الرئيسية / ملفات و تقارير / هل تكفي 100 سؤال لفهم “داعش”؟

هل تكفي 100 سؤال لفهم “داعش”؟

da3esh-bookالكتاب: “الدولة الإسلامية في 100 سؤال” –
المؤلف: ماثيو غيدير –
الناشر: دار تالانديي، فرنسا – 2016 –

مراجعة: عبد الفتاح نعوم — إن القارئ العربي المهتم بأمر ما بات يعرف بـ”داعش”، أصبح يعرف الكثير من التفاصيل عن هذا التنظيم وخلفياته الفكرية، وما يتصل بها من أدوات اشتغال وأحلام بإقامة “دولة مستحيلة”. وبالتالي فالقارئ العربي قد يعرف أكثر من الباحث المتخصص غير العربي، وذلك أن مجرد وقع عبارات من قبيل: “الدولة الإسلامية، أو الخلافة” على أذن هذا القارئ، قد يجعله في غنى عن مطالعة الكتاب الذي نقوم بمراجعته في هذا المضمار.
وبالتالي فالفائدة التي تأتي من مراجعة هذا الكتاب، ليست سوى تلك الفائدة المتصلة بضرورة استطلاع الصورة التي يتم عبرها نقل موضوع “الإرهاب والتطرف” الجاري في منطقتنا، إلى القارئ غير العربي. فكتاب ماثيو غيدير يقوم بجعل القارئ الفرنسي والأوروبي قادراً على الاقتراب من عناوين عدة ذات صلة بتنظيم “داعش”، وذلك على نحو لا يمكنه الادعاء بالمزايدة على ما يعرفه المتابع العربي العادي، لكن مقصده أن يفهم الأوروبيون بعضاً مما يعيشه المواطن العربي. ولهذا فعنوان الكتاب الذي يختزله جاء في صيغة تبسيطية “الدولة الإسلامية في 100 سؤال”.
لكن هذا لم يمنع الأستاذ الجامعي الفرنسي ماثيو غيدير من أن يقدم تبريراً للغاية التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب. ففي نظره يكون التهديد الإرهابي قد أصبح أكثر بروزاً وجدية مع هجمات باريس لسنة 2015، وأصبح الخطر قائماً وفعلياً أكثر من الفترات الماضية. إلا أن المنظمات المسؤولة عنه لا تزال في منطقة الظل بالنسبة لغير المتخصصين. وهكذا أراد ماثيو غيدير أن يسلّط الضوء على آخر صيحات عالم “الإرهاب” ممثلة في ما بات يعرف بـ”تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المشار إليها اختصاراً بـ”داعش”. فقام غيدير بالرد على 100 سؤال افتراضي حول أصل هذه الدولة وتنظيمها وعملها، وقنوات دعايتها وفكرها وجيشها، وصلاتها مع المنظمات الإرهابية الأخرى، وطرق تمويلها، ومواقفها من العالم ومن فرنسا تحديداً.
يبدأ ماثيو غيدير كتابه بالتركيز على ما تعنيه عبارة “داعش”، أي الدلالة على “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، حيث أن نقل هذا الاختصار إلى اللغات الأخرى يطرح مشكلة في تحديد المنطقة التي تبسط “داعش” سلطاتها على جزء منها. فيظهر الفرق بين عبارتي Daech أو Daesh، حيث أن إدراج عبارة “الشام” مكان عبارة “سوريا” يحيل مباشرة إلى ما تعنيه الشام أي “سوريا الكبرى” بصورتها التي كانت عليها في ظل الإمبراطورية العثمانية سابقاً. وهي بالتالي تتكون من لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، ما يعني التعبير الذي يحمله اسم الشام عن طموح هذا التنظيم إلى تكسير الحدود التي أخذت في التشكل في الفترة الواقعة بين الحربين والفترة التي تلتهما.
لا يفوت غيدير التشديد على أن التنظيم إياه يرفض رفضاً قاطعاً أن يشار إليه بتعبير “داعش”، بل أن هذا التعبير هو من صياغة أعدائه ومنتقديه، فضلاً عن أن التسمية الأصلية نفسها لم تكن منذ البداية على هذا النحو. ففي ما بين سنتي 2006 و2013 كان اسم التنظيم هو “الدولة الإسلامية في العراق”، ثم أصبح اسمه “الدولة الإسلامية في العراق والشام بعد الطفرة الكبرى سنة 2013، لينتهي إلى اسم “الخلافة الإسلامية” أو “الدولة الإسلامية” بعد سنة 2014.
يعالج الكاتب الجذور القريبة للتنظيم المذكور، والتي تعود إلى حرب العراق سنة 2003، حيث قام الأردني أبو مصعب الزرقاوي بتأسيس تنظيم أسماه “التوحيد والجهاد”، ثم حمل نفس التنظيم اسم “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين”، وبعد اغتياله سنة 2006، تقررت تسميته باسم “الدولة الإسلامية في العراق” تحت قيادة أبو عمر البغدادي، والذي بعد اغتياله سنة 2010 تم تسليم القيادة لأبي بكر البغدادي، وصولاً إلى الفترة الراهنة.
وبحلول سنة 2011، حيث تقرر تاريخ رحيل القوات الأمريكية عن العراق، والذي تزامن مع بداية الحرب في سوريا، أخذ التنظيم منحى جديد، فقد انضم العديد من أعضائه إلى جانب المعارضة المسلحة للنظام السوري. وكانوا في ذلك الوقت يتمتعون بالدعم النشيط والواضح الممنوح من بعض الدول العربية (دول الخليج) والدول الغربية (فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية)، وكلها تعارض بشدة بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة.
يتوقف غيدير في مسار تعريفه المونوغرافي بتنظيم داعش عند شخصية أبي بكر البغدادي، فيورد المعلومات المتداولة عن نيله لشهادة الدكتوراه في الدراسات القرآنية، وعن تورطه في المقاومة العراقية التي جاءت نتيجة للتدخل الأمريكي في عام 2003، ثم سجنه من قبل الأميركيين وغيرها من تفاصيل سيرته، وصولاً إلى ظهوره خطيباً في مسجد الموصل، ثم إعلان نفسه “خليفة للمسلمين”، حيث ادعى لنفسه هذا المنصب الذي يحتاج إسالة الكثير من المداد في كتب الفكر الإسلامي القديم والحديث.
ومن هنا ينتقل غيدير إلى تعريف القارئ الأوروبي والفرنسي بما تعنيه مؤسسة “الخلافة” هذه، مشيراً إلى أن هذا المفهوم كان قد اختفى تقريباً، قبل أن يعيد البغدادي إعلانه. ويمضي غودير إلى التفصيل في هذا الجانب بالقدر المتناسب مع مستوى التلقي عند القارئ الأوروبي، حيث يتوقف عن مؤسسة الخلافة التي تأسست مباشرة بعد وفاة النبي محمد (ص)، وصولاً إلى “الخلافة العثمانية”، حيث أنه بالرغم من التطورات التي حصلت في بنى الأسر والدول التي تكونت وحكمت على امتداد 14 قرناً، إلا أن المسلمين ظلوا يعيشون تحت سلطة موحدة. وهذا هو الجانب الذي شكّل مخيالاً جمعياً للمتطرفين الحالمين باستعادة حلم الخلافة، ما يعني بأن هذا المستوى من النقاش الوارد في كتاب غودير ينتمي إلى الجذور البعيدة لتنظيم “داعش”. ولهذا فمهموم “الدولة الإسلامية” الذي يتقاسمه الكثير من الإسلاميين حسب غودير يشكّل العمود الفقري لفكرهم، باعتبار التجربة التاريخية للمسلمين، وتصورهم للدولة، ولدور الخليفة ومركزيته.
يرى غيدير أن أركان الدولة ممثلة في الإقليم والسكان ليست كافية لكي تكون هناك دول، بل ينبغي إسناد تلك الأركان بأسس قانونية أساسها الاعتراف الدولي والسيادة بما يعنيه ذلك من مشروعية قائمة على رضى الخاضعين. وبالتالي فلا مجال لاعتبار أي دولة ناجمة عن فتوحات أو توسعات أو سلطات استبدادية، اعتبارها حسب غيدير دولة بالمعنى المعاصر للكلمة، مثل ما هو الشأن في “دولة البغدادي”.
يحلل غيدير القدرات الدعائية للتنظيم، مركزاً على استخدامه لمجلة “دابق” التي تختزل إيمان التنظيم بالمعركة التي ستجري آخر الزمان في مروج دابق قرب حلب، واعتمادهم الانترنت والأشرطة المصورة البالغة الإتقان، وغيرها من أدوات الترويج والتميّز مثل الراية السوداء، واسم “بلاد الشام” واسم “أرض الحجاز”، وغيرها من التسميات التي تعود إلى الفترات الإسلامية السابقة، فضلاً عن اعتماد آلية الدعوة إلى الهجرة إلى أرض “الخلافة”، والتي تؤمن الخزان البشري للتنظيم.
يعطي غيدير لمحة عن مصادر تمويل التنظيم، ممثلة في الضرائب التي يفرضها، وتمويلات المتعاطفين، وبيع النفط والغاز، وهذه هي أهم مصادر تمويله التي انخفضت عائداتها بسبب قصف التحالف لمنابعها، بالإضافة إلى أن سيطرة التنظيم على البنوك تعطيه قوة مالية كبرى، فالاستيلاء على البنك المركزي العراقي جعل حوالي نصف مليار دولار في أيدي التنظيم، فضلاً عن أدوات صك العملة.
ينتهي غيدير بالتفصيل قليلاً في شأن تورط القوى الإقليمية والدولية في توفير بيئة ملائمة لتنظيم “داعش” كي ينتعش ويتمدد، فالدعم المالي والإعلامي لبعض الدول الخليجية، كان مسهلاً للتنظيم كي يحقق طفرته الحالية، من خلال التأكيد على أنه كان مجرد انتفاضة على “الطغيان الشيعي” الإيراني في العراق على “السنة”.
ينتقد غيدير كذلك التدخل التركي الذي تتداول تقارير عدة تورط أشخاص محسوبين على حزب العدالة والتنمية في دعم التنظيم، عبر التداخل معه في قضايا النفط والغاز وقضايا أمنية وعسكري مختلفة. كما يحلل دور القوى العالمية كروسيا والولايات المتحدة وبعض بلدان أوروبا.
إن كتاب ماثيو غيدير حول “الدولة الإسلامية في العراق والشام” لا يعدو كونه تجميعاُ لعدد من المعلومات التي يمكن اعتبارها مفيدة للقارئ غير العربي، لكنها بالنسبة للقارئ العربي تدخل في خانة “تحصيل الحاصل”، وربما هذا هو الدافع من وراء تأليف الكتاب، حيث تم نسجه على نحو بعيد عن أي قولبة تحليلية متينة، ولنا أن نقارنه بكتاب الأستاذ عبد الباري عطوان الحامل لعنوان “الدولة الإسلامية: الجذور، التوحش، المستقبل”.
فكتاب غيدير شبيه إلى حد بعيد بكتب الاستشراق التقليدية التي كانت تنقل إلى القارئ “غير الشرقي” مواضيع بعيدة عنه، تراعي الإمتاع والمؤانسة، والتعبئة أحياناً. فالربط بين الجذور القريبة للتنظيم المذكور، وبين الجذور التاريخية البعيدة، لم يجد له عمقاً منهجياً في كتاب غيدير، بالقدر الذي يسعنا معه الحديث عن اجتراح سبيل في التحليل والتركيب يمكّن من فهم الظاهرة في أبعادها الفكرية العقدية/ التاريخية، وفي أبعادها الجيوبوليتيكية/ السياسية الراهنة. ذلك أن تنظيم “داعش” هو في جانب منه يعتبر امتداداً لتطور تاريخي لتيار عقدي وفقهي إسلامي قديم، وفي جانب آخر منه هو استمرار لتثمير جيوبوليتيكي وإعلامي وسياسي ابتدأ مع الجهاد الأفغاني، ووصل به الأمر إلى توفير أجواء عالمية وإقليمية لنمو التنظيم على شاكلة “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف باسم “داعش”.
المصدر: الميادين نت

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تحرير الموصل أبرز حدث عسكري منذ أحداث حزيران 2014

بغداد/ المدى قبل عام، أعلن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي تحرير كامل الأراضي العراقية من ...

%d مدونون معجبون بهذه: