لماذا «صمتت» بريطانيا عن أسلحة اليورانيوم في العراق؟ … كاظم المقدادي أكاديمي عراقي

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 20 سبتمبر 2016 - 11:41 صباحًا
لماذا «صمتت» بريطانيا عن أسلحة اليورانيوم في العراق؟ … كاظم المقدادي أكاديمي عراقي

بعد انتظار 7 سنوات، نشرت «لجنة التحقيق في شأن العراق» البريطانيّة التي ترأّسها السير جون تشيلكوت، تقريراً عن نتائج تحقيقها في مسألة ضلوع بريطانيا في حرب العراق 2003. وغطّى تقرير «لجنة تشيلكوت» قرارات الحكومة البريطانيّة التي ترأسها آنذاك طوني بلير، بين عامي 2001 و2009، وكانت متضمّنة في قرابة 150 ألف وثيقة رسميّة. وشمل التقرير مقابلات مع ما يزيد على 150 شاهداً من الشخصيّات السياسيّة والعسكريّة والاستخباريّة في بريطانيا. وصدر في 12 مجلداً بمجموع 6 آلاف صفحة، احتوت قرابة 2.6 مليون كلمة.
ولخّصت صحيفة «الغارديان» محصلة التقرير بالكلمات التالية: «دولة دُمّرَت (العراق) وثِقة تهدّمَت (بريطانيا) وسمعة تحطّمت (إشارة إلى رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير)»، بأثر من غزو العراق في 2003. وخرجت «لجنة تشيلكوت» باستنتاجات مهمّة في شأن مشاركة المملكة المتحدة في الغزو، معلنة أنّ الحرب لم تكن ضروريّة، ومبرّراتها ليست مقنعة بمعنى أن العراق لم يشكّل حينذآك خطراً على المصالح البريطانيّة، ولم تثبت مزاعم امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. ووفق مختصّين بالقانون، أوحى تقرير اللجنة بعدم شرعيّة الحرب، وتجاوز الحكومة البريطانيّة قوانين الأمم المتّحدة في شأن الحفاظ على الأمن والسلام الدوليّين.

الصمت على «المُشِع»
من المآخذ على «لجنة تشيلكوت» أنّها لم تضمّ قضاة أو محامين، وكانت صلاحياتها محدودة في الاطلاع على الوثائق والتقارير السريّة. كما لاحظت صحيفة «الإندبندنت» البريطانيّة أن تقرير اللجنة لم يكن حاسماً في شأن ممارسة الخداع والتضليل والكذب مِنْ قِبَل بلير، ولا حتّى في شأن عدم قانونيّة الحرب ومشروعيّتها. وانتقد التقرير الأخطاء التي ارتكبها بلير من دون تحميله المسؤولية المباشرة عنها، كي لا يُساق إلى المحاكم كمجرم حرب. ويبدو أنّ المماطلة في تأخير نشر التقرير كانت تصبّ في ذلك المنحى، ولا علاقة لها بـ «الأمن الوطني البريطاني». وقبل عامين، اعتبر اللورد موريس، النائب العام السابق، عدم نشر نتائج التحقيق فضيحة وطنيّة.
ولعل المأخذ الأكبر هو تجاهل تقرير «لجنة تشيلكوت» الأسلحة الفتّاكة، خصوصاً ذخائر اليورانيوم المستنفد Depleted Uranium، وهي ذخائر مُشعّة ذريّاً استخدمتها القوات البريطانيّة والأميركيّة في الحرب، واستطراداً، تجاهل الكوارث الضخمة التي ألحقتها بالمدنيّين الأبرياء.
في المقابل، يحسب للجنة انفتاحها على من لديهم إثباتات ومعلومات تفيد التحقيق. استجابت منظمة «ميدآكت» MedAct وقدمت تقريراً مكرساً لأضرار النزاع على المدنيين والبيئة. وتتكوّن «ميدآكت» (مقرّها لندن) من مختصّين في الصحّة يهتمون بدعم حملات عالميّة عن الفقر والصراعات والبيئة.
وقبل سنوات قليلة، قدّمت «الشبكة البريطانيّة لأسلحة اليورانيوم»، تقريراً علمياً إلى «لجنة تشيلكوت» مكرّساً لذخائر اليورانيوم المستنفد، تضمّن أدلة علميّة عن أخطارها الصحيّة، ومدى سميّتها الكيماويّة والإشعاعيّة على العسكريّين والمدنيّين. وأشار التقرير إلى ارتباط ذخائر اليورانيوم بـ «مرض حرب الخليج» Gulf War Syndrome الذي طاول مئات آلاف العسكريّين، وانتشار الإصابات السرطانيّة والتشوّهات الخلقيّة في صفوف المدنيّين الأبرياء.
ولفتت «الشبكة البريطانيّة…» إلى تكرار استخدام الجيش ذخائر اليورانيوم في غزو العراق، على رغم علمه بأخطارها قبل الحرب بكثير، وفق تأكيدات البروفسور مالكولم هوبر، أستاذ الكيمياء الطبية في جامعة «سندرلاند». وكذلك أثبت الباحث دوغ وير، منسّق «التحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم» أن حكومة بلير أخفت بيانات عن خطورة ذخائر اليورانيوم، منتهكة القانون الإنساني الدولي.
ووفق خبراء دوليّين، يعتبر الاستخدام المكثّف لتلك الذخائر، فتكاً بالبشر وتدميراً للبيئة، إضافة لكونه مخالفة للقوانين الدوليّة المتعلّقة بالحروب. كذلك اعتبرت البروفسورة سعاد العزاوي استخدام تلك الذخائر في العراق، جريمة ضد الانسانية، مشيرة إلى أن أضرارها لا تميز بين المدنيين والعسكريين، وتستمر لفترات طويلة بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وكذلك أكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أنّ بريطانيا لا ترغب في التحقيق مع كبار القادة العسكريين والسياسيين، في شأن مسؤوليتهم المحتملة عن ارتكاب جرائم حرب في العراق.

تجاهل الضحية
من المؤلم أن الإعلام العالمي أولى اهتماماً كبيراً بما يتعلّق بطوني بلير في تقرير «لجنة تشيلكوت»، متجاهلاً أن الضحية الأساسيّة للحرب كانت الشعب العراقي وأرضه وبيئته وأجيال المستقبل فيه.
واستطراداً، حفل التقرير بمفارقات ضخمة، لعل أبرزها هو سقوط مزاعم
امتلاك «أسلحة الدمار الشامل» Weapons of Mass Destruction التي مثّلت أحد أبرز «مبررات» الغزو. وتذكيراً، أصر بلير أثناء تحقيق في العام 2010 على صحة ملف قُدّم في 2002 عن خطر أسلحة الدمار الشامل العراقية، زاعماً أنها تستطيع ضرب بريطانيا في 45 دقيقة!
وحتى في ذلك الوقت، كانت البرامج النوويّة ناشطة في ليبيا وإيران وكوريا الشماليّة في شكل محمل بالخطر، فيما أكّد خبراء الأمم المتحدة أنّ العراق تخلّص من جميع أسلحة الدمار الشامل عقب حرب «عاصفة الصحراء» عام 1991.
أثناء غزوها العراق في 2003، استخدمت القوات البريطانيّة والأميركيّة ذخائر اليورانيوم المشعّة التي تصنع من نفايات نوويّة ومواد خطيرة مشتقّة من اليورانيوم والبلوتونيوم وسواهما. واستطراداً، تجدر ملاحظة أنّ هناك مطالبة متصاعدة دوليّاً بحظر ذخائر اليورانيوم المستنفد بوصفها أسلحة دمار شامل.
واستطراداً، تجاهلت «لجنة تشيلكوت» مسألة ذخائر اليورانيوم والكوارث البشريّة والبيئيّة التي تسببت بها. ويذكر ذلك بتجاهل حكومة بلير للتحذيرات العلميّة التي صدرت من مؤسّسات علميّة بريطانيّة كـ «هيئة الطاقة الذريّة البريطانيّة» و «الجمعية الملكيّة البريطانيّة للعلوم»، وبعض القادة العسكريّين الكبار، كالجنرال الفرنسي بيير ماري غالوا الذي أعلن أمام المجلس الوطني الفرنسي في العام 2001 أنّ ذخائر اليورانيوم المستنفد سلاح فتّاك مشابه للأسلحة الكيماويّة المحرمة دولياً.
وفي 1998، حذّر العالِم الأميركي الميجور دوغ روكي والعالِم الكندي هاري شارما، مجلس العموم البريطاني من مغبة مواصلة استخدام تلك الذخائر.
وفي مؤتمر علمي، لفت البريطاني روجرز كوغهيل، وهو أستاذ في البيولوجيا التجريبيّة، إلى أنّ دخول جزيء من غبار اليورانيوم المستنفد إلى الجسم عبر التنفس واستقراره في غدة لمفاويّة صدريّة، من شأنهما الإخلال بجهاز المناعة في الجسم، والتمهيد لنشوء أورام خبيثة، وتشوّهات خلقيّة، وعلل مستعصية أخرى.
2,6 مليون كلمة من دون عبارة اعتذار يتيمة
لم تتردّد منظمة «ميدآكت» في اعتبار تقرير «لجنة تشيلكوت» غير جدي، كونه أهمل ضحايا الحرب العراقيين، وتجاهل معطيات موثّقة عن محنة هؤلاء الضحايا بسبب الغزو، على رغم ورود تفاصيل عنها في تقرير قدّمته «ميدآكت» إلى اللجنة. وكشفت المنظمة أنّ الحكومة البريطانية ضللت شعبها في شأن ضحايا أسلحتها، بل لم تسجل أعدادهم أصلاً! وأكّدت أنّ الحكومة تجاهلت تقارير طبيّة وثّقت تزايد الإصابة بالسرطان والتشوّهات الخلقيّة في البلقان والعراق، في الفترة التي تلت استخدام أسلحة اليورانيوم في المنطقتين.
وأسوأ من ذلك أعطت «لجنة تشيلكوت» عائلات الجنود البريطانيّين الذين أصيبوا أثناء غزو العراق، الحق في المطالبة بتعويضات، فيما أنكرت ذلك الحق عينه على نظرائهم العراقيّين، خصوصاً ضحايا ذخائر اليورانيوم. ولخّصت العالِمة الأميركيّة لورين مورين آثار تلك الذخائر بالإشارة إلى أنّ «المستقبل الجيني للعراقيين جرى تدميره».
في المقابل، اكتفى رئيس «لجنة تشيلكوت» بتسجيل أن الشعب العراقي «تكبّد معاناة كبيرة»، من دون أن يوصي بتعويضات أو الاعتذار لذلك الشعب. وأثار ذلك غضب كارني روس، مؤسس منظمة «ديبلوماسيون مستقلّون»، فيما عبّر نبيل نايلي، وهو باحث في الفكر الاستراتيجي في جامعة باريس، عن ألمه بالقول: «ضاقت 2.6 مليون كلمة حتى بجملة يتيمة تعيد لضحايا حرب همجية غير قانونية بعض الاعتبار». وفوق ذلك، سحبت الحكومة البريطانيّة تمويلها لشركة المحاماة البريطانيّة «بابليك انترست لويارز» Public Interest Lawyers التي أثبتت وقائع عن جرائم تعذيب وقتل خارج القانون جرت على يد جنود بريطانيين وطاولت مواطنين عراقيّين!
تدعو تلك المعطيات كلها إلى المطالبة بكل قوّة، بتحرّك عراقي أساسي وفعّال أمام «المحكمة الجنائيّة الدوليّة»، يستند إلى تقرير «لجنة تشيلكوت» وغيرها، للمطالبة بحقوق ضحايا غزو العراق بشريّاً وبيئيّاً، خصوصاً ما اتّصل منها بذخائر اليورانيوم.

رابط مختصر