هزة “السوخوي” الاستراتيجية لا يمكن قياسها (فيديو)

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 30 سبتمبر 2016 - 3:09 مساءً
هزة “السوخوي” الاستراتيجية لا يمكن قياسها (فيديو)

لم تكن الأبواب التي حاولت الولايات المتحدة فتحها للدخول إلى مجلس الأمن ومحاولة إصدار قرار دولي تحت الفصل السابع المتعلق بسوريا الوحيدة التي أوقفتها روسيا ومنعت وصول بعض الدول لغاياتها منذ حوالي العام بل كان للوجود الروسي الشرعي عبر القاعدة الجوية التي أقيمت في منطقة حميميم باللاذقية التأثير الأكبر.

شرعية الوجود لم تكن السماء السورية يوماً محرمة على الطيران الروسي، فمنذ دخول سلاح الجو إلى صفوف القوات السورية في منتصف القرن العشرين والسماء السورية تحتضن طائرات “السوخوي” و”الميغ”، إلا أنه في ظروف الحرب الحالية الطارئ الجديد على هذه السماء هو الطيار الروسي وليست الطائرة. أحد ضباط العمليات الجوية أكد لـ”سبوتنيك”، أنه في سياق تطورات المعركة “لقد أحدثت “سو — 24″ تطوراً وتبدلاً نوعياً، حيث وضعت حداً لطموحات المجموعات الإرهابية والدول الداعمة لها”. وأضاف أنه عندما توجه الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو برفقة طائرتين روسيتين للقاء الرئيس بوتين كان الطيارون الروس يحزمون أمتعتهم ويجهزون طائراتهم للهبوط في حميميم، حينها أكد الرئيسان أن التواجد الروسي في السماء والأرض السورية هو شرعي ومطلب حكومي وشعبي باعتبار الرئيس الأسد يمثل القيادة السياسية والعسكرية من جهة، وضمير الشعب السوري الذي انتخبه ثلاث مرات متتالية من جهة أخرى.

إيران وفاق وسجال

نشرت إحدى الصحف الأوروبية مقالاً حول حصول خلافات عميقة بين الروس والإيرانيين أفرزتها الأزمة السورية وضرورة حصر الدفة بيد واحدة فقط، لاسيما دفة الحرب الاستخباراتية والعسكرية، وهنا ما لم يكن يدركه الغرب أن الوجود الروسي لم يكن يوماً يحمل في أجندته إلغاء الدور الإيراني أو حتى التقليل منه، فالدور الإيراني كان ولا يزال دوراً مؤثراً وفاعلاً ولكنه في إطار الدعم اللوجستي والاستخباراتي، وهذا لا يتعارض مع الدور الروسي العسكري والسياسي، بل على العكس يحدث تكاملاً منطقياً يصب في حماية الشعب السوري وإنهاء حالة الحرب المستعرة.
الطائرة الروسية والمرحلة الجديدة

في صباح ذاك اليوم لم يستطع الرئيس التركي النوم جيداً من هدير الطائرات الروسية حين استفاق على صوت طائرة “سو — 24” التي كان يقودها الطيار الروسي “أوليغ بيشكوف” وهو يصطاد قطعان الإرهابيين المنتشرة بين سهل الغاب وجبال اللاذقية وإدلب، فلم يكن في الحسابات التركية ردة الفعل الروسية جراء استهداف طائرة “بيشكوف” من قبل المقاتلتين التركيتين الأمر الذي اعتبره الرئيس بوتين “طعنة في الظهر”.. وقد رأى مراقبون آنذاك أن نتائج العمل الأخرق للرئيس التركي ستكون كارثية على الدولة التركية والاقتصاد التركي وحتى المستقبل السياسي والأمني للسلطة العثمانية التي طال حلم السلطان أردوغان بأمجادها. ومنذ ذلك اليوم انتقلت المعركة من الغرف المغلقة والبيانات الإعلامية بين الدول العظمى في المنطقة والعالم إلى ساحات القتال الميداني وخطوط الجبهات المتقدمة، فمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا وأصابع الاتهام التي وجهتها وسائل الإعلام والقنوات الدبلوماسية التركية إلى إدارة أوباما لإيوائها “فتح الله غولن” المتهم الأول بحادثة الانقلاب جعلت الانقلاب ينجح، ولكن ليس لصالح من نفذه وإنما باتجاه تصحيح المسار التركي والتوجه إلى معرفة الأحجام الحقيقية في المنطقة، وما كان بعد الانقلاب الفاشل إلا انقلاب آخر ولكنه ناجح بالنسبة للسياسة التركية، حيث توجه أردوغان مباشرةً إلى روسيا ليرسم مع الرئيس بوتين خطوط المرحلة القادمة التي تعطي للأتراك دوراً يتناسب مع حجم بلادهم الحقيقي في المنطقة.

ألكسندر بروخورينكو يعيد تدمر للإنسانية

بعد مرور حوالي العام على سقوط المدينة الأثرية المسجلة على لوائح اليونسكو كأهم معلم أثري في العالم بيد تنظيم “داعش” الإرهابي، استطاعت الدولة السورية بمساندة حقيقية ومباشرة من القوات الروسية استعادة هذه الحاضرة الأبدية، فقد قام “داعش” بنشر القتل والدمار في كل أنحاء المدينة وهجر معظم أهلها من قبل الإرهابيين، ولا يمكن للتاريخ الذي احتضن تدمر أن ينسى يوماً الملازم أول ألكسندر بروخورينكو، ذلك الضابط الروسي الذي آثر أن يستشهد على الأرض السورية فداءً للتاريخ والإنسانية على أن ينسحب أو يطلب النجدة، كان بروخورينكو، ضابط العمليات الخاصة، يقوم بمهمة تحديد الأهداف واستدعاء الضربات الجوية من قبل الطيران الروسي، وحين أحس بمحاصرة مجموعات “داعش” للنقطة التي كان متواجدا فيها، اتخذ القرار وأنجز آخر مهمة له حين أعطى الإحداثية الأخيرة التي كانت هي موقعه تحديداً، وبذلك استشهد الرجل وارتفع التاريخ مجدداً ليصل دماء زنوبيا بدماء ذلك الجندي الروسي البطل.
هل خوف أمريكا أفقد طياريها صوابهم

يكاد لا يخلو في صحيفة أو نشرة تلفزيونية أو إذاعية في الولايات المتحدة إلا ويتضمن الحديث عن الوجود الروسي في سوريا ومستقبل المنطقة بأكملها والدور الروسي والخوف من ازدياد تناميه على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والخليج وشمال أفريقيا، وفي هذا السياق ظهرت حادثة جبل الثردة في دير الزور لإيصال رسالة للوجود الروسي أكثر مما هي رسالة للجيش العربي السوري مفادها أن القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة لا تزال موجودة ولا يمكن لأحد تجاهلها أو العمل من دون وضعها في حساباته الدقيقة.. وأفاد أحد الضباط الناجين من الغارة الأمريكية لـ”سبوتنيك”، بأن الطيران الأمريكي لم يكن يستهدف مقرات ومهاجع الجنود السوريين بالخطأ كما أعلنت الخارجية الأمريكية، والدليل على ذلك أنه سبق الاستهداف طلعات جوية لطيران الاستطلاع الأمريكي، حيث حدد الموقع وتوزع القوات علماً أن علم الدولة السورية كان يرفرف ويعلو فوق المباني والغرف والدشم، وبعد ذلك حصل استهداف الطائرات الأمريكية لمواقع الجيش السوري وأدى إلى استشهاد أكثر من 60 عسكريا وإصابة أكثر من 100 آخرين حيث اعتقد الأمريكيون أن طائراتهم استطاعت أن تصيب الكرملين في موسكو، ولكن الأمر الذي أدركه الرئيسان بشار الأسد وفلاديمير بوتين أن حجم الضعف الكبير الذي وصلت إليه إدارة أوباما هو ما دفعها للهروب إلى الأمام والعودة لسياسة الاستعراض الهوليوودي. اليـــوم وبعد مرور 12 شهراً على الوجود المباشر للقوات الروسية في سوريا أدرك العالم وبالدرجة الأولى الولايات المتحدة الأمريكية أن ملامح المنطقة تغيرت، وأن إملاءات كولن باول وشروطه عام 2003 على سوريا بعد أن دمر الكومندوس الأمريكي العراق لم تعد مقبولة ولا حتى للنقاش. إن إدارة أوباما ومن خلفها دول الغرب التي تستهدف سوريا أصبحوا في مأزق حقيقي أمام شعوبهم ليس لعدم قدرتهم على إسقاط النظام الشرعي في سوريا فقط وإنما لافتضاح أمرهم ودورهم في خلق وإيجاد وتمويل وتسهيل عبور الجماعات الإسلامية المتطرفة، والتي لا يزال جون كيري يسميها “المعارضة المعتدلة” مثل “حركة نور الدين زنكي في حلب، التي أشار إليها مندوب سوريا الدائم لدى هيئة الأمم المتحدة الدكتور بشار الجعفري، لافتا إلى صلتها المباشرة بالحكومة التركية. لقد أحدث الوجود الروسي في المنطقة هزة لا يمكن قياسها على جهاز ريختر لأن دوي ارتدادها لم يتوقف بعد، ويعتقد باحثون في مجال قياس الهزات الاستراتيجية أن يصل مدى تأثيرها إلى ما بعد المحيط الأطلسي.

رابط مختصر