أكراد سورية يباشرون فيديراليتهم اللغوية في المدارس بالتنسيق مع النظام

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 16 أكتوبر 2016 - 2:31 مساءً
أكراد سورية يباشرون فيديراليتهم اللغوية في المدارس بالتنسيق مع النظام

أربيل – محمد نبو / خلال عقود ما قبل الثورة السورية، شاع بين الكرد اللجوء لحصص دراسية سرية بغاية تعلم أبجدية لغتهم رغم أخطار التعرض للملاحقة والاعتقال.
ومع انطلاق الثورة وتفضيل النظام تنحية الكرد عن الصراع علی السلطة في البلاد، وجد الكرد أنفسهم فجأة وجهاً لوجه أمام إدارة كردية حزبية ساعية لتأسيس «هوية الأمة الكردية الجديدة». لم تمتلك الإدارة الكردية الحديثة أدوات إعلامية كافية تقارب بها طروحاتها ومحاولاتها لإحداث تغيير في النمط الحياتي والثقافي من الوعي الأولي للمواطن الكردي المنسجم مع كثيرٍ من منتجات حزب البعث الحاكم في دمشق وأهمها التعليم.
في أيلول(سبتمبر) عام 2015، أقدمت الإدارة الكردية علی خطوة ثورية باستبدال المناهج الدراسية العربية بأخری كردية من إعدادها، وبعيداً عن تلك الدروس الكردية في غرف مغلقة بدا سؤال الهوية مباشراً جداً لشارع لم يتلق استعداداً كافياً لهكذا زلزال.
من هم كرد غربي كردستان – شمالي سورية (حتی التسمية الجغرافية تبدو إشكالية وغير منجزة بعد بشكل نهائي) وماذا يريدون بالضبط من سورية المعارضة وسورية النظام؟
يبدو الجواب بديهياً وسهلاً، الكرد يرحبون ويتوقون لتدريس أبنائهم بلغتهم الأم. لكن ردود الفعل أتت بالعكس من ذلك.
جوبهت مناهج اللغة الكردية برفض شعبي واسع النطاق وعلی الجبهتين الكردية والعربية.

كردياً
حاول المواطن الكردي الالتفاف علی صدمة الهوية العربية السورية (المستقرة)، في مقابل الهوية الكردية القلقة بكثير من الحجج نورد أهمها:
– المناهج الكردية مؤدلجة بحزبية «پ يو دي» الحاكم.
– ليس هناك اعتراف دولي بهذه المناهج الكردية.
– المناهج الكردية ستتسب في قطيعة للكردي عن سورية العربية.
– اللغة الكردية غير مؤهلة لتكون لغة التعليم.
علی مستوی المقاربة السطحية للمسألة، يمكن رد الحجج الأربع الأساسية بما يلي:
– المناهج العربية التابعة لحكومة البعث لا تبدو أقل أدلجة من المناهج الكردية.
– ليس هناك اعتراف دولي بالمناهج الكردية، لأنه ليس هناك اعتراف دولي بالشعب الكردي. وعلم كردستان لم يرفرف يوماً علی بوابة الأمم المتحدة وحرب الهوية لا تزال مفتوحة.
– بمرور الوقت، سيجد عرب سورية آلية ما للتعامل مع الكردي الذي يتقن لغته القومية أكثر من العربية. حدث هذا سابقاً في إقليم كردستان العراق ولا يبدو تكراره صعباً في غربي كردستان.
– الجهل باللغة لا يعني أبداً أن فيها قصوراً بنيوياً، فقد نجحت اللغة الكردية في الإقليم الجنوبي وستنجح حتماً في الإقليم الغربي. المسألة برمتها في حاجة إلى بعض الوقت وتحول نوعي للتحكم بأدوات اللغة ومكنوناتها.

عربياً
بدا الرفض العربي السوري للمناهج الكردية أكثر قسوة من الرفض الكردي. دراسة الكرد بلغتهم تعني عربياً تقسيماً ثقافياً لسورية كخطوة أولى ومؤسسة للانفصال الجغرافي. وبشيء من الطرافة بدا التوافق العربي بين المعارضة والنظام ملفتاً بالرغم من الحرب الجنونية بينهما. لا يرغب العربي السوري في أن يجد كردياً لا يفهم لغته العربية ويحقق ذاته ومنجزاته الثقافية بلغة «أعجمية».
مر العام الأول للدراسة بالمناهج الكردية بما يبدو أنه نجاح للإدارة الكردية ولجزء مهم من الشارع الكردي. فالمغامرة انتهت مقابل تسليم جزء آخر «بالقدر» الكردي، فيما انتقلت المعارضة العربية للمناهج الكردية إلی مستوى آخر أكثر رضوخاً، فلا بأس من تدريس الطلبة الكرد باللغة الكردية «علی مضض» لكن لا تفرضوا مناهجكم علی الطلبة العرب كحدٍ أدنی.

المغامرة
علی مشارف العام الدراسي الثاني، تبدي الإدارة الكردية إصراراً أشد علی المضي بمغامرتها التعليمية الكردية، بإعلانها أن التدريس باللغة الكردية سيشمل كافة المراحل من الصف الأول الابتدائي حتی الثالث الثانوي بالنسبة للطلبة الكرد، مقابل منهاج عربي للطلبة العرب وآخر سرياني بالإضافة لبعض الحصص الدراسية باللغة الآشورية في بلدة تل تمر. وفيما تبدي المعارضة دهشتها لجهة أن إقليماً جغرافياً صغيراً كغربي كردستان لا يحتمل ثلاثة مناهج تعليمية بثلاث لغات مختلفة، ويرد مؤيدو الإدارة بأن دولة صغيرة كسويسرا تتبنی فعلاً أربع لغات رسمية وهي نجحت في ذلك.
إلی جانب كل هذا، بدأت الإدارة الكردية بتحقيق بعض مكتسبات الأمر الواقع من مغامرتها، فوفق موقع «آرا نيوز» نقلاً عن فريد سعدون المدرس السابق بجامعة الفرات بدأت مفاوضات بين الإدارة الذاتية والنظام حول المناهج الكردية والعربية، «وتم التفاهم خلالها على خطة تعليمية للمرحلة الإعدادية، وذلك بتدريس خمس ساعات لغة كردية أسبوعياً للصف السابع والثامن، وثلاث ساعات لغة كردية للصف التاسع…. وسيستمر التعليم وفق منهج الدولة. وتم توزيع الكتب اليوم في مدارس إعدادية كثيرة بالمحافظة. بالنسبة للمرحلة الابتدائية، لم يتوصل الطرفان لأي اتفاق حيث تصر الإدارة الذاتية على أن يكون التعليم كله باللغة الكردية، بينما تعرض الدولة المناصفة، أي 28 حصة أسبوعية بينها 6 حصص ترفيهية ويبقى 22 حصة علمية، والدولة تعرض 11/ 11 لكل لغة».
الوصول لاتفاق يعني تجاوز عقدة المنشار والحجة الأكبر لرافضي مناهج اللغة الكردية هي عدم وجود اعتراف دولي بها، فالمناهج التي تقرها دمشق أو تتوافق عليها مع الإدارة الكردية هي مناهج معترفٌ بها دولياً.
وقياساً بالتجربة الكردية الوحيدة وهي تجربة إقليم كردستان العراق الذي أُقرت فيه الدراسة باللغة الكردية إلی جانب العربية عام 1970، ثم التوجه نحو تفرد اللغة الكردية عام 1990 وتعزيزها عام 2003 بعد سقوط نظام صدام حسين، أقرت حكومة الإقليم عام 2015 اعتماد اللغة الإنكليزية في تدريس المواد العلمية، الرياضيات والعلوم ولاحقاً الفيزياء والكيمياء، بالإضافة الى تدريس اللغة الإنكليزية إلی جانب الكردية اعتباراً من الصف الأول الابتدائي فيما يبقی التدريس باللغة الكردية لمواد علم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا والآداب مع ملاحق للمصطلحات العلمية باللغة الكردية والسبب هو افتقار المكتبة الكردية لمراجع علمية تفيد الطلاب، بالإضافة إلى اعتماد الإنكليزية في الكليات العلمية في الدراسة الجامعية.
ويبدو من الضروري اعتماد اللغة الإنكليزية بطريقة مماثلة في غربي كردستان إلی جانب الــكردية بما يخفف من وطأة اللغة العربية وإتاحة المجال للطالب الكردي لإتمام تعليمه الجامعي خارج حدود غربي كردستان.
وتعتمد الإدارة الكردية في تأهيل المدرسين علی معاهد، مدة الدراسة فيها ستة أشهر وهي لا تبدو مدة كافية لتخريج مدرسين أكفاء الأمر الذي يتسبب في أزمة ثقة بين أهالي الطلبة ومدرسيهم، فلا أحد يرغب في إرسال أطفاله الى مدارس لا يحقق مدرسوها حداً أدنی من رضى الأهل عن العملية التعليمية.
بعيداً من الجبهات العسكرية التي ترسم حدود الإقليم الكردي في سورية، تخوض الإدارة الكردية حرباً أخری لتأسيس الهوية بأهم أدواتها وهي اللغة، كدليل صريح على أن جيلاً يُتم تعليمه بلغته الأم سيخوض حربه الوجودية بثقة وعزيمة أكبر من جيلٍ أنهی كل مراحل تعليمه في مدارس وجامعات البعث. فصراع المناهج هو استثمار استراتيجي والمفاوضات الجارية حالياً مع النظام حول مناهج المرحلة الإعدادية ستنتقل بعد أعوام قليلة للمرحلة الثانوية، لتبقی المعضلة الأهم بلا حل واضح حتی الآن، فمن يُقنع كرد البلاد بأن دراسة أبنائهم بلغتهم الأم مهما كانت مآلات الصراع السوري علی السلطة هي منجز تاريخي ووجودي بأهمية المنجز السياسي والعسكري الكردي، فيما يبدو أن طرفَي الصراع العربي علی السلطة فقدا تماماً القدرة علی إرجاع سورية الى ما قبل آذار 2011.

كلمات دليلية
رابط مختصر