عودة المالكي الى الحكم مسألة وقت تحددها إيران

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 3 أكتوبر 2016 - 11:57 مساءً
عودة المالكي الى الحكم مسألة وقت تحددها إيران

رغم أن نوري المالكي يسعى بشكل واضح إلى إسقاطه من منصبه، وهو الذي لا يملك أي شرعية لفعل ذلك غير “الدسائس والمكر” السياسيَيْن، فإن حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي يقف عاجزا عن مواجهة سلفه في رئاسة الحكومة ومحاسبته رغم أن بين يديه الحجة الكاملة التي تكشف “فساده (المالكي) المفضوح والمستمرّ”، كما صرح بذلك الاثنين مسؤول رفيع في وزارة المالية العراقية.

ويربط المراقبون صمت العبادي بأوامر من حزب الدعوة الذي يترأسه المالكي نفسه وبأوامر عليا للجميع من طهران تتعلق بترتيبات يجري الإعداد لها لتأهيل الساحة الشيعية وإنهاء الخلافات بين مكوناتها السياسية قصد إعادة المالكي إلى السلطة لأن لا شخص غيره، في تقدير طهران، يمكن أن يؤدي واجبات ولاء ما بعد تحرير الموصل وانتفاء الحجة الأبرز لوجود ايران الاحتلالي في العراق.

وقال هوشيار زيباري وزير المالية في مؤتمر صحافي بعد ساعات على اقالته من منصبه عبر استجواب برلماني إن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي يسعى الى اسقاط الحكومة العراقية عبر اقالة الوزراء لأسباب سياسية وليست مهنية.

ويذهب المرتابون من صمت رئيس الوزراء العراقي على الحرب الخفية التي يشنها المالكي على الحكومة للإيقاع بها، عبر الإطاحة بوزرائها وزيرا-وزيرا، إلى التأكيد على أن المالكي يتحرك وفقا لمخطط شيعي شامل تدعمه إيران، يتعلق بعراق ما بعد تحرير الموصل، وهو عراق من المهم أن يعود لحكمه المالكي كشخص تتوفر فيه الاستعدادات لدعم الهيمنة الإيرانية عليه، ولمشاغبة كل قوة إقليمية ودولية يمكن ان تنافس طهران على هيمنتها في العراق.

ويقول محللون إن العبادي نفسه يبدو مستسلما للأمر الواقع و”قانعا” باحتمال ان تسقط حكومته، إذ لم يبد ما يعبر به عن أنه قلق من مساعي “خصمه” اللدود وقائده الأبرز في حزب الدعوة (الأمين العام للحزب الشيعي الحاكم)، للاطاحة بحكومته.

وقال مسؤول عراقي إن “مخصصات نوري المالكي ما تزال قائمة، كما أنه لم يسلم القصر الرئاسي الذي يقيم فيه، وما زال نجله (أحمد) وابنته الكبرى (إسراء) يسكنان في منازل داخل المنطقة الخضراء وتدفع الحكومة ثمن استئجارها، فضلا عن تكاليف الحماية، واستخدامهم سيارات الدولة”.

وأعفي المالكي من مهامه في 9 آب/أغسطس 2015 بعد أن أعلن العبادي عن مجموعة قرارات وإصلاحات أبرزها إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية (نوري المالكي وأسامة النجيفي وإياد علاوي) ونواب رئيس مجلس الوزراء (بهاء الأعرجي وصالح المطلك وروز نوري شاويس) في استجابة لاحتجاجات شعبية دعت لمقاومة الفساد.

وقد أقر مجلس الوزراء العراقي القرارات التي أصدرها لكنها لم تنفذ إلى حد الساعة.

ونقلت وسائل إعلام عراقية عن المسؤول الذي لم تكشف عن اسمه قوله إن “مخصصات المالكي الشهرية ما زالت كما هي بواقع 125 مليون دينار (نحو 100 ألف دولار أميركي)، منها 36 مليونا مرتبا شخصيا له، والباقي مخصصات أفراد حمايته، البالغ عددهم 30 فردا، عدا فوج من الجيش العراقي تم تفريغه لحمايته، ويتقاضى هذا الفوج العسكري مرتباته من وزارة الدفاع، ومن ضمن هذا المبلغ أيضا ملايين الدينارات مخصصات الضيافة والخطورة والسفر، وبمعدل سنوي يبلغ مليار ونصف المليار دينار عراقي نحو (مليون وربع المليون دولار)”.

وكان المالكي يحصل على هذه المخصصات بصفته نائب رئيس الجمهورية وهو المنصب الذي اشتغله من 9 سبتمبر/ايلول 2014 حتى تم إعفاؤه منه في 2015.

وأكد المصدر أن “رئيس الوزراء حيدر العبادي غير قادر على سحب تلك الامتيازات التي تمنح للمالكي وأفراد عائلته من الموازنة العامة للدولة”.

وخلال حكم المالكي للعراق “تشيع” العراق كما لم يكن في تاريخه مطلقا، وتعرض المكون السني إلى نكبة يصعب أن يعود منها سالما لعقود طويلة. كما نجحت إيران في توطيد هيمنتها على مختلف دوائر القرار السياسي والأمني في هذا البلد إلى حد أنه صار مقاطعة إيرانية لا سيما وأن العلاقة بينهما فقت مجرد علاقة تحالف أو ولاء حكومة بغداد لصاحب الأمر في طهران.

وأيضا يعتبر المالكي في المنظور الإيراني أكثر شخص يمكن أن يؤمن القطيعة الإقليمية للعراق مع الدول العربية السنية المهمة مثل السعودية وباقي دول الخليج وتركيا.

وتخشى إيران من أن الانتهاء من تحرير الموصل سوف يقوي عليها الضغوط الدولية للانسحاب من العراق ويعيد “مظلومية” الطيف السني العراقي من المكون الشيعي المدعوم من طهران الى واجهة الصراع الداخلي في العراق. ويرجح أن تجد مطالب السنة القديمة المتجددة بتكوين إقليم سني يتصرف في موارده لتحسين ظروفه سكانه الحياتية ويدير شؤونه الأمنية بأبنائه، دعما دوليا مؤكدا.

وتتعارض هذه المطالب مع المخطط الإيراني تماما إذ أن إيران تريد العراق “كاملا” دون نقصان لا سيما بعد أن حققت الكثير من هذا الحلم الإقليمي.

ويبرز المالكي بجرأة نادرة في التهجم على السعودية وهو لا يعدم اية فرصة ليكيل السباب بأقذع الأوصاف وهو داعم قوي لدعاة إعادة قطع العلاقات الدبلوماسية بين بغداد والرياض وطرد السفير السعودي.

والسبت، دعا ائتلاف نوري المالكي إلى إقرار قانون يسمح للعراقيين بمقاضاة السعودية على “جرائمها” التي ارتكبتها في البلاد على غرار قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” والمعروف بـ”جاستا” الذي أقر في الكونغرس الأميركي مؤخرا، مشيرا إلى امتلاك الحكومة “ادلة كافية” على تورط الرياض في دعم الارهاب داخل الأراضي العراقية.

ويقول المراقبون إن إيران ترى في المالكي رجل المرحلة المقبلة في العراق التي لن تكون سهلة، وستكثر فيها التحديات أمام الوجود الإيراني القوي في العراق، ولذلك فهي تعمل ترتيب الوضع لفائدته ليعود الى السلطة بأقل عراقيل ممكنة على الأٌقل داخل البيت الشيعي، وهي تعمل على تضييق الخلافات الشيعيةـالشيعية إلى أقصى حد ممكن وأن آخر هذه هذه الجهود الإيرانية أسفرت عن عودة مقتدى الصدر العدو اللدود للمالكي إلى بيت طاعة التحالف الشيعي في خطوة بدت سريعة ومفاجئة.

ونجح المالكي في توثيق علاقاته بعدد من القوى السياسية منها السنية، كما نجح في توثيق علاقته بالحشد الشعبي أحد أبرز الأذرع الأمنية في العراق حاضرا ومستقبلا.

وكشف مصدر مقرب من المرجعية الدينية الاثنين أن السيستاني وصف نوري المالكي بالرجل النزيه والوطني. وان من تسبب بإفشال علاقة المرجعية مع المالكي عندما كان رئيسا سابقا للوزراء، هو “مستشار رئيس الوزراء السابق نوري المالكي عبد الحليم الزهيري”.

وأشار المصدر الى ان الزهيري “كان الرابط المشترك بينهما من خلال نقله لرسائلهما بشكل خاطئ ما ادى الى خلط المعلومات وفشل العلاقة”.

والمالكي أيضا هو من دعاة دعم دور إيران في سوريا وبقاء بشار الاسد كما لم يتوان المالكي عن إبراز دعمه لشيعة البحرين ولم يتردد في مهاجمة نظام الحكم في البحرين، ويقف المالكي بقوة مع الانقلاب الحوثي في اليمن.

وتصف إيران وجودها في العراق بأنه لدعم حكومة حليفة ضد الإرهاب وهو أحد أهم المسوغات التي بررت بها طهران تدخلها الاحتلالي في العراق، كما بررت بها أكبر مرجعية شيعية في النجف بقيادة رجل الدين المتنفذ علي السيستاني تشكيل مليشيات الحشد التي تتهيأ لتتحول إلى “حرس ثوري” كتأكيد حاسم للزمن الشيعي والإيراني المقبل في العراق.

ويؤكد محللون أن المالكي عائد لا محالة لحكم العراق سواء عبر إسقاط الحكومة أو بعد أول انتخابات تشريعية مقبلة، أولا لأن طهران جرّبته في حكم العراق سابقا واستفادت كثيرا من حكمه، وثانيا لأن سيكون من اشد حلفائها برغبته أو من دونها، إذ أن المالكي الذي يحقد على المملكة العربية السعودية العدو اللدود لإيران في المنطقة لن يكون أيضا حليفا اميركيا سهلا لأنه لم ينس أن الولايات المتحدة هي التي ازاحته من السلطة بعد سقوط مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، وعلى نحو مريب بأيدي تنظيم الدولة الإسلامية، وجاءت بالعبادي خلفا له.

ولاحقت الاتهامات نوري المالكي بأنه هو من أمر القوات العراقية بالانسحاب وعدم قتال التنظيم الإرهابي ليصل العراق إلى ما وصل اليه، كما أن هذه الاتهامات ذهبت الى حد اعتبار ان هذا الانسحاب قدم خدمة استراتيجية كبيرى للإيران حيث أعطاها “المشروعية” للتوغل أمنيا وعسكريا في العراق وبشكل استعراضي أمام العالم.

وسمح التدخل الإيراني المعلن في إيران باختبار ضعف إرادة القوى الدولية الكبرى في منعها من التوسع أكثر في أكثر من دولة عربية، لتعلن لاحقا مشاركة قوات إيرانية أو مليشيات شيعية حليفة و قوات مرتزقة جمعتها من دول عديدة كالعراق نفسه أو لبنان وأفغانستان وباكستان للقتال دفاعا عن بشار الأسد وعن مشروعها في سوريا وفي اليمن ولتقول على الملأ، أنها تحتل أربع عواصم عربية.

ورغم أن المحللين لا ينفون وجود صعوبات أمام عودة المالكي لرئاسة الوزراء ربما بسبب تجربة الفيتو الأميركي ضده بعد فوزه في الانتخابات التشريعية الأخيرة، فإن تغير الأوضاع في العراق والشرق الأوسط بشكل درامي خلال العامين الماضيين، تجعل كل الاحتمالات واردة بما فيها عودة المالكي لرئاسة الوزراء في العراق.

كلمات دليلية
رابط مختصر