وزير عراقي سابق: الفساد والطائفية أكثر تدميرا من قصف الصواريخ

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 14 أكتوبر 2016 - 3:49 مساءً
وزير عراقي سابق: الفساد والطائفية أكثر تدميرا من قصف الصواريخ

يعتقد عبدالكريم هاني، وزير العمل والشؤون الاجتماعية العراقي السابق، أن المشروع الإيراني سيصطدم يوما بردة فعل دولية قوية وينهار في النهاية. ويقول، في حوار مع “العرب”، إن أعضاء الميليشيات الطائفية أصبحوا قوة ولهم سلطة تخدم المشروع الإيراني الهادف إلى إلغاء هوية المجتمعات التي تضعها، الآن، في دائرة نفوذها باسم المذهب والديانة والحرص على حقوق الأفراد. ويرى أن كل تفكير بتقسيم العراق سيؤدّي حتما إلى إلغاء الهويتين الوطنية والقومية، لأنهما الوحيدتان اللتان تضعان الهوية الطائفية (المذهبية) جانبا، ولذلك حرص الاحتلال قبل وصوله إلى حدود العراق على تمييز الجميع بموجبها.
عمّان – يدين وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق في العراق عبدالكريم هاني الصمت العالمي حيال ما يجري في العراق من قتل وتهجير وتشريد وإعدام واعتقال ومصادرة وتغيير كامل لطبيعة المجتمعات.

ويقول، في حوار أجرته معه “العرب”، في مقر إقامته بالعاصمة الأردنية عمّان، إن أحلام المسؤولين الإيرانيين ستصطدم بردّة فعل دولية قوية كما اصطدم بها هتلر، الذي استغرق قرابة العقد من الزمن لبناء جيشه القادر على حماية مشروعه، لكن عندما وصل إلى تلك النقطة نفد صبر الآخرين، الذين لا يقلون طمعا عنه، فأقاموا القيامة عليه وانتهوا إلى تخريب حتى مجتمعاتهم.

ويشير إلى أن الحلم سينتهي بإثارة حروب محلية محدودة بين القوميات في إيران وبينها وبين جيرانها، موضحا أن الميليشيات الطائفية التي أصبحت قوة، وصارت سلطة مرتبطة بإيران تخدم مشروعها الهادف إلى إلغاء هوية المجتمعات التي تضعها، الآن، في دائرة نفوذها باسم المذهب، لن تفيدها في المستقبل.

واستحضر، عبدالكريم هاني، الذي كان عضوا وقياديا في حركة القوميين العرب، ومسؤول الإعلام فيها حيث يشرف على جريدتها في الأعظمية ببغداد، تصريح زعيم منظمة بدر هادي العامري عندما قال إن منظمته أصبحت أقوى من الجيش العراقي. وقال “إن ذلك التصريح يجسد افتخار الخائن بخيانته، فهذه المنظمة حملت السلاح في وجه العراق وقاتلت جيشه مع القوات الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي”.

ويؤكّد أن مقاومة هذا المشروع تتم بالحرص على الهوية الشاملة الجامعة. والهوية الجامعة في العراق، كما يراها هاني، ذات شقين؛ الأول الهوية الوطنية ثم الهوية العربية، ومن دون هاتين الهويتين، اللتين تكمل إحداهما الأخرى في الداخل العراقي، لا يمكن مقاومة المشروع الإيراني أو أي مشروع آخر يهدف إلى السيطرة على هذه البلاد.
ويسخر عبدالكريم هاني، وهو طبيب جراح تخرج في كلية الطب ببغداد عام 1953، وأكمل دراسته التخصصية في الولايات المتحدة، من دعوات تقسيم العراق وإقامة الأقاليم.

ويقول “لا حل لنا إلا برفع شعار الوطنية العراقية الذي يجمع العراقيين جميعا، والهوية العربية إذا أمكن لها أن تسود فإنها تضع الهوية الطائفية (المذهبية) جانبا، ولذلك حرص الاحتلال منذ التهيئة لعملية غزو العراق وحتى قبل وصوله إلى حدود العراق على تمييز الجميع بموجب الطائفة”.

الفساد جزء من التدمير

يرى هاني، الذي اتهم بتدبير مؤامرة لقلب نظام صدام في التسعينات من القرن الماضي وحكم عليه بالإعدام ثم خفض الحكم إلى السجن المؤبد وبعدها أطلق سراحه بالعفو العام، وكان الطبيب راجي التكريتي، الذي أعدم حينها، أحد أبرز المتورطين فيها، أن هدف الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، كان التدمير.

ويقول إنه تم تحديد طبيعة النظام الذي سيقوم على أنقاض نظام صدّام حسين، ووضع الأسماء التي ستتولى المهمة من قبل الاحتلال؛ ثم دخل الأميركيون العراق، واستبدلوا الأنظمة والقوانين لتسهيل عملية التدمير، وهو تدمير مستمرّ إلى هذه اللحظة.

ويعتبر هاني الفساد المستشري في العراق والمسكوت عنه، جزءا من خطة تدمير أسس الدولة والمجتمع.

ويقول “كجزء من الاستهتار يفتخر كل واحد أن لديه ملفات إن كشفها سيزلزل بها العملية السياسية، إنه الاستهتار بعينه وإلا ماذا نسمي من يضع على كتفه الرتبة التي تعجبه ومن هو نصف أمي ويضع على كتفه رتبة لواء ركن؟ لا يمكن لعاقل أن يقبل بهذا ويسكت”. وعلى الرغم من أن عبدالكريم هاني كان يبلغ من العمر 75 سنة عندما وقع احتلال العراق، إلا أنه شارك في تأسيس تنظيم سياسي جامع هو المؤتمر التأسيسي الذي ضمّ عناصر تمثل كل أطياف المجتمع العراقي ومكوّناته.
ويمتلك العراق إمكانيات انشطار وإثارة خطوط تصدع جديدة. وبناء على هذه الحقيقة، يقول هاني “نظرنا إلى فكرة تأسيس تنظيم المؤتمر التأسيسي، وواجه الجميع من دون استثناء إلى مختلف أنواع الضغوط والمغريات، حيث تعرض الكثيرون إلى عمليات اغتيال طالت عناصر قيادية في التنظيم”.

ويشير عبد الكريم هاني إلى أن الاحتلال قاوم كل توجه وطني أو قومي بقوة وشراسة وبما يملكه من سلطة وقوة ومال؛ بالإغراء إن نجح في كسب المعركة، أو بالقوة المباشرة أو المخفية بالاغتيال.

شغل عبدالكريم هاني منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعية في العراق مرتين إبان عهدي الرئيسين عبدالسلام محمد عارف (1963-1966) وعبدالرحمن محمد عارف (1966-1968)، وهو يصف الرئيسين الراحلين بالقول “كان الرئيس عبدالسلام محمد عارف يمتاز بميزتين أساسيتين في الإدارة هما سرعة الحسم واتخاذ القرار والحسم المباشر، لكن أخاه عبدالرحمن محمد عارف كان أقل اندفاعا وسرعة في اتخاذ القرارات حتى وصف بأنه ضعيف.

ولكن الحقيقة أنه كان قليل الاندفاع متوازنا ولم يندم على أيّ قرار اتخذه باستثناء قرار واحد هو اعتماده على زمرة من الضباط سلمهم مناصب حساسة جدا وأدّت أفعالهم إلى ما أدّت إليه. فكان يدرس ويستمع وينفذ ما يتفق عليه ولذلك امتازت فترة حكمه بالهدوء وبأنها أقل اضطهادا ومطاردة للخصوم والمعارضة، بل بالعكس عفا عن الذين تآمروا عليه وهو ما يدل على قابلية التغلب على الحقد وأفسح المجال لهم ومنحهم حرية الحركة”.

يعتز هاني بتشريع قانون الضمان الاجتماعي الذي صدر عام 1967 لأنه تحقق بجهوده. ويتحدث عنه قائلا “لذلك القانون قصة جديرة بأن تروى فبعد أحداث عام 1952 في بغداد والتي سميت بانتفاضة نوفمبر 1952، انطلقت تظاهرات كانت تنذر بالخطورة، بحيث اضطرّ النظام إلى تكليف رئيس أركان الجيش الجنرال نور الدين محمود بتشكيل الحكومة.

وحاول بعضهم إظهار ذلك بصفة انقلاب عسكري ووجد الحكم أنه من الضروري تطوير القوانين المتعلقة بالعمال فطلبوا خبراء من منظمة العمل الدولية واستمر العمل لوضع قانون الضمان الاجتماعي على وفق فكرة باهتة هي التوفير، إذ وضع نظام يستقطع بموجبه من العامل مبلغ 10 فلوس، ومن رب العمل مثله، ومثله تدفع الحكومة، وعندما يسرّح العامل تعاد إليه هذه المبالغ وهي تافهة”.

ويضيف هاني “كان المأمول أن يطبق هذا القانون تدريجيا فطبق على البعض من الألوية (المحافظات) في المشاريع التي تستخدم أكثر من 30 عاملا وكانوا يأملون أن تتجمع البعض من المبالغ فيتحول القانون، حينئذ، إلى وضعية جديدة تسمح بدفع رواتب للعمال المتقاعدين، وقبل انتهاء المدة التحضيرية حدثت ثورة 14 يوليو 1958 في العراق، وظلت الأوضاع السياسية في البلد في منافسة بين القوى الوطنية أولا، ثم خصومة شديدة مع مصر عبدالناصر، ما تسبب في ترك المشروع. لكن تمّ إقراره عام 1965، حيث تحول المشروع من توفيري إلى نظام رواتب مستمرة للمتقاعدين وفق الشروط والنسب المتفق عليها”.
ويرفض عبدالكريم هاني مقارنة قانون الضمان الاجتماعي الساري قبل الاحتلال مع قانون بعد الاحتلال للعديد من الأسباب منها طبيعة الإدارة في الظرفين والفارق الكبير بين الموقع الاجتماعي أو المعنوي للإدارة بالنسبة إلى العاملين قبل الاحتلال وبعده، ويقول “على الرغم من المدة الطويلة التي ابتعدت خلالها عن الإدارة والمتابعة، لكن كانت الأمور في السـابق تسـير وفق نظام وقانون محترمين بقوة الدولة لا بقوة المسلحين والميليشيات، وتضاف إلى ذلك طبيعة الارتباط نتيجة تقسيم الوزارات والدوائر، بعد الاحتلال كانت حسب المحاصصة واعتبار كل مسؤول وكأنه رب عمل يتحكم في شؤون الوزارة أو المؤسسة أو الدائرة التي بإمرته حسب هواه، فتنحصر التعيينات بالتابعين انتماء إلى هذا الشخص سواء من الأقارب أم المنتفعين أم من أعضاء التنظيم الذي يديره أو ينتمي إليه، وأذكر أن أحد الأخوة قال لي ضاحكا إنه لم يعد يكفي أن يكون طالب التعيين من طائفة الوزير أو المسؤول وإنما يجب أن يكون من حزب ذلك الوزير أو المسؤول وأن يكون مزكّى لينال بركة التعيين، وهذه القاعدة سائدة الآن في جميع الدوائر، فأي مقارنة تصح بين النظامين وبين الوضعين؟”.

كتاب في سجن

استفاد عبدالكريم هاني من الفترة التي سجن فيها قبل الاحتلال فعكف على ترجمة كتاب عن تاريخ أميركا عنوانه “الهنود.. سكان أميركا الأصليون”، والذي يقول عنه “عندما تقرأ أحداث الكتاب تشعر أنه يتحدث عن قضية فلسطين حيث الهجرة الصهيونية إلى فلسطين فكل صورة تقرأها في الكتاب تتحدث عما جرى وما يجري وما سيجري في فلسطين.

والكتاب بأقلام كتاب أميركيين وقد كتب مقدمته جون كنيدي، رئيس الولايات المتحدة الأميركية الأسبق، وتعلق في بالي من الكتاب جملة تقول «سلطة المستوطنين مستعدة للحرب إلى آخر جندي». فقد جندوا الهنود للحرب، فكان هناك جيش بريطاني من الهنود وجيش فرنسي من الهنود كذلك وكانوا يزودونهم بالسلاح، وحين أعلنت هدنة اجتمع قادة الهنود لبحث طلباتهم فهجم عليهم الجيش وأباد المجتمعين وكلهم ضباط يصرخون: هدنة”.

ويضيف هاني “عندما تقرأ هذا الذي حدث قبل 300 سنة تستغرب أنه لا يزال يحدث مرة باسم السنة والشيعة، ومرة باسم الصفويين والعثمانيين، وإذا طبقنا هذا على المشروع الإيراني فنستطيع أن نقول إن إيران مستعدة للحرب من أجل مشروعها إلى آخر جندي، وما عليها إلا أن تزودهم بالسلاح فجنودها ليسوا إيرانيين، وإنما لبنانيون من حزب الله وعراقيون من الميليشيات الطائفية ويمنيون حوثيون وخلايا نائمة في البحرين”.

كاتب من العراق
سلام الشماع

رابط مختصر