جون روبرتسون في كتابه «العراق.. تاريخ»: بوش الأبن كرر في العراق خدعة تشرشل في عشرينيات القرن الماضي

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 16 أكتوبر 2016 - 3:19 مساءً
جون روبرتسون في كتابه «العراق.. تاريخ»: بوش الأبن كرر في العراق خدعة تشرشل في عشرينيات القرن الماضي

أكد المؤرخ البروفيسور الأمريكي جون روبرتسون في كتابه «العراق.. تاريخ» ان أهم ضحايا الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 كانا دولة العراق والشعب العراقي، وانهما سيستمران في هذا الموقع المؤلم في السنوات المقبلة بالرغم من ان القوات العسكرية الأمريكية انسحبت رسمياً من العراق عام 2011.
وأشار روبرتسون، في هذا الكتاب الذي يتناول المراحل المختلفة التي مر بها العراق منذ العصور الغابرة (في فترة نشوء وانتشار الإسلام وحتى اليوم) ان حكومة الرئيس جورج بوش الابن «فبركت» علاقة الرئيس صدام حسين بمنظمة «القاعدة» وامتلاكه الأسلحة المدمرة، كما فعل قبلها قادة بريطانيا الاستعمارية مع العراق خلال وبعد الحرب العالمية الأولى بقيادة ونستون تشرشل الذي كان وزيراً للمستعمرات آنذاك، والهدف في الحالتين، كان الاستيلاء على خيرات العراق الطبيعية من نفط وغيره. وقد أدرك المستعمرون آنذاك، وفي مطلع الألفية الثانية، ان مخزون العراق النفطي كان ضخماً (الثاني عالمياً بعد السعودية) وانه كان من نوع ممتاز ويسهل استخراجه، وخصوصاً في حقول جنوب البلاد، وأن تكاليف الاستخراج كانت نسبياً أقل مما هي عليه في أماكن أخرى، وعلى مقربة من شواطئ تسهل عملية النقل البحري.
ويضيف قائلا: بما ان مرتكبي تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 كانوا في أكثريتهم من السعوديين ولم يكن بينهم عراقيون، فإن أمريكا، التي اعتمدت بشكل مكثف على النفط السعودي، أرادت تنويع مصادر نفطها، ولعل هذا كان بالفعل الارتباط الوحيد بين عراق صدام ومنظمة «القاعدة» في نظر الكاتب.
ويقول في الصفحة (318) ان نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني قالها بصراحة في خطاب ألقاه أمام منظمة المحاربين الأمريكيين القدامى في تلك الفترة (عام 2002) بأن من الأسباب الرئيسية «لضرورة القضاء على نظام الرئيس صدام حسين السعي للسيطرة الأمريكية على المنتوج النفطي لمنطقة الخليج بشكل أكبر». كما صدر آنذاك تقرير عن وزارة الخارجية الأمريكية، بعنوان «مستقبل العراق» اقترح خصخصة النفط العراقي بعد إزالة نظام صدام.
وبالإضافة إلى موقفي تشيني ووزارة الخارجية الأمريكية، فقد صرح وكيل وزارة الدفاع الأمريكي في تلك الحقبة بول ولفويتز (بعد ثلاثة أشهر من غزو العراق) في رد على سؤال لماذا قررت أمريكا الهجوم العسكري على العراق وليس على كوريا الشمالية التي يعرف العالم بانها تملك سلاحاً نووياً وتجري التجارب العلنية لتطويره؟ قائلاً: «لننظر إلى الأمر ببساطة، الفارق بين كوريا الشمالية والعراق انه (اقتصادياً) لم يكن لدينا الخيار في العراق، إذ ان هذا البلد يسبح في بحر من النفط». (ص 318).
كما ان جورج بوش الابن نفسه، حسب الكتاب، وفي كانون الثاني (يناير) 2002 وبعد 4 أشهر على هجمات (9/11) 2001 وضع العراق وإيران وكوريا الشمالية في «محور الشر» الذي يهدد (في رأيه) العالم استناداً إلى تقارير استخبارية مشكوك فيها. ونجح بوش وحليفه ورفيق دربه رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في
إقناع الملايين في العالم بأن صدام متحالف مع «القاعدة» وانه يملك مخزوناً من الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية التي قد يستعملها ضد أمريكا وأوروبا أو يسلمها لـ«القاعدة» لتفعل ذلك، برغم ان مفتشي الأمم المتحدة لم يعثروا على أدلة في هذا الشأن خلال عملياتهم التفتيشية في العراق آنذاك.
وهكذا فقد هوجم العراق في آذار (مارس) عام 2003 إستناداً إلى أدلة كاذبة ومفبركة ثم أشرفت على إدارته بعد احتلاله سلطة أمريكية ـ بريطانية افتقدت إلى فهم تاريخ هذا البلد وحضارته، تماماً كما حدث عندما استولت سلطة الاستعمار البريطاني على العراق بعد الحرب العالمية الأولى (ص 319).
وفي الفصل الختامي من الكتاب، يشير روبرتسون إلى ان غزو أمريكا وبريطانيا للعراق في عام 2003 أدى إلى فتح «صندوق باندورا» في العراق والدول المجاورة له، ما يهدد جميع دول المنطقة وعدداً من دول العالم، وعملية إقفال هذا الصندوق السحري الذي يغذي الحروب والتدمير والمآسي الإنسانية أصبحت شبه مستحيلة، أو مشكوك في إمكان تحقيقها. ويضيف أن انعكاسات غزو العراق في عام 2003 ما زالت تؤدي إلى نتائج وخيمة حتى الساعة ويصعب تقدير كيف ستنتهي في المستقبل.
ويشدد روبرتسون على أخطاء الدبلوماسي الأمريكي بول بريمر الذي عينته إدارة بوش للإشراف على سلطة الاحتلال بعد سقوط نظام صدام حسين، وخصوصاً قراره حل الجيش العراقي واجتثاث حزب البعث العربي الاشتراكي ما أدى إلى انتقال جنود عراقيين كثيرين إلى عالم البطالة وخسارة موظفين وإداريين ومسؤولين عراقيين في الحكومة لوظائفهم، من دون توفير البدائل، بالإضافة إلى وضع دستور جديد للبلاد يرجح كفة طائفة عراقية مسلمة على حساب الأخرى. وبالتالي، شعر المواطنون السنّة العراقيون بالتهميش، كما كان حال المواطنين الشيعة العراقيين في العهد السابق. كما ان إدارة بوش الابن والإدارة التي تبعتها دعمتا قادة عراقيين ساهموا في استمرار الطائفية وتعزيزها في البلد ما لعب دوراً في نشوء منظمات متطرفة مسلحة ترفع الراية الدينية المتشددة ضدهم دفاعاً عن الطوائف التي أعتبرت نفسها مهمشة.
ويقدّر روبرتسون عدد السكان من العراقيين السنّة الذين غادروا العراق إلى دول أخرى بمليوني نسمة يُضاف إليهم مليونان ونصف المليون من الذين اضطروا إلى الهجرة القسرية الداخلية. كما يذكر أن عدد القتلى العراقيين ما بين عامي 2003 و2001 قدّر بحوالي المئة ألف إلى المليون. ويضيف قائلا انه بين المهجّرين القسريين والقتلى عشرات الآلاف من العراقيين المسيحيين ومن أقليات أخرى.
وفي الصفحة (326) يقول ان من المدهش ان الغزو الأمريكي للعراق الذي تم تبريره عام 2003 بوجود منظمة «القاعدة» في البلد بالإضافة إلى انتشار الأسلحة الممنوعة فيه، قد أدى بالفعل على انطلاق ونمو منظمة «القاعدة» والمنظمات المسلحة الأخرى التي وُلدت من رحمها في العراق وفي سوريا وفي أماكن أخرى من الشرق الأوسط والعالم، وبالتالي تطور النزاع على نفط العراق إلى نزاع دولي خطير جداً يهدد المنطقة والعالم والإنسانية جمعاء.
لا شك أن كتاب روبرتسون يمكن اعتباره مرجعاً تاريخياً وسياسياً قيما، فبالاضافة إلى ما تم التركيز عليه في شأن ما حدث في العراق في العقدين الأخيرين، هناك فصول أخرى هامة فيه، ففي الفصل الخامس عن العراق ونشوء الإسلام، يذكر الكاتب أن عصر النهضة في العراق، خصوصا في فترة الدولة العباسية، كان له التأثير الكبير على النهضة في أوروبا، كما ان الدولة الأموية أنشأت هيكلية وقالب الدولة كنموذج متطور وانه بدون ما قدمه رجال الفكر العرب ابتداء من القرن السادس الميلادي والقرون اللاحقة، فان النهضة الفكرية والاجتماعية في أوروبا لربما ما حدثت. والمنبع لكل ذلك، حسب روبرتسون، كان العراق. وهذا ما قد نسيه العالم الغربي.
كما ان الفصل السابع من الكتاب يشير إلى حدوث صراع بين السياسيين العراقيين القوميين العرب مع خصومهم المؤيدين للهيمنة الاستعمارية البريطانية على العراق، منذ أربعينيات القرن الماضي. وان قائد القوى المناهضة لبريطانيا في العراق كان القائد العسكري رشيد عالي الكيلاني، فيما كان المتعاون الأساسي مع البريطانيين رئيس الوزراء آنذاك نوري السعيد، وان القوات البريطانية العسكرية نُشرت في العراق وهزمت قوات رشيد علي الكيلاني وأقصته من منصبه كرئيسٍ للحكومة بدلاً من السعيد وأعادت الملكية إلى العراق كما أعادت نوري السعيد إلى رئاسة الوزراء. وبدأ السعيد حملة على القوميين العرب العراقيين في الأربعينيات والخمسينيات ولم يوقفها حتى مقتله عام 1958.
ويحكي روبرتسون تفاصيل تلك المرحلة مؤكداً ان انطلاق القومية العربية في المنطقة عموما كان من العراق وأن الثورات العربية الأخرى تأثرت بما حدث في العراق في الاربعينيات وبالصراعات التي أدت إلى انقلاب 1958 الذي أطاح بالنظام الملكي وبحلفاء بريطانيا (نوري السعيد وعبد الاله والملك فيصل).
كما يتناول قضية تهجير يهود العراق مشيراً إلى انه بين عامي 1948 و1952 حوّلت الصهيونية وبعض الأطراف العراقية الداخلية الوجود اليهودي في العراق إلى مشكلة (ص 273) ما أدى إلى هجرة يهود العراق من البلد بتشجيع من الحكومة الإسرائيلية التي نشأت بعد عام 1948 في فلسطين.
ويعتبر ان الصراع الأساسي في المنطقة، من أوائل الخمسينيات وحتى عام 1958، كان بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر، من جهة، ورئيس الوزراء العراقي نوري السعيد، من جهة أخرى، وحاول كل منهما جعل بلده قائداً للعالم العربي، وان نوري السعيد كان مدعوماً بنفط بلاده وحاجة العالم الغربي عموماً، وحلفائه البريطانيين خصوصاً، لهذا النفط، بعد قرار تأميم القائد الإيراني آنذاك محمد مصدّق للنفط الإيراني، ولكن اعتماد نوري السعيد المفرط على دعم بريطانيا، ودخول العراق عام 1955 في «منظمة حلف بغداد» التي هندستها الولايات المتحدة الأمريكية، أوقعاه في فخ معاداة الثورة العربية المناهظة للاستعمار في المنطقة بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر ودعوته إلى الوحدة العربية ضد الهيمنة الأجنبية الغربية على الشرق الأوسط. وبالتالي، أصبح ناصر بطل القومية العربية في المنطقة، فيما سقط عراق نوري السعيد ضحية لها.
أسئلة كثيرة يطرحها الكتاب في فصوله الغنية بالمعلومات القيمة ومواقفه الموضوعية المتعاطفة عموماً مع العراق وشعبه.

سمير ناصيف

رابط مختصر