رجال “القاعدة” في إيران.. تحالف مشبوه أم مصالح مشتركة؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 16 أكتوبر 2016 - 2:43 مساءً
رجال “القاعدة” في إيران.. تحالف مشبوه أم مصالح مشتركة؟

لم تعد العلاقة بين تنظيم القاعدة وإيران سرا من الأسرار المكتومة، بل باتت وقائعها معروفة، وشواهدها معلومة، وهي قائمة على مصالح مشتركة بين الطرفين، في مواجهة عدو مشترك، ألا وهو الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع أن التحالف بين الطرفين واضح في مقدماته ونتائجه، ولا يمكن بحال اعتباره من خفايا الأمور التي تحتاج إلى تتبع ورصد لإثبات وجوده، إلا أن كتاب “رجال القاعدة في إيران.. الملاذ الآمن والتحالف المشبوه” لمعدّيه هاني نسيرة ومحمد الشافعي، والصادر حديثا عن صحيفة “الشرق الأوسط” يذهب إلى توصيف تلك العلاقة بـ”التحالف المشبوه”.

ويذهب معدو الكتاب في وصفهم للعلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة إلى أنها عميقة وقديمة، ولم تبدأ تحديدا بعد هروب عناصر القاعدة من أفغانستان سنة 2001، ولكنها أقدم وأعمق من ذلك بكثير، وللتدليل على عمق تلك العلاقة وقدمها، ذكروا أنه “في عام واحد مع نجاح ثورة الخميني عام 1979، وقع التوحّد الأول لتنظيم “الجهاد المصري” واحتجاجات عناصره ضد استضافة الرئيس السابق الراحل أنور السادات للشاه محمد رضا بهلوي في العام نفسه”.

يتابع المؤلفان سوق أدلتهما لإثبات قدم تلك العلاقة وعمقها بقولهما: “ثم اغتيال السادات وتخليد نظام الخميني اسم قاتله خالد الإسلامبولي، وفي العام نفسه، أيضا تأسس تنظيم “الجهاد الإسلامي” الفلسطيني، بقيادة الراحل فتحي الشقاقي، الذي ألف أول كتاب احتفائي بثورة الخميني باعتبارها الحل والبديل والنموذج الملهم لسائر الحركات الإسلامية والمتشددة في المنطقة”.

ولا يخفى على الباحث المدقق مدى قصور ما قاله معدو الكتاب عن إثبات الدعوى، فتنظيم الجهاد الذي وقع التوحد له، لا يمثل القاعدة بحال، لأن القاعدة متأخرة في ظهورها عنه بعقد من الزمن أو يزيد، ثم ما علاقة تنظيم “الجهاد الإسلامي” الفلسطيني، بقيادة الشقاقي بتنظيم القاعدة حتى يستشهد به على عمق العلاقة وقدمها بين إيران وتنظيم القاعدة؟.

وثائق إثبات العلاقة بين الطرفين

استند المؤلفون إلى جملة من الوثائق المختلفة، لإثبات العلاقة بين إيران والقاعدة، كان من أبرزها: وثائق أبوت آباد، ووثائق 11 سبتمبر المتعددة، ووثائق أخرى بحسب تقارير وزارة الخارجية الأمريكية على مدار العقد الأخير.

عَرف معدو الكتاب وثائق أبوت آباد بأنها “تلك الوثائق والمخطوطات التي عثر عليها في مقر إقامة مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بعد مقتله في أيار/ مايو 2011 في المنزل الذي كان يسكنه بمدينة أبوت أباد (شمال شرق باكستان)، وأهميتها تنبعث من كونها تكاد تكون اعترافات التنظيم، عبر مؤسسه وقيادته المركزية”.

وقد وجدت تلك الوثائق في شكل خطابات مكتوبة أو مصورة على الكمبيوتر، وبلغ حجمها 175 صفحة (بالعربية)، و197 صفحة (في ترجمتها الانكليزية)، بعضها لم يكن مكتملا، كما أن الكثير منها لا يحمل تاريخا، كما لا تحمل كل الرسائل الأسماء الحقيقية لمرسليها أو المرسلة إليه، أو كناهم، أو عناوينهم.

وجرى رفع السرية عن تلك الوثائق من قبل إدارة الاستخبارات الأمريكية على ثلاث دفعات حتى الآن، وكانت كما يأتي: “الدفعة الأولى: رُفعت عنها السرية في أيار/ مايو 2012، وكانت مجموعة قليلة (17 وثيقة فقط)، ضمت مراسلات بين أيلول/ سبتمبر 2006، ونيسان/ أبريل 2011، وتمت دراستها من قبل مجموعة من الخبراء والباحثين، لكنها لم تكن كافية لإخراج علاقة إيران بـ”القاعدة” من السرية إلى العلنية، وهكذا انتهى باحثوها إلى القول إنها علاقة لا تصل إلى حد التحالف.. ولكنهم لم ينكروا احتمالات توظيف إيران للتنظيم الإرهابي ضغطا على أمريكا”.

وبحسب وثائق أبوت آباد الأولى، فإن أول علاقة تتضح بين “القاعدة” وإيران بدأت عام 2009، في رسالة بتاريخ 11 حزيران/ يونيو 2009 مرسلة من “عطية” إلى “الشيخ الكريم” ـ ربما أسامة بن لادن أو شخص آخر، إذ لم يحدد الاسم كالعادة – يخبره بسعادة أن “الإيرانيين أطلقوا سراح مجموعة من الإخوة الشهر الماضي، وأنهم أخبروا الشخص الوسيط بين الطرفين احتمال أن يسلموا له أسرة بن لادن، الزوجات والأطفال، باستثناء الرجال، خلال أسبوع من تاريخ الخطاب”.

أما الدفعة الثانية من تلك الوثائق، فقد رفعت عنها السرية وفقا للكتاب يوم 20 أيار/ مايو 2015، وضمت 103 وثيقة، لامس بعضها بشكل واضح، هذه العلاقة وتصورات بن لادن للعلاقة بإيران وحربها وغير ذلك، وعن العلاقة مع إيران تطالعنا في هذه الدفعة، رسالة لابن لادن من “أبي عبد الرحمن أنس السبيعي”، وهو نفسه “أبو أنس الليبي” (توفي سنة 2015 قبل محاكمته في الولايات المتحدة) مؤرخة في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2010، حول مجموعات “القاعدة” في إيران.

وطبقا للرسالة فإن لجوء عناصر “القاعدة” إلى إيران كان على فوجين: أولهما كان بعد سقوط “إمارة” طالبان سنة 2001، والتوافد الثاني كان بأوامر من الملا عمر بعد عيد الأضحى بتاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر 2001.

وأضاف معدو الكتاب أن الإفراج عن الدفعة الثالثة من تلك الوثائق تم في الأول من آذار/ مارس 2016، وضمت 113 وثيقة ورسالة حملت الحجج الدامغة على حصانة إيران في فكر قائد ومؤسس تنظيم القاعدة الراحل، وكيف كان يتجنب دائما استهدافها من قبل التنظيم، بل لا يتحمس لحرب عليها من الولايات المتحدة كان يتردد الحديث عنها في العقد الماضي، ويرى بن أن ذلك مضر بالتنظيم، ويقر بأهمية العلاقات معها، كونها دولة محورية في المنطقة، وجزء من إرهاق المشروع الأميركي والغربي وإعاقته.

ويستنج معدو الكتاب أن “القضية المركزية في علاقة “القاعدة” بإيران، كانت “الحرص على تحاشي استهدافها أو استعدائها في ضوء إيوائها عناصر التنظيم الفارة من أفغانستان، ولأنها مثلت الملاذ الآمن لعدد كبير منهم، بمن فيهم أسرة بن لادن نفسه وأسرة شقيقه”.

ما هي دلالات وثائق (أبوت أباد)؟

ووفقا للكتاب، فإن تلك الوثائق أكدث العلاقة التصالحية والتحالفية بين تنظيم القاعدة والنظام الإيراني، وإصرار زعيم التنظيم ومؤسسه أسامة بن لادن على عدم المساس بإيران بشر، واستثنائها من دون العالم من عمليات “القاعدة”، فهي تمثل اعترافات واستراتيجيات قائد التنظيم نفسه، أو دائرته الضيقة وتصوراته، حيث ضمت أيضا عددا من المؤلفات التي كان يحرص على مطالعتها أو يطلب ذلك.

وينقل معدو الكتاب من إحدى رسائل أسامة بن لادن قوله عن الشيعة إنهم “ليسوا كافرين كفرا مخرجا من الملة شأن حكام الدول السنية الأخرى الذين يراهم قد ارتكبوا كفرا مخرجا من الملة، وإنهم لا يمتون للإسلام بصلة، وتجب البراءة منهم ومعاداتهم”، لكنه حين يصف حكام إيران، نجده يقول “قادتهم وزعماؤهم يتمسكون ببعض الهدي الظاهر لأهل الإسلام”.

العلاقة في وثائق 11 سبتمبر 2011

شملت تلك الوثائق، وثائق القضاء الأمريكي الجديدة، التي استندت إليها محكمة أمريكية فيدرالية في نيويورك، عند إصدارها في آذار/ مارس 2016 قرارا بتغريم إيران 10.5 مليار دولار لعلاقتها بهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، عن تورط “حزب الله” اللبناني في تقديم مساعدات وتوجيهات لعددم من منفذي تلك الاعتداءات، وانفردت بنشرها جريدة الشرق الأوسط خلال الشهر نفسه.

واستنادا إلى الكتاب فإن الوثائق التي استند إليها القاضي جورج دانيالز للبث في القضية التي رفعت عام 2011، أوضحت أن بعض من نفذوا الهجمات زاروا إيران خلال الفترة القصيرة التي سبقت الاعتداءات، وأن جوازات سفرهم لم تحمل ختم العبور إلى الأراضي الإيرانية.

وأشار الكتاب إلى أن “وثائق محكمة نيويورك، منذ صدور تقرير 11 أيلول/ سبتمبر أظهرت أن كلا من إيران و “حزب الله” لعبا “دورا فاعلا في عمليات القاعدة الإرهابية، فمنذ عام 1998 والتفجيرات المزدوجة للسفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام وصولا إلى هجوم 11 أيلول/ سبتمبر، كانت فيها بصمات المحور الإيراني على عمل تنظيم القاعدة واضحة.

ولفت معد الكتاب إلى أن الوثائق الجديدة بيّنت أن عماد مغنية (كبير قادة حزب الله العسكريين الذي اغتيل في العاصمة السورية دمشق عام 2008)، زار منفذي هجمات أيلول/ سبتمبر في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2000، مع استحضار كونه الخبير المعروف بتفجير السفارات والطائرات، ونسق سفرهم إلى إيران بجوازات سفر جديدة لتأمينهم قبل تنفيذ العمليات.

كذلك أثبتت أن الحكومة الإيرانية أصدرت أوامر إلى مراقبي حدودها بعدم وضع أختام مُبيَّنة على جوازات سفر المنفذين، لتسهيل عمليات تنقلهم، واستمرت إيران في تقديم دعم مادي إلى “القاعدة” (حسب الوثائق) بعد وقوع أحداث سبتمبر، ووفرت ملاذا آمنا لقيادات التنظيم.

ويمضي معدو الكتاب في الكشف عن الوثائق التي تثبت العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة، منها ما جاء في تقرير لجنة أحداث سبتمبر الصادر في تموز/ يوليو سنة 2004، الذي تضمن وفقا للكتاب أقدم إشارة للعلاقة بين “القاعدة” وإيران، والتي أتت في شهادة عضو “القاعدة” السابق السوداني جمال الفضل في بداية عام 2001، والذي رجع بالعلاقة إلى منتصف عام 1990 من القرن الماضي، حين كان قادة التنظيم وعناصره يقيمون السودان.

ولأهمية شهادة الفضل وخطورتها، أفرد أيمن الظواهري له ولها حديثا خاصا، متهما إياه بالكذب والسرقة، حيث كان يعمل محاسبا ماليا لأسامة بن لادن، واتهمه الأخير ـ حسب رواية الظواهري ـ بسرقة آلاف الدولارات، وأنه لجأ للاستخبارات الأمريكية حين طالبه بها ولم يستطع ردها.

وذكر معدو الكتاب أن أيمن الظواهري نفى هذه العلاقة في حوار معه بعد ذلك بعام، أجرته نشرة (الأنصار) في عددها الحادي والتسعين، عام 1994، إذ قال: “موقفنا الواضح من إيران، هو الموقف الذي ينبني على الحقائق العقائدية والعلمية” نافيا أي موقف تحالفي مع الحكومة الإيرانية، وطبقا للكتاب فإن الظواهري يتكئ في حواره هذا على مبدأ تبادل المصلحة وليس الموقف العقدي والمذهبي.

وعدد الكتاب في فصله الثاني أسماء قادة القاعدة ورموزها الذي أقاموا في إيران، وقد “تمتع كثيرون منهم بحرية الحركة في إدارة عمليات التنظيم وتكيفات فروعه (مثل سيف العدل)، والإشراف على عملياته، بدءا من 11 أيلول/ سبتمبر إلى عقد من الزمان بعدها، وما زال الكثير منهم – كالعادة – تحت الحماية الإيرانية، كما أن إيران أصبحت تحت الحصانة من عمليات “القاعدة”، وكان التوظيف المتبادل من نظام الولي الفقيه لكل التنظيمات المتشددة السنية والشيعية على السواء، وتم التوظيف المتبادل في تحالف مشبوه عانى العالم والشرق الأوسط دائما ويلاته وجرائمه”.

من جانبه رأى الخبير الأردني في شؤون الجماعات الإسلامية، حسن أبو هنية أن طبيعة العلاقة بين تنظيم القاعدة وإيران قائمة على المصالح المشتركة بينهما، وهي علاقة معروفة ومكشوفة، ولم تعد سرا، والجامع بينهما أنهما يواجهان عدوا مشتركا، ألا وهو الولايات المتحدة الأمريكية.

وأوضح أبو هنية لـ”عربي21″ أن قادة تنظيم القاعدة لم يكونوا يرون تكفير الشيعة، وكانوا يؤكدون على ضرورة الابتعاد عن خوض أي مواجهات مع إيران في هذه المرحلة، والانخراط في مواجهة العدو الأكبر، على عكس أبو مصعب الزرقاوي ومن جاء بعده، والذين كانوا يرون أن قتال الشيعة أولى من قتال الأمريكان.

وانتهى أبو هنية إلى القول: “إن التقاء القاعدة مع إيران التقاء مرحلي، وتحاشي تنظيم القاعدة فتح أية جبهات مع إيران هو اختيار أولويات، ولو قدر للتنظيم أن يفرغ من مواجهته مع أمريكا، لتحولت بنادقه إلى إيران، لأن حجم الاختلاف العقائدي بين الطرفين كبير جدا، إضافة لما بات يشكله مشروع الهيمنة الإيرانية من خطر داهم ومحقق على أهل السنة كافة”.

كلمات دليلية
رابط مختصر