شمّر… « نداء القبيلة العابرة للحدود في زمن «داعش»

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 15 سبتمبر 2016 - 4:27 مساءً
شمّر… « نداء القبيلة العابرة للحدود في زمن «داعش»

بهزاد حمو ـ في صدر مضافة طينية طويلة، يجلس الشيخ حميدي دهام الهادي الجربا شيخ مشايخ قبيلة شمّر، يومياً، ومن حوله لفيف من أبناء القبائل العربية في منطقة الجزيرة. في تلك الغرفة الطينية في قرية تل علو مسقط رأس الشيخ في محافظة الحسكة السورية، يجري تصميم حلم قَبَلي يقوده. ينتشي كما «الزعماء» بمعطيات على الأرض يراها «مؤشرات لتحقيق الحلم»، لكنه يدرك في الوقت عينه صعوبة ما يطمح إليه.
بحسرة وثقة يختصر الشيخ اللوحة: «نحن حالة شاذّة في ظرف شاذّ وزمن شاذ».
في حزيران (يونيو) 2014 انتُخب الشيخ حميدي حاكماً مشتركاً لمقاطعة الجزيرة في الإدارة الذاتية، ليبدأ بذلك تحالف عسكري وسياسي متين بين قبيلة شمّر وذراعها العسكرية «قوات الصناديد» متمثّلة بالشيخ الجربا، والإدارة الذاتية. توصيف يرفضه الشيخ لجوهر هذا التحالف الذي يراه «علاقة شمّرية-كردية أصيلة، ليست سوى استمرار لأخوّة عمرها مئات السنين».
لاسم قبيلة شمّر وقع خاص على الأذن الكردية، إذ جمعتهما معارك عدة منذ استقلال سورية، كان الخصم في الكثير منها قبائل عربية أخرى. لاحقاً وعقب تشكيل التحالف الدولي لضرب «داعش»، خاضت قبيلة شمّر المغامرة إلى أقصاها، فانضمت إلى قوات سورية الديموقراطية، وخاضت أولى معاركها خارج «مضارب الديرة» في تل أبيض وكوباني.
على مسار آخر، يمضي الشيخ، انطلاقاً من قصره في تل علو، وبحزمٍ، في توطيد الصلات العشائرية في منطقة الجزيرة، العابرة للحدود السياسية بين العراق وسورية. هناك حيث تتشابه المعطيات على طرفي الحدود، تبسط قوات الصناديد سيطرتها. وخاضت حديثاً معركة تحرير الهول إلى جانب قوات سورية الديموقراطية بغطاء ودعم مباشرَين من التحالف الدولي. «هذا لا يعني أننا نعمل وفق خطة مشتركة، وإن كان يجمعنا هدف مشترك»، يقول بندر، نجل الشيخ وقائد قوات الصناديد. والشيخ بدوره يبدو غير راض عن «عقلية التحالف»، بل يرى الدول الفاعلة في أزمات المنطقة «مشاركة في صنع الإرهاب» من خلال سلوكها، مع من تصفهم بحلفائها على الأرض: «الغرب يريدنا إما إرهابيين أو مرتزقة. من دون أدنى شك، نحن نفضل أن نكون إرهابيين، على أن نكون مرتزقة».
المنطقة الممتدة من محيط بلدة تل كوجر المقابلة لربيعة العراقية، وصولاً إلى البحرة الخاتونية والهول جنوباً، بالإضافة إلى قرى في ريف القامشلي، هي ما تبقى من «ممشى مرعى» شمّر الذي كان يمتد يوماً «من حائل إلى النجف وصولاً إلى حدود إيران». ليست هناك حدود واضحة للمساحة الجغرافية التي يمكن أن تستوعب «حلم شمّر»، فالأمر متروك للحرب. ويؤكّد الشيخ تمسك البلاد بوحدة البلاد، لكنها في الوقت نفسه ترى الحدود العراقية – السورية عبئاً على «النسيج القبلي المتجانس» في الجانبين. هذا الرفض المعلن للحدود، لم يُترجم على أرض الواقع بإزالتها بعد، «لكن إذا حدث أي تقسيم جديد للمنطقة، فلا بد أن يكون للمشروع القبلي موطئ قدم فيها». في جميع الأحوال، يرى الشيخ أن الوقت ما زال مبكراً للحديث عن الحدود، «فهي ترسم بالدم».
ويقول: «لا يقتصر تأثيرنا على مناطق سيطرة قواتنا فقط. ثقلنا في كل أرضٍ تسكنها القبائل، وإن كانت محتلّة الآن من داعش». على الأرض تجد منظومة القيم القبلية «الأصيلة» التي يطرحها الشيخ مكاناً لها، في بيئة اجتماعية أنهكتها الحرب، بعد عقودٍ من سياسات ممنهجة أفقدت الناس كل قيمة مشتركة يملكونها. «لا نزال نحافظ على ثقافة قبلية يفهمها أبناء القبائل، ويحترمونها». العلاقة بين أبناء القبيلة وشيخهم يحكمها عنصران أساسيان: الطاعة شبه التامة للشيخ ولأصحاب الرأي، مقابل عمل الشيخ على توفير الحماية والأمان لأفراد القبيلة، ومراعٍ خصبة لمواشيهم.
وفي حالة شمّر والشيخ حميدي، يفاخر الرجل بأنه تمكّن من توفير «الحد الممكن» من الحماية لأبناء القبائل في منطقته، من خلال تحالفات «لم ترض كثيرين»، وعمل على «بثِّ الروح» في القبيلة لتحتل دورها في مشهد الجزيرة. ويعتقد أن إفساح المجال أمام القبيلة من جانب الأطراف الفاعلة في ملف محاربة الإرهاب، كفيل «بعودة 50 في المئة من أبناء القبائل الذين يقاتلون إلى جانب المتطرفين».
عوّاد (اسم مستعار) شمّري عراقي، قاتل إلى جانب تنظيم الدولة لفترة. لكنه لبّى «نداء القبيلة» «عندما استطاعت أن تؤمّن لي الحماية ضمن جسم اجتماعي متماسك، كما هي حال قبيلتي اليوم». مثل عواد العشرات، «بانتظار نداء من الوالد» كما يقول أحد أبناء الشيخ.
يستقبل الأخير في قصره وفداً من شيوخ عشائر عربية سورية وعراقية. يبدأ الضيوف حديثهم بتأكيد «الولاء المطلق» للشيخ، الأمر الذي يتلقفه «زخماً عشائرياً» لتحقيق مشروعه القبلي. المشروع الذي أطلق عليه اسم «العودة إلى القبيلة» كان شغله الشاغل منذ ريعان شبابه، مع مجموعة من شباب شمّر، «لردع أبناء العشائر العربية في منطقة الجزيرة حينها عن الانتساب إلى حزب البعث» بدايات حكمه في سورية.
يجلس إلى جوار الشيخ حميدي رجل مهيب في عقده الثامن. خاض أبو سالم مع الشيخ «تجربة نضال الستينات»، لكنه اليوم يبدو ضيفاً منهكاً، مقارنة برفيق دربه حميدي الذي يقع في المنتصف تماماً من ذكريات الستينات مع أبو سالم، و»نضاله» اليوم مع نواف، الإعلامي في قوات الصناديد، والذيب قائد أحد معسكرات القوات وأبو منجي القيادي الأمني… وبقية شباب شمّر الذين يستشهد بهم الشيخ لإثبات صلاحية مشروعه: العودة إلى القبيلة.

مشهد الجزيرة
أمضى نواف وأبو منجي أياماً مختبئين في براري جزعة والقادسية وغيرها من قرى جنوب شرقي القامشلي وصولاً إلى الحدود العراقية. «بعدما أصبحنا مطلوبين للنظام وجدنا نفسينا بلا ظهر. حينها قدِمت فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية إلى المنطقة، فكانت المنقذ الوحيد لنا». قاتل نواف في صفوف كتائب الفاروق مع عدد من أبناء قبيلته (شمّر)، وعمل في توثيق عشرات الضربات الجوية. مع صعود «داعش في المنطقة، كانت تختفي الفصائل الصغيرة، «تبايع أو تغادر أرض الدولة الإسلامية». انسحبت كتائب الفاروق أمام هذا التهديد، مثل غالبية الفصائل. بينما رفض نواف ومجموعته من شباب شمّر تسليم مناطقهم للتنظيم، إلى أن «لبّوا نداء القبيلة» الذي أطلقه الشيخ حميدي.
يقول الشيخ إنه «استشعر» منذ منتصف التسعينات خطراً محدقاً، على وقع «فشل المشروع القومي». في العام 1997 قام بجولة في عدد من الدول العربية، التقى خلالها زعماء ومسؤولين لإقناعهم بـ «أهمية دور القبيلة في صون الديرة». وكخطوة عملية، اقترح فكرة إنشاء «برلمان قبلي» اختار لندن مقراً له. وبدأ إصدار مجلة «الصناديد» الشهرية، «لنشر الثقافة والقيم القبلية». لكن، سرعان ما خفت صوت مشروعه، بعدما رفضت غالبية الزعماء تقديم يد العون له. إلا أنه لم يتنازل عن حلمه، بل اكتفى بإخفائه إلى حين تشكل ظروف موضوعية مناسبة. لتفتح السنوات اللاحقة لسقوط النظام العراقي، ومن ثم تزعزع دول وأنظمة المنطقة مع قدوم «الربيع العربي» ملف القبيلة مجدداً.
«كنا نتحدث للناس عن خطر لم يكونوا يرونه. أما اليوم فهم يعيشون تماماً ما كنا نحذّر منه».
في البدء، لم تحرك رسائل الشيخ شيئاً في المقاتلين من أبناء القبائل مع الفصائل المسلحة. «كنا نقاتل في سبيل هدف كبير اسمه الثورة وسورية، اتضح لاحقاً أنه ليس سوى وهم». يقول الذيب الذي يشرف اليوم على معسكر تدريبي تابع لقوات الصناديد على أطراف تل علو وفيه عشرات المقاتلين من أبناء القبائل العربية، بينهم ثلاثة شبان في العشرينات من أعمارهم قاتلوا سابقاً مع «داعش» في المنطقة، لكنهم يرددون اليوم مع بقية رفاقهم «هوسة» (أنشودة بدوية) تمجّد شمّر والشيخ حميدي.

مأسسة المشيخة خطوة لمأسسة القبيلة
سُئل أحد شيوخ القبائل العربية (العراقية) المقيم في لندن، عن سبب عدم وجوده في العراق بعد إطاحة صدام حسين. فأجاب: «أخاف ينتخيني (يطلب عوني) حد من ربعي وأخذله». بنية القبيلة كنظام اجتماعي، متمحورة حول شخصية الشيخ التي يجد فيها الناس ملجأً حين تتقطع بهم السبل. ويحرص حميدي على لعب هذا الدور ويجيده تماماً، لكن بكثيرٍ من الحذر. وكونه يحمل «لقبين» (شيخ قبيلة وحاكم مقاطعة) يتناقضان في الكثير من دلالاتهما، كان عليه أن ينيط بعض المسؤوليات بعدد من أبنائه الثمانية. وبهذا لن يضطر شخصياً إلى رد السائل، وبالأخص في الأمور التي تتعلّق «بتجاوزات قد يرتكبها إخوتنا الكرد بحقّ شخص أو عائلة عربية». لذا يتولى أحد أبناء الشيخ متابعة مشاكل يومية ضمن هذا الملف، ويحيلها إلى التفاهمات والقواعد التي تضبط علاقتهم مع الإدارة الذاتية. ويطمح بندر، النجل الخامس للشيخ، وقائد «جيش الصناديد»، إلى «مستوىً متطور من الانضباط والتنظيم العسكري». لكنه في الوقت ذاته، يصرّ على استخدام «الفزعة» للإشارة إلى «احتياط» القوات من الخزان البشري للقبائل.
وفي قصر الشيخ مكتب إعلامي يشرف عليه نجله حمود، مع طاقم مكون من عدة أشخاص، بينهم نواف. يصدر المكتب جريدة «الصناديد» الشهرية التي تتناول «شؤون القبيلة وتعمل على نشر ثقافتها، بالإضافة إلى تغطية الأخبار العسكرية وزيارات الشيخ والنشاطات المقامة في القصر»، بحسب أحمد العاصي رئيس تحرير الجريدة.
هذه الهيكلية لجسم «المشيخة» والتي تُطرح غالباً من دون مسمّيات وظيفية واضحة، تبدو تجربة أولية بالنسبة إلى الشيخ حميدي في سبيل «مأسسة القبيلة»، وتفعيل مستوياتها العسكرية والإدارية وحتى القضائية. فالقبيلة كنظام اجتماعي تقوم على مجموعة «قواعد وأعراف وقيم بدوية» ملزمة لجميع أفرادها.
لكن، لا يبدو من السهل المراهنة حتى النهاية على تلك «القيم» لتلعب دوراً في لم شمل القبيلة، وإعادة «عوارفها» مكان قضاة الدولة، و»حرمان» من اقترف عملاً مشيناً من التزاوج ضمن القبيلة «لينقطع نسله». فثمة مفاجآت وعقبات عدة تنتظر الشيخ في سعيه إلى تحقيق حلمه، وسط شبكة علاقات جديدة باتت تربط أبناء القبائل بمحيطهم. مشاريع سياسية وعسكرية كثيرة تنازعه أيضاً، في المنطقة التي يراها ثقله الطبيعي في منطقة القبائل.
علاوة على كل ذلك، فالـمشروع وعلى رغم الإشارات الإيجابية التي يتلقاها يومياً من زوّاره في القصر، يلقى الكثير من الانتقادات والاعتراضات من أوساط عشائرية عريقة، من ناحية التحالف مع حزب الاتحاد الديموقراطي، الحامل الرئيس لمشروع الإدارة الذاتية. لكن الشيخ يبدو متجاوزاً هذه النقاشات بأشواط، وعينه على عوامل تدعيم «تحالف المضطهدين» كما يسميه، والأخرى على الخرائط المتداعية.

رابط مختصر