فيلم يوثّق مأساة الإيزيديّين يثير ضجّة داخل العراق

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 24 سبتمبر 2016 - 4:21 مساءً
فيلم يوثّق مأساة الإيزيديّين يثير ضجّة داخل العراق

قدّم المخرج حسين حسن فيلم “العاصفة السوداء” (THE DARK WIND) للعرض في مهرجان “دهوك” السينمائيّ الدوليّ الرابع، والذي ينعقد بين 9-16 أيلول/سبتمبر الحاليّ، وواجه اعتراضاً واسعاً من قبل الإيزيديّين قبل عرضه وأثناء عرضه في اليوم الأوّل من المهرجان، بسبب ما يتضمّنه من إساءة لهم، حسب وصفهم. ويقدّم الفيلم بشهادة مراقبين إيزيديّين صورة سيّئة عن المجتمع الإيزيديّ، ينكرها الإيزيديّون بقوّة ووضوح، ويعدّونها قلباً للحقائق في ملف من أكثر الملفّات حساسيّة، “ملف الناجيات من قبضة داعش”.

وأكّد المدير التنفيذيّ لمنظّمة “يزدا” (Yazda) مراد إسماعيل لـ”المونيتور”: “بمجرّد رؤية مشهد الأب الإيزيديّ يقول لابنته المحرّرة بعد اختطافها من قبل داعش أنّها محرّمة ولا تليق بنا أو يرفع السلاح في وجهها، فهذا كافٍ لوحده لاعتباره مسيئاً للإيزيديّين”.

وكان سجّل المجتمع الإيزيديّ اعتراضه على الفيلم قبل عرضه، مطالباً بإيجاد تغييرات فيه، ولكن لم يلق إجابة من المخرج، حسبما قال الناشط الإيزيديّ قادر حسن لـ”المونيتور”: “قام مركز لالش المتخصّص بالإيزيديّة في محافظة دهوك بالإتّصال بالمخرج، وطلب منه مشاهدة الفيلم كاملاً قبل العرض الرئيسيّ. ثمّ قدّمنا تحفّظات إلى المخرج، وطلبنا منه حذف بعض اللّقطات المسيئة، خلال جلسة عرضه داخل قاعة مركز لالش في دهوك، حيث حضرها المخرج، ولكنّه لم يفعل، رغم وعده لنا بذلك”.

وردّ المخرج على اعتراضات الايزيديين في حوار معه في قناة الحرة بقوله: “لا يوجد لدي أي تعليق على اعتراضاتهم، لأنهم لم يأتوا لمشاهدته، بل أتوا ليقولوا لا للفيلم”، وقد استخدم المخرج تعابير قاسية ضد المعترضين، قائلاً: “أنهم بتصرفهم لم يحترموا ما حلّ بهم (من انتهاكات من قبل تنظيم داعش)”.

وأصدرت منظّمة “يزدا” في 11 أيلول/سبتمبر الجاري بياناً طالبت فيه بتدخّل القضاء ووقف عرض الفیلم، متطرقة إلى أسباب الاعتراض عليه، وجاء في البيان: “إظهار المجتمع الإيزيديّ من خلال الفيلم أنّه يرفض بناته يتنافى مع الواقع… حيث منذ الأيّام الأولى بعد الإبادة أفتى المجلس الروحانيّ بشأن التعامل الشرعيّ مع الضحايا، وحث الإيزيديّین والعالم على الإعتناء بالناجيات وتوفير كامل الدعم لهنّ”. وأشار البيان إلى أنّ منظّمة “يزدا” جمعت أكثر من ١٠٦٠ شهادة للناجيات ضمن برنامجها للتوثيق ومساعدة الناجيات، ولم تجد أيّ سيناريو حقيقيّ مشابه لسيناريو الفیلم.

أمّا الباحث والإعلاميّ الإيزيديّ خدر الدوملي فلخّص اعتراضه لـ”المونیتور” بالقول: “قدّمت الناجيات الإيزيديّات نموذجاً رائعاً يحتذى ليس في كردستان أو العراق فقط، بل في كلّ بلدان الشرق الأوسط، بمواجهتهنّ الشجاعة لما تعرّضن له من سبي واغتصاب واسترقاق جنسيّ، لكنهنّ تجاوزن المحنة وأصبحن رمزاً للتحدّي”.

وفي السياق ذاته، قالت النائبة الإيزيديّة في البرلمان الإتحاديّ فيان دخيل ببيان: “لم تحصل أيّ إساءة لأيّ ناجية، رغم أنّه تمّ إنقاذ نحو 2500 فتاة وامرأة خلال العامين الماضيين، لأنّنا مجتمع متحضّر ندرك أن ما أصاب بناتنا كان غصباً عنهنّ، وليس وفق إرادتهنّ”.

وطالبت بوقف عرض الفيلم وقالت: “ندعو الجهات المختصّة في إقليم كردستان إلى وقف عرض الفيلم المشؤوم ومنع مشاركته في أيّ مهرجان محليّ أو دوليّ، لأنّ هناك آلاف الشباب والرجال من ذوي المختطفات والناجيات الّذين يرون أنّ هناك إهانات لهم ولبناتهم بسبب هذا الفيلم الذي هو بذرة للفتنة ينبغي عدم السماح بنموّها من خلال وقف عرضه ومنع تداوله”.

ومن جهتها، نبّهت النائبة السابقة عن الإيزدييّين أمينة سعيد في حديث لـ”المونيتور” من خطورة عرض الفيلم على الناجيات اللّواتي ما زلن في قبضة داعش، “فلو شاهدته إحداهنّ فستستنتج أنّ الإيزيديّين لن يستقبلونها إذا ما نجت من داعش، وقد تقدمن على خيارات خطيرة”.

أمّا رئيس مؤسّسة “أديان” للتعايش السلميّ الناشط الإيزيديّ صائب خدر فقال: فضلاً عن أنّ معالجة الفيلم مثّلت استفزازاً مقصوداً للإيزيديّين من قبل الجهات المختصّة، بما فيها المخرج وإدارة المهرجان ومحافظة دهوك، رغم مطالبات الإيزيديّين بوقفه قبل العرض، فهي تشكّل جزءاً من مسلسل لإلهاء الشباب الإيزيديّ عن قضايا محوريّة أساسيّة تخصّ مستقبل إدارة مناطقه، بعد إنهاء وجود التنظيم في العراق.

وبدورها، اتّهمت عروبة بايزيد إسماعيل، وهي من سلالة الأمراء الإيزيديّين، في حسابها على “فيسبوك” الإعلام الكرديّ بتعمّده تشويه حقيقة المجتمع الإيزيديّ في طريقة تعامله مع الناجيات من قبضة “داعش” وتزييف الأحداث والحقائق، وقالت: “إنّ ذلك يشكّل خطراً تاريخيّاً علينا نحن الإيزيديّين كوننا مجتمعاً مسالماً يبحث عن السلام، بعيداً عن الحقد والكراهيّة”.

هناك جوانب خطيرة أخرى تنال مكوّنات عراقيّة أخرى أثارها الفيلم، تتعلّق بإقحام لقطة لشخص يوحي بأنّه شيعيّ في الفيلم. وأوضح السيّد زيد بحر العلوم من الحوزة العلميّة في النجف ذلك قائلاً: “إنّ الفيلم تضمّن رسائل مثيرة للقلق، فظهور رجل في الفيلم في سوق النخاسة يعرض سبيّة إيزيديّة للبيع، وهو يرتدي يشماغاً يضعه عادة الشيعة، لا سيّما طبقة السادة المنحدرين عن الرسول الكريم فيه تزوير بيّن للتاريخ، فليس فقط أنّه لا وجود للشيعة إطلاقاً ضمن تنظيم داعش، بل قد تطوّع العديد منهم لتحرير المختطفات الإيزيديّات، وهناك دور للمؤسّسة الدينيّة الشيعيّة بالوقوف مع الإيزيديّين في محنتهم”.

وقد تسبب معالجة كهذه سخطاً شيعيّاً يزيد من تعقيد رسالة الفيلم في هذه الفترة الحرجة التي تستعدّ فيها القوّات العراقيّة مع قوّات التحالف لتحرير الموصل من تنظيم “داعش”. ولخّص رئيس مؤسّسة الإيزيديّين في هولّندا حسو هورمي تعقيدات ذلك بالقول لـ”المونیتور”: “إنّ حشر الشيعة في مشهد بيع الإيزيديّات، والتمويل الذي حصل عليه الفيلم من مؤسّسة قطريّة وتزوير استقبال الناجيات، يجعل من الفيلم قنبلة جديدة قد تثير نزاعاً ذات طبيعة تتجاوز الإساءة إلى الإيزيديّين”.

إنّ الضجّة التي أثارها عرض الفيلم والرسائل التي تلقّاها المجتمع الإيزيديّ خصوصاً، والعراقيّ عموماً، تبيّنان مقدار الصعوبة التي يتلقّى فيها العراقيّون بمختلف طوائفهم قصّة احتلال “داعش” لمناطق من العراق والمأساة التي ترتّبت عليها وستظلّ هاجساً في أيّ عمليّة إعادة بناء ثقة في فترة ما بعد “داعش” بين مختلف الطوائف العراقيّة من جهة، وبين المواطنين والنظام السياسيّ من جهة ثانية.

سعد سلوم
كاتب مساهم, نبض العراق
سعد سلّوم أكاديميّ وصحافيّ عراقيّ متخصّص في شؤون الأقليّات العراقيّة وحقوق الإنسان وهو رئيس قسم البحوث في كليّة العلوم السياسيّة في جامعة المستنصرية وهو أحد الأعضاء المؤسسين في المجلس العراقي للحوار بين الأديان. وتركّز منشوراته على الأقليّات العراقيّة بما في ذلك: الأقليّات في العراق (2013) ومسيحيي العراق (2014) والسياسات والمجموعات العرقيّة في العراق (2014) .

كلمات دليلية
رابط مختصر