مسلمو أوروبا: محاولات اندماج قاصرة وطاقات مهمشة

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 31 أكتوبر 2016 - 10:04 صباحًا
مسلمو أوروبا: محاولات اندماج قاصرة وطاقات مهمشة

تواجه عملية اندماج المهاجرين في المجتمعات الغربية مجموعة من المشكلات من بينها حاجز اللغة واختلاف أنظمة التعليم والتوظيف واختلاف الأنظمة السياسية واختلاف المفاهيم الثقافية والشعور بالتمزق بين هويتين، الأمر الذي يجعل منهم، في ظل تقصير سياسي وحكومي ومجتمعي، في دعم اندماج هؤلاء الغرباء المغتربين، فريسة سهلة للتنظيمات الجهادية لاستقطابهم والاستثمار في شعورهم بالضياع وتحويله إلى قنبلة تنفجر داخل هذه المجتمعات الغربية بما يخدم مصالح تنظيمات على شاكلة تنظيم الدولة الإسلامية.
باريس- وجدت التنظيمات الجهادية في الجاليات المسلمة مقومات جيدة يمكنها استغلالها، خصوصا، على مستوى تطوير إستراتيجية الذئاب المنفردة؛ فهذه النفوس تبدو ضائعة في بلد تحمل جنسيته لكنها غير قادرة على استيعاب كامل هويته، وتتوارث جينات القلق من هذه المجتمعات التي تبدو في ظاهرها تشع ديمقراطية وهي تعزف على وتر احترام الآخر، لكنها في باطنها تعجز عن استيعاب هذا الآخر وتزيد من إحساسه بالاغتراب والغربة.

وساعدت هذه الخلفية كثيرا تنظيمات مثل تنظيم الدولة الإسلامية على ضرب الغرب من الداخل عبر تجييش المتشددين من بين الجاليات المسلمة واختراق عمق المجتمعات الغربية، التي بدأت تستشعر جدية هذا الخطر على وقع توسع رقعة هجمات داعش، وتعدد ضرباته، التي تبدو في كل مرة أقوى من سابقاتها. وبات واضحا للحكومات والمتابعين أن الاكتفاء بالمشاركة في التحالفات الدولية لمحاربة الإرهاب في الخارج لم يعد يفي بالوقاية، فداعش، وعلى عكس تنظيم القاعدة، الذي اتبع في صراعه مع الغرب سياسة استدراج الدول إلى المستنقع العسكري في العالم الإسلامي، اتجه إلى ضرب الغرب في الداخل وعلى أيدي أبنائه.

وأرقام الإحصائيات التي تكشف عن العدد الكبير لأبناء هذه المجتمعات الذي انضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، دليل أكبر على أن هناك خـللا في الداخل، وأن إستراتيجية المواجهة مع الإرهاب لم تعد على مستوى الجبهات الخارجية فقط، بل تحتاج إعادة النظر في السياسات المتعلقة بإدماج الجاليات المسلمة وإفساح المجال أمامها للانخراط في مختلف النواحي في المجتمعات وتشجيعها على لعب دور سياسي وبرلماني، ضمن سياسة دائمة، لا فقط كإجراء حتمته الظروف الراهنة سرعان ما يختفي باختفاء مسبباته.

حالة استثناء دائمة

تقوم استراتيجية داعش في أوروبا، وفق دراسة أعدها ماوريتسيو جيري، على تسهيل قيام “حالة استثناء” دائمة، مما يضع حياة المواطن تحت مراقبة مستمرة لتجنب خطر الهجمات. وشكلت فرنسا المكان المثالي للانطلاق في تنفيذ هذه الإستراتيجية بسبب تواجد عدد كبير من المهاجرين المسلمين بها، بالإضافة إلى تاريخها الاستعماري، الذي أعطى الخلايا الإرهابية شرعية انتقامية. تضاف إلى ذلك الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وظهور الحركة الشعوبية والأحزاب اليمينية. وكذلك بسبب ما تمثله فرنسا كبديل لرؤية الإسلام السياسي الصارم.

ويقول جيري إن “فرنسا تمتلك قيما جمهورية علمانية أساسية تقوم على الفصل بين الدين والدولة، ونتيجة لذلك تعرض بعض المسلمين لتمييز بسبب الدين، خصوصا في المعاملات اليومية، بدءا من قضية اللحوم الحلال في المدارس الحكومية وصولا إلى قضية لباس البوركيني”. وشهدت أوروبا، وفرنسا وألمانيا خاصة، هجمات إرهابية، تبنى تنظيم الدولة الإسلامية أغلبها.

ويعتقد جيري أن “إستراتيجية التنظيم تقوم على تحقيق هدفين محددين؛ أولهما تأجيج صراع الحضارات من جهة، وخلق أزمة في الديمقراطية الغربية التي تقوم على مبدأ التعايش في إطار التنوع والحرية الفردية والمساواة في المواطنية من جهة أخرى، فمن دون صراع اجتماعي كبير في أوروبا، لا يمكن للتنظيم، على المدى الطويل، أن يأمل في البقاء العسكري في الشرق الأوسط وهو ما يفسر قيامه بعمليات إرهابية متطورة في أوروبا بالتزامن مع اعتماده خطط التحفيز الشعبية وتوسعه العسكري في سوريا والعراق”.

ويكمن مبتغى داعش الثاني، حسب دراسة جيري، “في إدخال الخوف من الهجمات المستمرة إلى الحياة اليومية، إذ أراد الإرهابيون الجهاديون أن يشنوا الهجمات على الغرب، من مطاعمه إلى شواطئه، بغية مهاجمة الديمقراطية الليبرالية الغربية، بسيادة قانونها والديمقراطية الشاملة والحريات الليبرالية فيها. ولكن لا يزال من الصعب جدا أن تغيّر بعض الهجمات الإرهابية القانون الأوروبي والتعايش المدني”. ومع ذلك، “حتى ولو لم يكن الصيف عنيفا كما كان متوقعا، بات لزاما على أوروبا أن تراجع تحسين عملية الاندماج الاجتماعي فيها، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي.

ويضيف الكاتب والمحلل السياسي المقيم في سويسرا غسان المفلح على رؤى ماوريتسيو جيري أبعادا أخرى على الدول الأوروبية أخذها بعين الاعتبار في سياسة تطوير استراتيجيات المواجهة ومراجعة مسألة اندماج الجاليات المسلمة في أوروبا، حيث يقول “ليست هذه الجاليات موحدة ولا يمكن أن تتوحد إلا في حال كانت هنالك دول ديمقراطية وحقوق إنسان في الدول التي أتت منها هذه الجاليات”.
خوف متوارث

يحدد بسام يوسف، الإعلامي المقيم في سويسرا، في تصريحه لـ”العرب”، ظاهرة التطرّف في أوساط الجاليات الإسلاميّة في أوروبا، وفق عاملين أساسيّين، الأوّل هو تحدّي الهويّة، أو بصيغة أخرى خوف هذه الجاليات من فقدان هويّتها الأصلية، وهو خوف يفترض أن يتراجع كلّما تقدّم الزمن بهؤلاء القادمين، وخصوصا الأجيال التي ولدت ونشأت في المجتمعات الأوروبية، لكنّ الغريب أنّ هذا الخوف يظل ينتقل بين الأجيال.

ويحيل هذا العامل على سؤال جوهري يرتبط أساسا بسياسة الحكومات الأوروبية في التعاطي مع ملف دمج المهاجرين. يتمثل العامل الثاني في التحدي الاقتصادي والتعليمي وتحدي اللغة، وهي كلّها أسباب تقلص من قدرة القادم على الانخراط في مجتمعات لها معاييرها الصارمة في قبول الآخر، فالعلاقة مع القانون ليست توقيع عقد، هي باختصار ثقافة طويلة تنتجها علاقة يوميّة مع هذا القانون.

ويصنف بسام يوسف الاندماج داخل المجتمعات الأوروبية إلى أربعة مستويات، المستوى القانونيّ؛ ويقصد به الحصول على الوثائق القانونيّة للمهاجر، والمستوى الاجتماعي؛ بمعنى تعلّم اللغة والحصول على عمل، والمستوى الثقافيّ؛ وهو المرتبط بتبنّي ثقافة المجتمع والتعامل معها بصفتها مكوّنا رئيسيا في سلوك الشخصيّة المهاجرة، والمستوى الرابع؛ هو اندماج الأهداف والقيم العليا، وربّما يمكن تسميته اندماج الهويّة أيضا. ووفق هذه المقاييس، لم يتجاوز الاندماج عند النسبة الساحقة من المهاجرين، حدود المستوى الثاني، رغم مضي زمن طويل على وجودهم، وهذا دليل على فشل الخطط المعتمدة.

وتناول بسّام يوسف قضية الإرهاب من زاوية أخرى، حين أشار إلى أنه “يجب أن نعترف بداية بأنّ التطرّف هو ظاهرة موغلة في التاريخ البشريّ، تتقدّم في مراحل منه أو تتراجع، وتتقدّم في مجتمعات بينما تتراجع في مجتمعات أخرى، وفي كلّ الحالات فإنّ إرجاع ظاهرة التطرّف إلى أسبابها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة هو أكثر نجاعة بكثير من ربطها بأديان أو مكوّنات طائفيّة أوعرقيّة”. وهنا يؤكد يوسف أنّ تصوير السياسات الأوروبية أو الأميركية على أنّها سياسات مستهدفة من التطرّف، وأنّها فقط تواجهه، ليس صحيحا تماما، لا بل من الضروريّ جدّا البحث عن شراكتها في إنشائه واستدامته أيضا، مؤكدا أن “تجاهل التطرّف أو الظلم في مجتمعات ما، لن يحمي المجتمعات الأخرى من تداعياته”.
مسؤولية الجاليات
يؤكد ماوريتسيو جيري أنه يجب على أوروبا الحفاظ على يقظتها في الحفاظ على انفتاحها ومرونة ديمقراطيتها وتقبلها الجاليات. وإلى جانب الاندماج الاجتماعي، على أوروبا المحافظة على مرونتها الديمقراطية”. ويرى جيري أن المرونة الديمقراطية لا بد أن تقترن بعقد اجتماعي جديد بين المؤسسات والمواطنين في ما يتعلق بالقضايا الأمنية، إذ يجب على المواطنين المشاركة في حماية سلامتهم وأمنهم من خلال النقاش، وليس الأسلحة، بغية بناء الثقة ببعضنا البعض في أوقات الخوف، يجب علينا إعادة بناء “رأس المال الاجتماعي” ذاك، الذي فُقد خلال موجة التحضر المفرط والثورة التكنولوجية التي شهدها العالم مؤخرا”.

لكن الاندماج الحقيقي سواء في ما يخص المهاجرين أو المجموعات الأصلية قلما يتحقق بواسطة إجراءات حكومية، فهو يتشكل أساسا عن طريق المجتمع المدني وعن طريق الروابط الفردية التي يشكلها الناس مع بعضهم البعض، وعن طريق المنظمات التي يؤسسونها لخدمة مصالحهم السياسية والاجتماعية المشتركة، ناهيك أن تآكل مثل هذه الروابط والمؤسسات هو ما مثل إشكالية كبرى.

ولإصلاح الضرر الذي تسبب فيه فك الارتباط بالمجتمع ولإحياء الشمولية التقدمية لا تحتاج أوروبا إلى سياسات حكومية جديدة بقدر ما تحتاج إلى دور المجتمع المدني، واستيعاب الجاليات المعنية أساسا بضرورة المشاركة في هذه السياسة وتجاوز عتبة التذبذب والتشظي. ويعتبر ملهم الحسني، الناشط السياسي المقيم في الولايات المتحدة، أن “واقع الجاليات المسلمة اليوم، متخبط وغير مستقر، ما منح فرصة للبروباغندا الإعلامية في الدول الغربية، خصوصا اليمينية، لنشر أخبار مبالغ فيها عن التطرف الإسلامي وعمليات تنظيم الدولة الإسلامية”.

في المقابل على المواطنين المسلمين المشاركة في الحياة السياسية، وأن يثبتوا إمكانية خلق إسلام أوروبي، فكما قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، “يستطيع الإسلام أن يستوعب العلمانية، ولا شيء في العلمانية يتعارض مع ممارسة الإسلام في فرنسا، وهذه هي النقطة الأساسية التي تتوافق مع القانون. لا بد من إنجاح عملية بناء إسلام خاص بفرنسا”.

وكما صرح روبرت بوتنام في مقولته الشهيرة “يتطلب إنجاح الديمقراطية مستوى عاليا من رأس مال اجتماعي، قائم على أساس المشاركة المدنية والمشاركة السياسية، من خلال مواطنين فاعلين يهتمون بالصالح العام. ومن ثم، يصبح هؤلاء المواطنون قادرين على التحكم بشكل أفضل في إداراتهم، وبيئتهم، كما سيكونون قادرين على حماية أنفسهم بشكل أفضل”.

رابط مختصر