيرة إلى الأمام للحصول على الأسواق التي تم تحريرها من تاتشر البريطانية وريغان الأميركي إلى بينوشيه التشيلي. ومنذ مطلع القرن الحالي، ظهر على الصعيد الدولي نوع جديد من المحافظين القوميين والمناهضين للأجانب والخائفين والمتضررين من تهديدات التنظيمات المتطرفة في العالم.

وساهم صعود المحافظين الجدد الاقتصادي في توجيه الاستياء إلى المسارات الرئيسية الثلاثة، وهي وفق دراسة دانيال رودجرز:

*بث حالة الغضب على البيروقراطية الدولية والشركات الدولية واعتبارها السبب في تدمير فرص العمل وإعادة هيكلة الثروة

*نقد اتفاقات التجارة الحرة والحدود المفتوحة

*كراهية الأجانب والحث على القومية والثقافة العنصرية وجعل اللاجئين والعمال المهاجرين أهدافا لذلك.

ولا تعتبر مثل هذه الظواهر المكرسة للاقصائية والعنصرية أمرا جديدا في التاريخ السياسي الأميركي، حيث تم اعتماد السياسات الاقتصادية الوقائية بشكل كبير في التاريخ الاقتصادي الأميركي على غرار ما تفعله قناعات التجارة الحرة.

وتأججت المشاعر المعادية للمهاجرين مثل تلك التي تظهر في المسيرات المساندة لدونالد ترامب أكثر وبشكل مكثف في السياسة المعادية للايرلنديين ومكافحة الكاثوليكية في عام 1850، والحركات المناهضة للآسيويين وسياسات الإقصاء التي كانت سائدة في أواخر القرن التاسع عشر، وتصاعدت الهستيريا المناهضة للأجانب إثر الحرب العالمية الأولى.

لكن لم يحدث قط أن تزامن هذا النوع من القومية الاقتصادية والثقافية في الولايات المتحدة مع ما يشهده العالم اليوم من مد دولي قوي للحركات القومية اليمينية، من داعمي الانفصال في المملكة المتحدة، إلى عودة نيكولا ساركوزي للساحة السياسية الفرنسية، إلى القوميين الألمان. ورغم أن تصريحات وسياسات دونالد ترامب تبدو مختلفة للعالم، إلا أنه لم يخترع حركة ثقافية وسياسية خاصة بل هو يمثل تيارا رجعيا لإعادة هيكلة العقود الماضية من الاقتصاد العالمي.

طوال القرن التاسع عشر، كانت السياسة الأميركية حزبية بامتياز، ومدفوعة إقليميا ودينيا وعرقيا بولاءات سياسية راسخة. وكان هذا عمل المصلحين التقدميين في أوائل القرن العشرين حيث انطلقوا من إبعاد الحكم عن الزعماء السياسيين من خلال الانتخابات التمهيدية المفتوحة والاستفتاءات التشريعية التي يأملون من خلالها أن تفرز قوى المجتمع الأقرب إليهم من أجل التأثير على ديناميات السياسة.

ورغم التاريخ العنصري للسياسة الأميركية، فإن ترشيح دونالد ترامب يعتبر أشبه بالكابوس، بالنسبة إلى أولئك الذين جعلت إصلاحاتهم من ترشيح أمثال ترامب أمرا ممكنا، فهو مرشح جدي للرئاسة لكن دون أي خبرة على الإطلاق في الشؤون العامة أو الوظيفة العامة.

فترامب رجل الأعمال البارع المعروف بعقده للصفقات الناجحة، لم يبد أي ميول سياسية في السابق، كما لم ترد في سيرته الذاتية أي إشارة إلى عمله في مجالس إدارة المدارس ولا في لجان تقسيم المناطق. وشهرته صنعتها بالأساس ثقافة صناعة المشاهير، التي ترتكز على الفضائح والأخبار المثيرة، والتي تلاقي رواجا في الولايات المتحدة وامتدت اليوم إلى الحكومة وترسخت في الوعي الشعبي.

واستفاد ترامب من السياسات الغاضبة والناخبين الشاعرين بالمرارة من السياسات الراهنة والقلق على مستقبل الولايات المتحدة، مع ارتفاع البطالة وتفاقم الأزمات الاجتماعية وتجدد صعود النزعات العنصرية، وهي مشكلات وإن لم يقدم ترامب حلولا لها، بل ساعدت تصريحاته على تفاقمها، إلا أنها لم تمنع الناخبين من التوجه نحو دعم ترامب في خطاباته التي لا يحركها سوى مصطلح الـ”أنا”، على حد تعبير دانيال رودجرز.

مقابل دعم الأميركيين القوميين المتشددين، سوف يفتح فوز ترامب بالرئاسة الأميركية، إذا تم، بوابات الغضب في صفوف النساء والأفارقة الأميركيين والأميركيين اللاتينيين والأقليات الدينية التي حققت انتصارات في نضالها من أجل الحقوق المدنية خلال الستينات والسبعينات.

رابط مختصر