بعد عامين من إعلانه.. ماذا حقق العبادي من برنامجه الحكومي؟

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 19 سبتمبر 2016 - 3:23 صباحًا
بعد عامين من إعلانه.. ماذا حقق العبادي من برنامجه الحكومي؟

عامان مرّا على اعلان البرنامج الحكومي “الشامل” من قبل رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، في أيلول العام 2014، والذي حمله الأخير ليكون خطته في الحكم بعد تسنمه للمنصب خلفاً لزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي. البرنامج الذي شمل كافة مرافق الدولة وبمحاور عدة، ظل هو العهد الذي يمسكه به المراقبين للشأن السياسي، ويقيمون الأداء الحكومي على أساسه، على الرغم من الانعطاف الذي شكلته “الإصلاحات”، ليأخذ بيدي العبادي بعيداً عن وعده الذي قطعه على نفسه وهو يقدم البرنامج.

واشتمل البرنامج على ستة محاور هي “عراق آمن ومستقر ـ الارتقاء بالمستوى الخدمي والمعيشي للمواطن ـ تشجيع التحول نحو القطاع الخاص ـ زيادة انتاج النفط والغاز لتحسين الاستدامة المالية ـ الاصلاح الاداري والمالي للمؤسسات الحكومية ـ تنظيم العلاقات الاتحادية – المحلية”.

وبدورها تفرعت المحاور الى تفاصيل رسمت صورة للدولة يتمناها القاصي والداني، فمن اقتصاد مزدهر الى امن مستتب، وأنظمة طبية وتعليمية على مستويات عالمية، بالإضافة الى الحث لتشريع قوانين مهمة كـ “قانون المحكمة الاتحادية، قانون مجلس القضاء الأعلى، وتشريع قانون حرية الاطلاع على الوثائق (تفعيل دور المواطن في الاطلاع على عمل الادارة العامة)”، ناهيك عن البطاقة الصحية، والاحصاء، وتعزيز مكانة العراق في المشهد الدولي.
اولا: عراق آمن ومستقر

وركز المحور الأمني على تعزيز القدرات الامنية والعسكرية عبر تعزيز قدرات الجيش العراقي (البرية، الجوية، البحرية، طيران الجيش، الدفاع الجوي) وتسليحها وتحديث البنى التحتية والتدريب، ودعم واسناد العمل الاستخباري، ودعم قوات الشرطة الاتحادية والمحلية، بالإضافة الى حماية المنشآت النفطية، وضمان امن وسلامة المواطن من خلال عدة إجراءات بضمنها “اخذ الاجراءات طويلة الامد للتعامل مع ظاهرة العنف والحد من عسكرة المجتمع وحصر السلاح بيد الدولة”.

وينظر المراقبون الى ان القوات الأمنية المسنودة بكافة الفصائل، والمتطوعين من أبناء العشائر، قد حققوا تقدماً ملحوظاً فيما يتعلق بالمواجهة المباشرة من تنظيم داعش الإرهابي، عبر قضم الأرض وتجزئة التحرير الى عدة عمليات، تحسب الى فترة العبادي، فيما يؤشرون في الوقت ذاته اخفاقاً فيما يتعلق بالسيطرة على العمليات الإرهابية.

وخلال العامين الأخيرين، ارتفعت إحصاءات ضحايا العمليات الإرهابية بشكل كبير، وخصوصاً في الفترة التي شهدت انطلاق عمليات تحرير الفلوجة، حيث أفادت الأرقام التي صدرت عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، بمقتلِ ما مجموعه 1,466 عراقياً وإصابة 1,687 آخرين جراء أعمال العنف والإرهاب والنزاع المسلح التي وقعت خلال شهر حزيران 2015 فقط.

فيما أخفق البرنامج حتى الان بتمرير قانون المحكمة الاتحادية، وقانون الضمان الاجتماعي، وقانون حرية الاطلاع على الوثائق بالنسبة للمواطنين، فيما يتعلق بالعمل التشريعي.

ثانيا: الارتقاء بالمستوى الخدمي والمعيشي للمواطن

وسعت الحكومة من خلال برنامجها الى “تحقيق مستوى معيشي وخدمي للمواطن يلبي متطلباته الاساسية في العيش الكريم عن طريق توفير خدمات صحية على وفق معايير عالمية وايصال الخدمات الاساسية من خلال تحسين نوعيتها من ماء وكهرباء”، بالإضافة الى “تطوير نظام الادارة المتكاملة للمخلفات وزيادة نسبة المناطق المشمولة بخدمات الصرف الصحي بما يتلاءم مع الزيادة الحاصلة بعدد السكان وبناء مساكن اقتصادية ملائمة والتوجه نحو استخدام الطاقة المتجددة والاستمرار بتنفيذ برنامج مكافحة التصحر وتطوير برنامج إنعاش الاهوار”.

وبحسب البرنامج ايضاً، فان الخطة سيتم العمل على تحقيقها عبر “الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية، وتطوير كفاءة المؤسسات التعليمية والبحثية، وتوفير الخدمات الاساسية للمواطنين (السكن والماء والكهرباء)، بالإضافة الى توفير بيئة صحية نظيفة، والاهتمام بالشباب والمرأة والطفل”.

وتوقفت أحلام الحكومة التي ترأسها العبادي عند كونها برنامجاً لا اكثر، متأثرة بعوامل سياسية وأمنية، على الرغم من تحقق بعضها، كالملف الخاص بادراج الاهوار ضمن لائحة التراث العالمي، والذي اتى من باب “العناية بالاهوار والسعي الى انعاشها”، لتختفي تدريجياً محاور مثل ” اعادة هيكلة القطاع الطبي، وانشاء البطاقة الصحية، واعتماد نظام التأمين الصحي، وتطوير البنى التحتية للتعليم العالي، وتأمين سكن مناسب للفئات الهشة في المجتمع، تنمية الاقتصاد وضمان حماية المستهلك”، وغيرها الكثير، مما يتجاوز كونه حلماً بعيد المنال.

ثالثا: تشجيع التحول نحو القطاع الخاص

ومثل القطاع الخاص في البلاد عقبة امام التقدم، وتحول البلاد نحو اقتصاد السوق المفتوحة، بعد انغلاقه على مدى السنوات الماضية، وعدم تنظيم عمل القطاع الخاص في قنوات تساعد في استثمار الإمكانيات الخاصة في انعاش الاقتصاد وازدهاره.

ونص البرنامج على ان “النمو الاقتصادي المستدام المولد للدخل يتوقف على مدى القدرة على تنمية القطاع الخاص لتوفير فرص عمل أفضل وتحمل مسؤوليته تجاه المجتمع واعادة تقسيم الادوار بين الحكومة والقطاع الخاص والذي يتطلب مراجعة القوانين والتشريعات التي تنظم العمل بما يؤمن توفير مناخ استثماري مشجع لجلب رؤوس الاموال فضلا عن تعزيز الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة وتوفير البنى التحتية الضرورية لخلق مصادر تمويل اضافية للموازنة العامة للدولة بدلا من الاعتماد الكلي على النفط”.

ووضع البرنامج عدة اليات لتحقيق هذه الغاية، منها “اعادة هيكلة الصناعات المملوكة للدولة والتحول التدريجي نحو القطاع الخاص، وتوفير البنى التحتية الضرورية، والنهوض بواقع الانتاج الزراعي والثروة الحيوانية، وتنمية مجالات التجارة والاعمال المصرفية، وتنمية مجالات التجارة والاعمال المصرفية”.

أحلام البرنامج الحكومي لم تكن لتتحقق في طبيعة الحال، لكونها في الغالب ناقشت الأهداف واهملت الطريقة التي يمكن من خلالها تحقيق هذه الأهداف، وخصوصاً فيما يتعلق بالاتفاقات السياسية ليجد العبادي نفسه، بعد كل الاحاديث عن الاقتصاد، يلهث وزراء الدولة الفلانية وصندوق النقد الدولي، والأندية، من جهة، وتأجيل الديون المفروضة على العراق من جهة أخرى، مدفوعاً بأزمة انخفاض أسعار النفط، وأموال طائلة هربت الى الخارج، وافرغت الموازنة العراقية من محتواها.

رابعا: زيادة انتاج النفط والغاز لتحسين الاستدامة المالية

واهتم البرنامج الحكومي للعبادي بشكل خاص بالسائل النفطي الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد العراقي، وعمليات انتاجه وتوزيعه، بغية تحقيق اكبر استغلال ممكن للمادة، ووضعها في خدمة المواطنين.

ولضمان الاستمرار بتوظيف تلك الايرادات في تقديم البرامج والخدمات للمواطنين أعلن البرنامج عن ان “الحكومة ستستمر بالعمل مع الشركات النفطية العالمية لزيادة رقعة الحقول النفطية المستكشفة وتطوير البنى التحتية الضرورية لزيادة الصادرات”.

ووضع البرنامج نصب عينيه “زيادة الطاقات الخزنية للنفط والغاز، وزيادة انتاج النفط والغاز وتحسين مواصفاته النوعية، وزيادة الطاقة التصديرية وتوسيع منافذها، واستغلال الغاز المصاحب وتقليل الكميات المحروقة منه، بالإضافة الى توسيع استكشاف الاحتياطي النفطي والغازي”.

وتمكنت الحقول النفطية من زيادة القدرة الإنتاجية لها خلال العامين الماضيين، حيث بلغ انتاج العراق النفطي بحسب “سومو”، 4.632 مليون برميل يوميا من النفط الخام في تموز ارتفاعا من 4.559 مليون برميل يوميا في حزيران الماضي، لكن الزيادة في الإنتاج لم تتمكن على كبرها من معالجة الازمة، بالنظر الى انخفاض أسعار النفط بمعدل النصف عنه في العام الماضي، بالإضافة الى الصفقات التي تعمل بموجبها الشركات النفطية في العراق، فيما يعرف بجولات التراخيص، لتضيف عاملاً آخر يرهق الإنتاج النفطي والمالية العراقية.

خامسا: الاصلاح الاداري والمالي للمؤسسات الحكومية

ولدورتين سابقتين ترأسهما خلفه نوري المالكي، شخص العبادي معضلة الفساد مبكراً، وأولى اليها اهتمام منفرد في برنامجه الحكومي، رأى من خلاله ضرورة تخليص المؤسسات التابعة لدولة من سلطة الحزب الذي يستولي عليها، وتطبيق الحوكمة الالكترونية، ومواءمة الإطار القانوني والسياسي المنظم للعمل المؤسساتي.

ووضع البرنامج الآليات الكفيلة بتحقيق الإصلاح المؤسساتي، وتحسين قدرات الوزارات عبر “تحسين وتبسيط اجراءات تقديم الخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة، والعمل على استكمال انجاز مركز التميز المؤسسي، وتفعيل نظام الخدمة المدنية، والاستمرار باصلاح نظام الادارة المالية، ومراجعة وتحديث التشريعات والأنظمة، والحد من ظاهرة تهريب وغسيل الأموال”، وغيرها الكثير من الإجراءات.

وفي ذات الاتجاه، جاءت المطالبات الشعبية التي عبرت عنها التظاهرات لتطالب بالقضاء على الفساد وفصل القضاء عن التأثيرات الخارجية. وتحت هذا الضغط، والنية بالإصلاح، اعلن العبادي عن حزم الإصلاح التي تبناها لتحقيق الإصلاح المنشود، والتي كان بضمنها الترشيق الحكومي وتقليل الانفاق، لتؤدي في النهاية الى شبه انشقاق بينه وبين سلفه المالكي، والذي رشق من منصب نائب رئيس الجمهورية حينها.

وخلال المدة هذه، عمل العبادي على تغيير وزرائه بآخرين “تكنوقراط”، لم ينتموا لأحزاب مشاركة في العملية السياسية تفادياً للضغط الذي قد تمارسه هذه الأحزاب. ليبدل بذلك واجهات الوزارات ويهمل الدرجات الخاصة، ورئاسات الهيئات، ما حال دون تحقيق الإصلاح بشكله الكامل.
سادسا: تنظيم العلاقات الاتحادية ـ المحلية

وجاء البرنامج الحكومي ليناقش ملف العلاقات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان من جهة، ونقل الصلاحيات الوزارية للمحافظات بغية التقليل من السلطة المركزية وتسهيل الإجراءات المتعلقة بالعمل الوزاري ومراجعات المواطنين.

وحدد البرنامج في سبيل ذلك عدة نقاط لتفعيل هذا المحور، من بينها “توزيع الصلاحيات الحكومية بين الاقليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم، والتخطيط لتفويض الصلاحيات، وتحسين التنسيق بين الوزارات والمحافظات والدوائر المحلية”.

إلّا ان العلاقات بين بغداد وأربيل من جهة، وبغداد والمحافظات الأخرى من جهة ثانية، ظلت تراوح في ذات المنطقة، خصوصاً وان الخلافات مع كردستان بلغت حد التهديد بالانفصال، فيما استاءت المحافظات من عدم نقل الصلاحيات الوزارية اليها.

وكان البرنامج قد نص على “منح الحكومات المحلية صلاحية ادارة المؤسسات التربوية والصحية والخدمية وان يقتصر دور الحكومة الاتحادية على الاشراف والمراقبة بموجب ضوابط عمل مركزية لكل قطاع، ومنح الحكومة المحلية سلطة تطوير الاجراءات الادارية حسب احتياجاتها المحلية، وصلاحية توسيع مصادر التمويل بغية تقديم الخدمات للمواطن”, الامر الذي لم تحقق منه الحكومة شيئاً على ارض الواقع.

ويشار الى ان الحكومة قد أعلنت عن برنامجها الحكومي في (9 أيلول 2014)، ما يعني مرور سنتين من عمرها الحكومي، ليتبقى امامها عامين آخرين، قبل انتهاء المدة القانونية لها.

كلمات دليلية
رابط مختصر