الموصل: صراع ما بعد «داعش»

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 18 أكتوبر 2016 - 3:48 مساءً
الموصل: صراع ما بعد «داعش»

تتقدّم القوات العراقية المشتركة على أكثر من محور في محافظة نينوى عقب إعلان بغداد بدء «عمليات تحرير الموصل»، في وقت تشير فيه مصادر ميدانية إلى تخوفها من إمكانية انسحاب أعداد كبيرة من عناصر «داعش» باتجاه الحدود. لكن أياً يكن واقع التطورات الميدانية، فإنّ إطلاق المعارك بدأ يكشف «حسابات الأقلمة» وطموحات «العودة التركية»… فضلا عن مشاريع أميركية وأخرى فرنسية معدّة لمرحلة «ما بعد التحرير»

يكاد المشهد الآتي من ميادين معارك محافظة نينوى، ومركزها الموصل، أن يعكس وحدة قرار الأطراف العراقية المشاركة في العمليات، في وقت تتشارك فيه الطائرات العراقية الجو إلى جانب مقاتلات “التحالف الدولي”، وبصورة خاصة المقاتلات الأميركية والفرنسية.

وبينما تتضح يوماً تلو الآخر أجندات كل من واشنطن وباريس لمرحلة “ما بعد التحرير”، فإنّ ضجيجاً إقليمياً، ذا لهجة طائفية، يصدر عن أنقرة وحلفائها الخليجيين، يوحده “التحذير من دخول الميليشيات الطائفية” إلى مركز الموصل، في إشارة إلى “الحشد الشعبي”.
وترفع تركيا من سقف خطابها، بغية حجز دور مباشر لها في عمليات المحافظة والعاصمة التي دعا الرئيس التركي، المهتمين “بتحريرها”، أمس، إلى قراءة التاريخ، وإلى معرفة علاقة بلاده بالمنطقة وسكانها من التركمان والعرب والأكراد. وفيما أكد أردوغان أن بلاده “لا تتلقى أوامر من أحد ولن تخرج من معكسر بعشيقة… (وأن أنقرة ستكون) داخل العملية، وعلى الطاولة”، جدد وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، معارضته لأي “مشاركة من المليشيات الشيعية”، محذراً من أنه “إذا دخلت الموصل، وهي مدينة أكبر بكثير من الفلوجة، فإني أتوقع رد فعل معاديا جداً”. ومن المعروف أنّ لتركيا والسعودية نفوذاً مهماً في محافظات العراق الغربية، وأنّهما بنتا خلال السنوات الماضية تحالفات جدية، ترتكز على تبني شخصيات محلية يتقدمها كل من أثيل النجيفي ورافع العيساوي. ويسعى هذان الأخيران إلى تكريس مشاريعهما في نينوى والأنبار، وتسعى إلى تحويل المحافظتين إلى إقليمين، على غرار إقليم كردستان الذي شهدت حدوده توسعاً كبيراً منذ تمدد “داعش” في العراق. وللإشارة، فإنّ رئيس الإقليم، مسعود البرزاني، كان قد دعا مراراً في الأشهر الأخيرة إلى “إعادة رسم حدود سايكس بيكو”، فيما يجري حديث جدي راهناً عن أنّ فرنسا تؤيّد تنظيم استفتاء بهذا الشأن داخل الإقليم عقب “تحرير الموصل”.

ومن ضمن مشهد المعارك القائمة، تخشى بغداد أن تكرّس العمليات القتالية القائمة اليوم في محافظة نينوى خريطة نفوذ “أمر واقع”، وخاصة أنّ واشنطن (الطرف الأقوى) تعمل على هندسة خريطة الشمالين السوري والعراقي وفقاً لأولوياتها، فتشترط مثلاً انتشار قوات معينة داخل الموصل “بعد تحريرها”. وقد صرّح وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، أمس، أن بلاده وبقية دول “التحالف الدولي” تقف مستعدة لدعم العراق في”المعركة الصعبة المقبلة”. ومن المعروف أنّ واشنطن، التي واصلت في الأشهر الماضية زيادة عدد عسكرييها في العراق تحت شعار “الدور الاستشاري”، تريد أن تتسلم القوى المحلية (حشد النجيفي وحلفاؤه من العشائر) المدينة بعد “تحريرها”، وهي كانت قد طرحت عبر وزير خارجيتها، جون كيري، في بداية “تمدد داعش” مشروع “الحرس الوطني” للمحافظات، التي كانت ترجمته العملية إبعاد المحافظات عن سلطة الحكومة المركزية.
ويزيد من تعقيد ذلك المشهد الفسيفسائي في الشمال العراقي (الذي للإشارة ساهم “تمدد داعش” سابقاً في رسم أطر عدة له)، أنّ بغداد عاجزة بصورة أو بأخرى عن ضبط “شهية إقليم كردستان التوسعية” من جهة، وقد تعاني للجم طموحات رجل تركيا في العراق، أثيل النجيفي، ورافع العيساوي، لتكريس الأقلمة في نينوى والأنبار. (يُضاف إلى التعقيدات أنّ “العرب السنة”، الذين يريد محور النجيفي ــ العيساوي مصادرة قرارهم، لا يقبلون توسّع دور قوات “البشمركة” (الكردية) في نينوى والموصل).
ضمن هذا المشهد، يطغى الحذر على حكومة بغداد التي لا ترغب بأي شكل أن تخلص المعارك القائمة حالياً إلى أمر واقع يفرض خريطة نفوذ جديدة من شأنها إخراجها من كل الشمال العراقي، وبالتالي بدء مسارات الأقلمة، ومن خلفها التقسيم.
وفي ظل ارتفاع الأصوات المنددة بمشاركة “الحشد الشعبي”، فقد أصدرت قواه أمس، بياناً أكد أنّ “مهمته تتمثل بقطع الامداد عن داعش، والتطويق من ثم تحرير المناطق الجنوبية والغربية للموصل، وبمقدمتها تلعفر، واذا تعقدت العمليات، فسيتولى الحشد الشعبي مهمات إضافية، منها تطويق مدينة الموصل بجهاتها الأربع، كما حصل في الفلوجة”. وأضاف البيان أنّ “الاتفاق بين القائد العام للقوات المسلحة وقادة الحشد الشعبي ينص على منع قواتِ البشمركة من الدخول الى مركز الموصل، واذا دخلت، يتصدى لها الحشد حفاظاً على عروبة المدينة الكبيرة وعراقيتها”، متابعاً أنّه “بحسب الاتفاق، فإن الوظيفة الاساسية لوجود الحشدِ الشعبي في الموصل، هي التصدي لمخاِطر محتملة قد تتعرض لها الموصل بعد الخلاص من داعش، وفي مقدمتها المطامع التركية”.
من جانب آخر، دعا زعيم “التيار الصدري”، مقتدى الصدر، في بيان صحافي، العراقيين الى الخروج بتظاهرة حاشدة اليوم أمام السفارة التركية في بغداد “احتجاجا على التوغل التركي في الاراضي العراقية”، مشيراً الى ان التظاهرة ستكون “دعما للجيش العراقي في معركة تحرير الموصل من الارهابيين ومن الترسانة التركية التي تجثم على ارض المحافظة من دون احترام لاراضيها وسيادتها”.

رابط مختصر