قوات الحشد الشعبي والبحث عن دور سياسي: إعادة انتاج الأزمات

8asim sulaimaniفي حزيران (يونيو) أصدر آية الله علي السيستاني، المرجعية الشيعية في العراق، فتوى طالب فيها العراقيين بحمل السلاح وتأدية «الجهاد الكفائي» ضد تنظيم الدولة الإسلامية. واستجاب لندائه عشرات الألوف من الشبان والمتحمسين الشيعة وشكلوا كيانا بات يعرف بقوات الحشد الشعبي وهو مكون من عدد فصائل أهمها «منظمة بدر» و «عصائب أهل الحق» و «كتائب حزب الله» «وكتائب الإمام علي» وفصائل أخرى صغيرة. وشكل الحشد الشعبي القوة الرئيسية في مواجهة «تنظيم الدولة» في المناطق القريبة من بغداد التي حاول التنظيم السيطرة عليها وكذا محافظة ديالى القريبة من الحدود الإيرانية. وقاد الحشد الشعبي الهجوم على تكريت في العام الماضي حيث فشل في اقتحامها نظرا للفوضى التي طبعت الهجوم الاول قبل ان يتدخل الطيران الأمريكي ويتراجع الحشد فاتحا المجال أمام القوات العراقية لقيادة العمليات. وفي نفس السياق ثار جدل حول مشاركته في تحرير مدينة الرمادي من سيطرة تنظيم الدولة هذا العام، على خلفية مخاوف من ارتكاب عناصره مجازر وانتهاكات كما فعلوا في جرف الصخر وديالى وتكريت. وذكرت تقارير غربية أن مقاتلي الحشد شاركوا في الرمادي إلا أن مشاركتهم كانت واضحة في معركة الفلوجة الأخيرة حيث بدا هادي العامري، زعيم منظمة بدر وقائد الحشد الشعبي، في المقدمة. وبدأت عملية الفلوجة بتصريحات ذات نبرة طائفية ورفعت فيها الأعلام التابعة للميليشيات الشيعية وصدرت تصريحات اتهامية من قادته ضد أهل الفلوجة الذين عاشوا أكثر من عامين تحت حكم تنظيم الدولة. وساهم الحشد الشعبي بدور مهم في تحرير المدينة حيث دخلوا إليها وتركوا شعاراتهم على جدرانها. وتعرض سكان المدينة للفرز بين الرجال والنساء والأطفال حيث نقل الرجال إلى معسكرات للتحقيق معهم. وذكرت تقارير صحافية تعرضهم للتعذيب ولا يزال هناك عدد منهم مفقودا ومات آخرون.

دور جديد

وتمثل معركة الفلوجة ذروة قوة الحشد الشعبي واعترافا به كمكون في المؤسسة العراقية. ونظرا للدور الذي لعبه الحشد أصبح قادته يتطلعون إلى لعب دور في السياسة العراقية. وثار جدل في الشارع العراقي حول إمكانية مشاركة فصائل من الحشد في الإنتخابات المحلية (2017) والبرلمانية (2018) وهو ما حدى بالمفوضية العليا للإنتخابات إلى الإعلان في 28 آب (أغسطس) عن منع تسجيل أي كيان مرتبط به في الإنتخابات نظرا لأن هذه الفصائل عسكرية ومرتبطة بالأجهزة الأمنية والجيش. وبحسب تقرير في موقع «المونتيتور» (7/9/2016) فهذه الفصائل لا تنفي نيتها المشاركة في العملية السياسية ودخول البرلمان ولعب دور سياسي في تشكيل الحكومات. ويستند قادة هذه المجموعات المسلحة على السمعة التي بنوها باعتبارهم القوة الرئيسية التي ساهمت في طرد جهاديي التنظيم من المدن والبلدات العراقية. وتثير خطط قادة الحشد الشعبي مخاوف الأحزاب السياسية والقيادات «التقليدية» في مرحلة ما بعد 2003. وعلق مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري والذي قاد التظاهرات ضد حكومة حيدر العبادي، قائلا إن دخول الفصائل «الجهادية» التي قادت الحرب ضد تنظيم الدولة يعتبر بمثابة انتحار سياسي. وردت المفوضية العليا للإنتخابات بعد تصريحات الصدر ببيان اعتبرت فيه أن «هيئة الحشد الشعبي مؤسسة عسكرية لها ارتباط أمني بالأجهزة الأمنية وأن قانون الأحزاب السياسية يحظر تسجيل أي كيان سياسي يتخذ شكل التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية. كما لا يجوز الإرتباط بأي قوة عسكرية، كما نصّت عليه المادّة ثامنا/ثالثاً (البند الثالث من المادّة الثامنة من قانون الأحزاب السياسيّة)». ورغم ذلك فقد تعاملت المفوضية مع الحشد الشعبي كمؤسسة من مؤسسات الدولة وإن كانت مرتبطة بالأمن أو الجيش. وهناك من مكوناته من له تكوينات سياسية وممثلين في البرلمان مثل «عصائب أهل الحق» و»منظمة بدر».

العامل الإيراني

ويبدو أن المفوضية التزمت بالخطاب الرسمي وهو تصوير الحشد بأنه مؤسسة تابعة للجيش العراقي وتأخذ أوامرها من القائد العام للقوات المسلحة إلا أن الشواهد وما ظهر على أرض الواقع مختلف، فهذه الفصائل لا تأتمر إلا بأوامر قادتها ومموليها الإيرانيين خاصة أن قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، ظهر في محيط مدينة الفلوجة أثناء العمليات وبدا مع العامري في جلسة تخطيط للمعركة. ويحتفظ العامري بعلاقة صداقة مع الجنرال الإيراني نظرا لمشاركتهما معا في الحرب العراقية ـ الإيرانية وما لعبه العامري من أدوار عسكرية ضد نظام صدام حسين. ويرى موقع «مونيتور» أن الحشد الشعبي قد يشارك في الإنتخابات مثل غيره من الفصائل الميليشاوية ومن الباب الخلفي، أي عبر الأحزاب السياسية التقليدية.

تلميع الصورة

وسواء وصل قادة الحشد إلى البرلمان أم لم يصلوا فهم يشعرون أن استحقاقا سياسيا ينتظرهم بسبب الدور الذي لعبوه في حرب تنظيم الدولة. وجرى تصوير الحشد بأنه القوة الحقيقية التي واجهت الجهاديين فيما جرى وصف الجيش العراقي بالضعف وأنه المؤسسة العسكرية التي لم تتعاف من هزيمة حزيران (يونيو) 2014 في الموصل وبالمؤسسة التي تعاني من الفساد. وقد اشترى عدد من الصحافيين الأجانب هذه الصورة. وبدا هذا واضحا في تقارير الصحافي باتريك كوبيرن الذي عادة ما يتحدث عن الميليشيات الشيعية والكردية (البيشمركة) في العراق كونها القوى الرئيسية التي أوقفت تقدم تنظيم الدولة، أما في سوريا فهو دائما ما يشير إلى الدور الذي تلعبه قوات حماية الشعب التابعة لحزب الإتحاد الديمقراطي في مواجهة تنظيم الدولة في سوريا. وكوبيرن وإن لم يدافع عن أي من هذه الأطراف إلا أن تقريرا مثيرا للجدل صدر في الشهر الماضي انتقد فيه كاتبه سياسة الولايات المتحدة في العراق وسوريا. ونشره موقع «وور أون ذا روكس» باسم مستعار خوفا على حياة الكاتب الذي قال إنه لا يزال يعمل في المنطقة ولديه خبرة واسعة في السياسة العراقية والسورية. ومجمل ما جاء في مقال سايروس مالك «أساطير واشنطن السنية والحرب الأهلية في العراق وسوريا» (16/8/2016) فقوات الحشد الشعبي هي قوات «شرعية» وانتقد ما أسماه «جنسا أدبيا» ظهر في مرحلة تحرير الفلوجة ووصف مقاتلي الحشد بالطائفية. وزعم أنه وباستئناءات قليلة لم ترتكب هذه الفصائل عمليات انتهاك واسعة للسكان السنة في خلال الحرب ضد تنظيم الدولة. وأن الدمار الذي حل بالقرى السنية كان عملية انتقام قبلي في معظمه. وقال إن الحشد ليس «شيعيا» بالكامل بل وهناك قوات سنية قدر عددها بحوالي 7.000 مقاتل من أبناء العشائر. ويعاند الكاتب الحقائق على الأرض عندما يقول إن من يتهم الحشد الشعبي بانتهاك السنة ما عليه إلا أن ينظر إلى تكريت وسامراء اللتين طرد منهما تنظيم الدولة ويكتشف أنه «لم يتم انتهاك السنة بعد تحريرهما»، وهناك أدلة واسعة عن انتهاكات وحرق بيوت ومنع سكان تكريت من العودة إليها. إلا أن الكاتب يمضي في عناده للحقيقة عندما يقول إن أهل العامرية والأعظمية هما حيان أو جيبان من جيوب السنة في العاصمة بغداد ويحظى السنة فيهما بحراسة قوات الامن العراقية ذات الغالبية الشيعية.

انتهاكات

وخلافا لعملية تلميع القوات هذه تحدثت منظمات حقوق الإنسان عن ارتكابها انتهاكات ضد السنة، يقول مالك إن الحشد الشعبي الآن ذو الغالبية الشيعية يحاول تحرير محافظة الأنبار ذي الغالبية السنية من تنظيم الدولة. كل هذا مع وجود تقارير لمنظمات حقوق الإنسان الغربية التي ذكرت أن ما بين 600 -900 شخص أصبحوا في عداد المفقودين بعد عدة عمليات في الأنبار. وتم ضرب وتعذيب أكثر من 600 من الفلوجة. ويرى مالك أن الحشد الشعبي بحاجة إلى قانون يضبط أفعال مقاتليه إن أراد التحول إلى مؤسسة معترف بها وذات شرعية وتحظى بدعم من الأمريكيين والإتحاد الأوروبي. وسجلت منظمات حقوقية ممارسات الفصائل التابعة للحشد الشعبي، خاصة منظمة «هيومان رايتس ووتش» التي اتهمت عصائب الحق وبدر بارتكاب مذابح في جامع بديالى (2014) وقتل وتدمير بيوت بالمقدادية ( 2016) وأمرلي وتكريت، كما ذكر موقع المنظمة في تقريره عن أحداث عام 2015 في العراق. ومهما يكن فصعود قوة ذات ارتباطات بدول خارجية، إيران، وبتاريخ من القمع وتأهيلها سياسيا لن يكون إلا تكرارا للحالة العراقية التي بدأت بالغزو الأمريكي حيث استلمت جماعات سياسية وعسكرية الحكم وقامت بعملية تطهير. والعامري الذي يقود الحرب ضد داعش كان جزءا من عملية التطهير والقمع التي جرت للسنة بعد الغزو، سواء في سجن الجادرية أو عمليات التصفية في مرحلة تعتبر من أسود الفصول في تاريخ العراق الحديث.

عودة الدائرة

ومن هنا فصعود قوة بهذا التاريخ في السياسة أو حتى إعادة تأهيلها لن يحل من المشاكل التي أدت إلى ولادة تنظيم الدولة ومنها شعور أهل السنة بالمظلومية والقمع الذي قام به نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق. وسيؤدي تطور كهذا إلى منع المصالحة بين أطراف الشعب العراقي خاصة السنة والشيعة. وفي الوقت الحالي يركز الحشد عملياته على تنظيم الدولة، إلا أن عينه على المستقبل واستحقاقات المرحلة المقبلة. وفي غياب الخطة الأمريكية وتراجع نفوذ واشنطن فالعناصر التي أدت إلى حروب واقتتال ستظل كامنة، ولا يعني القضاء على تنظيم الدولة نهاية الخطر الجهادي بل تفاقم الخطر كما ورد في تقرير مارتن شولوف «الغارديان» (7/9/2016). ويواجه تنظيم الدولة انتكاسات على كل الساحات خاصة العراقية مما زاد من آمال استعادة الموصل قبل نهاية ولاية باراك أوباما الثانية. إلا أن نهاية التنظيم، هزيمته أو سحقه، ستؤدي كما ورد في صحيفة «واشنطن بوست» (7/9/2016) إلى عشر حروب وهي التي كانت قائمة بالضرورة قبل عام 2013. والسبب هو اعتماد الولايات المتحدة على عدد من اللاعبين المحليين والإقليميين لهزيمة الجهاديين. ورغم تعامل هذه الأطراف مع تنظيم الدولة كعدو مشترك إلا انها تنظر لبعضها الآخر كعدو. وتشمل الحروب الجديدة مواجهات بين أكراد سوريا والمعارضة السورية، وحربا تركية ـ كردية، ومواجهة بين أكراد سوريا ونظام دمشق، والولايات المتحدة وبشار الأسد، وتركيا وسوريا، وأكراد العراق وبغداد. وكذلك مواجهة بين أكراد العراق والميليشيات الشيعية، وحربا سنية ـ شيعية وحربا كردية ـ كردية، وحربا بين بقايا تنظيم الدولة.
وحتى لو لم يتحقق أي من السيناريوهات المنظورة إلا أن غياب الحل السياسي المقترن بالنصر العسكري سيجعل من النزاع على الأراضي والسيادة حالة مستمرة ومدعاة لعدم الإستقرار، وبالتأكيد فصعود الحشد الشعبي في السياسة العراقية وحصوله على شكل من الإعتراف «مكافأة « له على حرب الجهاديين لن يساعد في تحقيق الإستقرار في العراق. وبحسب يزيد صايغ من مركز كارنيغي الشرق الأوسط: «في اللحظة التي يحصل فيها ما يمكن تسميته النصر على تنظيم الدولة، فإنك ستواجه المشاكل التي كانت سببا في هذه المشكلة بالمقام الأول». وأضاف صايغ في حديث مع «واشنطن بوست» (12/8/2016) أن المظلومية السنية التي أدت إلى صعود الجهاديين لم تُعالج، مما يعني عودة دائرة الحرمان والتهميش والتمرد مرة أخرى.

نقلا عن القدس العربي

الكاتب إبراهيم درويش

37total visits,1visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: