كيف أنقذ الأردن الاحتلال الإسرائيلي بصفقة الغاز؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 28 سبتمبر 2016 - 2:02 مساءً
كيف أنقذ الأردن الاحتلال الإسرائيلي بصفقة الغاز؟

وسط انشغال الرأي العام الأردني بقضايا محلية مثل الانتخابات وحلّ مجلس النواب واغتيال الكاتب ناهض حتّر، أعلن الأردن توقيعه اتفاقية طويلة الأمد لاستيراد الغاز الإسرائيلي، بالرغم من الاعتراض بالإجماع الذي قدمه مجلس النوّاب الأردني المنحلّ، وبعد عامين من مذكرة التفاهم التي تعطل توقيعها لأسباب مختلفة.

إذا تركنا مناقشة موضوع توقيت الإعلان عن الصفقة، وهو ما يعتبر هامشياً، ستطرح أسئلة أكثر جوهرية وأهمية، ليس بالضرورة أن تكون إجاباتها في مصلحة الأردن اقتصادياً واستراتيجياً. لكن قبل طرح هذه الأسئلة لا بد من توضيح نقاط معينة؛ أولاً أن الصفقة تتحدث عن تزويد الأردن بالغاز الإسرائيلي من حقلين، تامار ولفياتان، وذلك عن طريق أنبوبين من نقاط مختلفة.

فمن حقل تامار سيتم تزويد شركات أردنية خاصة بالغاز عن طريق أنبوب يمتد من منطقة البحر الميت من الجانب المحتل، إلى الأردن، ووفقاً لصحيفة “غلوبوس” الاقتصادية العبرية سيبدأ هذا الأنبوب بالضخ خلال عام 2017. أما الاتفاق الثاني فقد عقد مع شركة الكهرباء الأردنية، والذي سيقوم الاحتلال بموجبه ببيع الغاز من حقل “لفياتان” عن طريق مد أنبوب جديد من منطقة بيسان شمالي الأراضي المحتلة، حتى الأردن.

ووفقاً لتقرير إسرائيلي اطّلع عليه “الخليج أونلاين” في صحيفة “ذا ماركر” الاقتصادية العبرية، فإن الصفقة تنص على بيع 45 مليار متر مكعب من الغاز على مدار 15 عاماً بقيمة 10 مليارات دولار، وإن ذلك تم بعد أن تنازلت الشركة الإسرائيلية عن 5 مليارات دولار إضافية كانت تطالب بها.

– كيف ستنقذ صفقة الغاز الاحتلال الإسرائيلي؟

منذ أن تم اكتشافه في البحر الأبيض المتوسط ووسط تجاذبات سياسية واقتصادية داخلية كثيرة، يبحث حقل الغاز “لفياتان” عن جهات تموّل تطويره، فهو ليس معدّاً بعد لاستخراج الغاز وتخزينه وتصديره. وللمصادقة على طلبات التمويل –في الغالب-تطلب الجهات المموّلة لمشاريع تطوير الحقل عقود بيع طويلة الأمد، تضمن وجود زبون قادر على شراء المنتج النهائي.

وهنا يذكر أن قائمة الزبائن المقترحين تقلصت مع الوقت لأسباب عدة. فمصر التي كانت أحد أهم الزبائن المتوقعين لشراء الغاز الإسرائيلي؛ إذ لديها تجربة سابقة تجعل الأمر أقل تعقيداً من الأردن، اكتشفت وجود حقول غاز ضخمة في مياهها الإقليمية؛ وهو ما يجعل خيار الاستيراد مؤجلاً إن لم يكن ملغى.

أما تركيا فقد بدت أحد الخيارات بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، خاصة خلال الأزمة السياسية العميقة التي عاشتها مع روسيا. إلا أن هذا الخيار لم يكن منطقياً ولا عملياً لعدة أسباب؛ فمن ناحية لا يمكن لسعر الغاز الإسرائيلي أن يكون منافساً للغاز الروسي الذي يعد المصدر الأساسي لتركيا، ثانياً إن العامل الزمني لا يجعل المشروع ممكن التنفيذ على المدى القريب، فالأزمة الروسية-التركية حلّت، والبدائل التي درستها تركيا لم تكن إسرائيلية.

هذا إلى جانب التكلفة الباهظة والوقت الطويل والعراقيل التقنية والسياسية التي تواجه أي مشروع مد أنابيب غاز بين حقل الغاز الإسرائيلي وتركيا. وعليه بقي الحديث بين الاحتلال وتركيا حول الغاز محصوراً في محادثات اتفاقية المصالحة التي أبرمت بين الطرفين، على أنه مشروع بعيد المدى، ومن ثم فلن يحل حاجة الاحتلال الفورية للاستثمار في المجال.

– الأردن.. الملجأ الأخير

وعليه بقي الأردن الحلّ الوحيد أمام الاحتلال ليبيعه الغاز. وهذا بالرغم من أن حاجة الأردن للطاقة لم تصل للحد الذي يجعلها بحاجة لاستيراده من “إسرائيل”. وهنا يذكر وفقاً لصحيفة ذا ماركر، أن الأردن بهذه الصفقة ضمن أن يباع 50%-60% من الكمية المراد بيعها لتحصل الشركات المسؤولة عن حقل الغاز الأموال اللازمة من المستثمرين لتطويره، وهو ما يعتبره الاحتلال “حجر أساس في طريق توقيع اتفاقية التمويل”.

وفي تصريح له قال وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شطاينتز: إن “الاتفاق سيثبت نفسه وسيؤدي لتطوير سريع لحقل الغاز لافيتان، بعد أن حوّل الاتفاق إسرائيل إلى دولة مصدّرة للطاقة والغاز الطبيعي”، واعتبر أن هذا الاتفاق هو بداية لاتفاقيات جديدة مع دول أخرى.

وفي هذا السياق يذكر أن الشركة الإسرائيلية وافقت على عقد الصفقة بالرغم من تنازلها عن 5 مليارات دولار، إذ كانت قيمتها المطلوبة 15 ملياراً؛ الأمر الذي يثبت حاجة الاحتلال للصفقة كخطوة استراتيجية واقتصادية هامة في طريق تعزيز قوته الإقليمية في مجال الطاقة.

ووفقاً لبورصة تل أبيب، توقف التداول في أسهم شركات لفياتان الثلاثة خلال ساعات الظهيرة؛ أي بعد صدور الإعلان عن الاتفاق، ومن ثم شهدت الأسهم ارتفاعاً غير مسبوق.

– ليس مجرد تطبيع

في حين يمكن وضع أي تحرك سياسي أردني تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي في ميزان التطبيع، يحمل القرار الحالي بتوقيع الاتفاق بشراء الغاز من الاحتلال الإسرائيلي أخطاراً استراتيجية وأسئلة أخلاقية أثقل من أن تقاس فقط بمقياس التطبيع نفسه.

فمن ناحية استراتيجية سيؤدي تصدير الغاز الإسرائيلي لشركة الطاقة الأردنية بالذات إلى ربط احتياج الأردنيين الأساسي واليومي والدائم بالاحتلال الإسرائيلي، بحسب معارضي الصفقة، وهو ما لم يكن حاضراً في السابق. هذا الارتباط سيشكل عائقاً جديداً أمام اتخاذ أي قرار سياسي سياديّ أردني يتعارض مع الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ سيبقي الغاز والكهرباء ورقة تهديد دائمة بيد الاحتلال، تماماً مثل الورقة التي يستخدمها الاحتلال ضد الضفة في موضوع تزويد الكهرباء.

من ناحية أخرى، ونظراً للمعطيات الإسرائيلية التي تتوقع تنشيطاً غير مسبوق في الاقتصاد الإسرائيلي وفي سوق الغاز والطاقة تحديداً، يعتبر الاتفاق الذي سيضخ 10 مليارات دولار في الخزينة الإسرائيلية مساهمة في تعزيز الأمن القومي لدولة الاحتلال، وتزويده بمصدر دخل إضافي لتقوية الترسانة العسكرية في وجه الفلسطينيين خاصة والعرب عامة.

كلمات دليلية
رابط مختصر