ضم الحشد الشعبي للمؤسسة العسكرية العراقية هل يلجم طموحاته وبرامجه؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 11 سبتمبر 2016 - 9:53 صباحًا
ضم الحشد الشعبي للمؤسسة العسكرية العراقية هل يلجم طموحاته وبرامجه؟

بغداد ـ «القدس العربي»: يأتي اصرار الحكومة العراقية وقيادة الحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل من يد تنظيم «الدولة»، ليس لأهمية الموصل كأكبر مدينة بعد العاصمة العراقية، ولا لكونها المعقل الرئيسي للتنظيم في العراق، ولا لوجود بعض المدن ذات الاكثرية الشيعية في شمال العراق مثل تلعفر، بل لتثبيت دور الحشد في عملية التحرير واستثماره لاحقا كنجاز له، اضافة الى ضمان عدم استفراد السنة والكرد بقيادة وادارة المحافظة في مرحلة ما بعد داعش والترتيبات والتغييرات المتوقعة فيها.
ومع تزايد اهتمام الحكومة العراقية والايرانية بالحشد الشعبي من حيث زيادة ميزانيته واصدار التشريعات والقوانين لإعادة هيكلة تشكيلاته ومأسسة ارتباطه بالمؤسسة العسكرية والامنية العراقية، يبرز حرص شديد على الدور السياسي للحشد في المرحلة المقبلة ضمن المشهد السياسي العراقي، حيث انبرت قيادات في الحشد والاحزاب والتنظيمات الشيعية من أجل إبراز «منجزات» الحشد الشعبي في انتزاع المدن والمناطق من يد تنظيم «الدولة»، رغم ان الجيش العراقي كان له الدور الاكبر في تلك العمليات اضافة الى الشرطة الاتحادية. كما جرت محاولات لزج الحشد كمؤسسة ضمن الانتخابات المقبلة والتي فشلت نتيجة اعلان مفوضية الانتخابات عدم امكانية مشاركة هيئة الحشد الشعبي في الانتخابات لأن قانون الانتخابات يمنع مشاركة المؤسسات العسكرية في العمل السياسي، الا ان ذلك لم يوقف مساعي تعزيز الدور السياسي للحشد، حيث أخذ قادة الحشد يتسابقون في السعي للعب دور سياسي في المشهد العراقي مستثمرين الانجازات العسكرية، من خلال الاستقالة «شكليا» من الحشد وتكوين احزاب جديدة او الانضمام الى كتل سياسية موجودة فعلا.
وجاء قرار حكومة العبادي والتحالف الوطني (الشيعي) باعادة هيكلة الحشد الشعبي وجعله هيئة امنية وعسكرية مرتبطة بمكتب رئيس الوزراء وتوفير كل الاحتياجات والامتيازات له، لنسف دعوات تصاعدت من القوى العراقية، وخاصة السنية والكردية، بضرورة انتهاء دور الحشد الشعبي بانتهاء ظاهرة تنظيم «داعش» التي وجد بسببها، باعتبار ان تشكيل الحشد تم بناء على فتوى المرجع الشيعي الاعلى علي السيستاني في حزيران (يونيو) 2014 لمساعدة القوات العراقية في مواجهة ظهور تنظيم «الدولة» في المحافظات العراقية.
وكان رئيس المجلس الاعلى الاسلامي ورئيس التحالف الوطني حاليا عمار الحكيم، اكد في تصريحات مؤخرا ان الحشد الشعبي يجب تنظيمه لدور مهم لتحديات ما بعد مرحلة داعش، دون ان يحدد ماهية هذا الدور، كذلك يصر رئيس كتلة القانون نوري المالكي في تصريحاته ولقاءاته، على ان هناك مؤامرات لإنهاء دور الحشد مع التمسك بضرورة تعزيز دوره في الجانب السياسي، باعتباره ورقة ضغط قوية بيد المالكي على باقي الاطراف السياسية مستغلا علاقاته المميزة مع قادة الميليشيات التي تشكل العمود الفقري للحشد.
ومن جانب آخر، يعتقد المراقبون في العاصمة العراقية، ان السعي لربط الحشد الشعبي، الذي يزيد عدد افراده على مئة الف مقاتل، بالمؤسسة العسكرية الرسمية كالجيش والشرطة وباقي الاجهزة الامنية، هي خطوة لتعزيز الدور القيادي للحشد في تلك المؤسسات، في تكرار لسيناريو الحرس الثوري الايراني الذي يقود المؤسسة العسكرية والامنية الايرانية.
وهو تمهيد لدور امني ليس على المستوى الوطني العراقي فحسب، بل لدور اقليمي مخطط له، ويمارس الآن في الساحات السورية واليمنية واللبنانية وغيرها، عبر بعض المليشيات المنضوية في الحشد الشعبي.
وتأتي مخاوف الكثيرين من ربط فصائل هيئة الحشد الشعبي بالمؤسسة العسكرية العراقية، من كون تلك الفصائل تعلن جهارا نهارا ان ولاءها للولي الفقيه، وهو ما يتعارض مع مبدأ ضرورة حصر ولاء القوات المسلحة للوطن والشرعية الرسمية حسب الدستور العراقي، كما ان العديد من الفصائل تشكك في إنجازات الجيش والشرطة ودورهما. وقد رأينا مؤخرا مثلا، حركة النجباء، احدى فصائل الحشد، تعلن عن ارسال آلاف المقاتلين الى سوريا للوقوف مع النظام السوري ضد المعارضة دون ان تصدر الحكومة العراقية اي تعليق حول الموضوع فيما اذا كان ذلك يتم بموافقتها أم لا باعتبار الحركة ضمن الحشد الشعبي. كما اعلنت الحركة نفسها في بيان رسمي أنها لا تتلقى اوامر من احد في تحركاتها، وذلك عندما وقعت اشتباكات بينها وبين القوات الامنية في منطقة الزعفرانية جنوب بغداد.
وفي كل الأحوال، فالمؤكد ان الحكومة العراقية ستواجه مشكلة حقيقية في القدرة على لجم جماح فصائل الحشد الشعبي سواء داخل المؤسسة الأمنية الرسمية او خارجها، في ظل الدعم اللامتناهي سياسيا وعسكريا وماليا الذي تحظى به من القوى الشيعية والحكومتين العراقية والإيرانية.

«الحشد الشعبي»: التأسيس والمكونات

• بتاريخ 13 حزيران (يونيو) 2014، وفي مواجهة سقوط مدينة الموصل أمام زحف تنظيم «الدولة الإسلامية»، وبسبب الانهيارات المتعاقبة للجيش العراقي النظامي، لجأ آية الله علي السيستاني، المرجع الشيعي الكبير في العراق، إلى إصدار فتوى تبيح «الجهاد الكفائي» وتُلزم كل قادر على حمل السلاح إلى المشاركة في قتال تنظيم «الدولة». وهكذا ظهرت أول تسمية لـ»الحشد الشعبي».
• إزاء الفوضى التي سرعان ما اكتنفت تفسيرات الفتوى، أصدر مكتب السيستاني سلسلة توضيحات حول تنظيم «الجهاد الكفائي»، بينها أنه يجب أن يرتبط بمؤسسات الدولة في الجيش والأمن. لكن صعوبة تطبيق هذا المبدأ جعلت الحكومة العراقية تلتف عليه، بحيث اعتُبر رئيس الحكومة حيدر العبادي، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، هو «القائد الأعلى لهيئة الحشد الشعبي». وأما القادة الميدانيون، فقد سُمّي فالح الفياض «رئيس» الهيئة، وأبو مهدي المهندس «نائب» رئيسها.
• تشكل «الحشد» من مجموعة فصائل شبه عسكرية، بعضها كبير وبعضها يُعدّ بالعشرات، أبرزها:
• قوات بدر، التي كانت تُسمى فيلق بدر، وهي الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وكان الفيلق بقيادة عبد العزيز الحكيم، ومساعده هادي العامري. اتُهمت المجموعة بارتكاب جرائم ضدّ السنّة خلال العام 2006 وما بعد، كما يُعرف عنها الولاء الشديد لإيران، والارتباط المباشر بالجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني.
• عصائب أهل الحق، التي يتزعمها الشيخ قيس الخزعلي، وكانت قد انشقت عن التيار الصدري في أعقاب قرار مقتدى الصدر بتجميد «جيش المهدي»، سنة 2008. والعصائب شاركت، وتشارك، بفعالية في مساندة النظام السوري، بتنسيق تامّ مع إيران و»حزب الله»، وتسليح كثيف منهما.
• كتائب حزب الله ـ جناح العراق، وقد تعرضت لنكسة كبيرة حين اغتيل قائدها واثق البطاط سنة 2014، في ظروف ما تزال غامضة، وما يزال الغموض يلف هيكليتها القيادية. ما هو واضح، في المقابل، أن الكتائب تقاتل في سوريا بالتنسيق مع «حزب الله» اللبناني.
• سرايا السلام تفرعت عن «جيش المهدي» بدورها، وهي تعتبر الأكبر حجماً (وليس تسليحاً) داخل الصف الشيعي، لكنها تعلن باستمرار أن مهمتها الأولى هي حماية المراقد المقدسة. مرجعيتها العسكرية تنتهي عند مقتدى الصدر، ومرجعيتها العقائدية تستلهم آية الله كاظم الحائري، ومقره في مدينة قم الإيرانية.
• حزب الله ـ جناح النجباء، وكانت جزءاً من «عصائب الحق» حتى العام 2013 حين انشقت واتخذت تسمية جديدة. يتزعمها الشيخ أكرم الكعبي، ويشرف مباشرة على قيادة لواء عمار بن ياسر الذي يقاتل في سوريا. وتتميز المجموعة بتسليح ثقيل جيد، كما تملك مصانع صواريخ تُعرف باسم «الأشتر».
• الفصائل الأصغر شأناً تحمل أسماء السرايا (عاشوراء، الجهاد والبناء، الخراساني، العتبات العباسية، العتبات العلوية…) وأنصار العقيدة، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب التيار الرسالي…
• في أواخر تموز (يوليو)، هذه السنة، أصدر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قرارات بضمّ ميليشيات «الحشد الشعبي» إلى القوات المسلحة العراقية، على نحو يجعلها بمثابة جيش مواز للجيش النظامي، واقتداء بصيغة «الحرس الثوري» الإيراني. وهكذا بات «الحشد»، بموجب هذه القرارات، «تشكيلاً عسكرياً مستقلاً وجزءاً من القوات المسلحة العراقية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، ويُعدّ نموذجاً يضاهي جهاز مكافحة الإرهاب الحالي من حيث التنظيم والارتباط».
• ويرى مراقبون للشأن العراقي، بينهم موقع Global Security أن الزمن لن يطول قبل أن يصطدم «الحشد» مع مكونات عراقية إثنية ودينية أخرى، مثل الكرد والتركمان والمسيحيين.

مصطفى العبيدي

رابط مختصر