الحشد الشعبي… الثقل السياسي والواقع العسكري … صادق الطائي

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 11 سبتمبر 2016 - 11:41 صباحًا
الحشد الشعبي… الثقل السياسي والواقع العسكري … صادق الطائي

منذ ان تشكل الحشد الشعبي بفتوى الجهاد الكفائي والمآزق السياسية في التعاطي معه مستمرة بوتيرة متذبذبة، فتارة تهب عواصف الازمات وتكاد تطيح بالعملية السياسية برمتها، وتارة تمر الاتفاقات وكأن الجميع متفق على الخروج من نفق العراق المظلم . فلا احد يستطيع ان ينكر الدور القتالي لفصائل الحشد في معاركها التي خاضتها بدءا بجرف الصخر وآمرلي وانتهاء بالمعارك الدائرة اليوم في محيط مدينة الموصل، ومع ذلك، هنالك اصوات تتعالى مع كل معركة تطالب بادانة الانتهاكات التي يقوم بها مقاتلو الحشد بدوافع طائفية، وبدورها قيادة الحشد الميدانية والسياسية طالما اشارت الى احتمال وقوع بعض الانتهاكات التي تتم بصورة فردية من بعض المقاتلين غير المنضبطين الذين يتم التحقيق معهم ومعاقبتهم اذا ثبت تورطهم في ارتكاب الانتهاكات.
المؤشر المهم الذي بات واضحا امام متابعي الوضع العراقي يشير الى ان هيئة الحشد الشعبي اصبحت رقما صعبا في المعادلة العراقية، وكيانا لايمكن اغفاله في الوضع السياسي القادم، فهي ليست كما يحلو للبعض توصيفها بميليشيات تحركها ايران، انها الان تمثل قوة سياسية على الارض، وبوادر هذا الوجود السياسي يمكن تلمسه في اعلان بعض فصائل الحشد نيتها المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات والانتخابات البرلمانية القادمة، مما اثار حفيظة بعض الشركاء من الكتل الشيعة تخوفا من سحب البساط من تحت نخبة سياسية يتهمها الشارع بالفساد والتفريط بثلث العراق الذي احتلته عصابات ما يسمى بالدولة الاسلامية، كما ان بعض الفصائل السياسية القريبة من الحشد الشعبي او ممن تمتلك قوات ذات ثقل فيه، مثل المجلس الاسلامي الاعلى تشعر هي الاخرى بالقلق من صعود لاعبين سياسين جدد، شكل احترام الشارع لهم والتفافه حولهم رأس مال رمزيا نتيجة لما قدموه من تضحيات في المعارك التي خاضوها لتحرير المدن العراقية طوال العامين الماضيين، وابتعادهم عن جو الفساد الخانق الذي تسبح فيه الحكومة والبرلمان.
لكن دخول الحشد الشعبي بثقله السياسي في اللعبة السياسة العراقية لن يكون امرا سلسا، فالحشد مكون من فصائل وتيارات واحزاب تتصارع فيما بينها على النفوذ والسطوة وتحقيق المكاسب المستقبلية، ومع ان الصراع بين مكونات الحشد لم يظهر بشكل جلي حتى الان، الا ان بوادر نزاع يمكن التكهن بها من قراءة تصريحات السيد مقتدى الصدر على سبيل المثال، حين رد على تصريح بعض فصائل الحشد الشعبي نيتها المشاركة في الانتخابات القادمة، حيث حذر زعيم التيار الصدري من تحويل الحكومة القادمة إلى حكومة ميليشيات في حال مشاركة فصائل الحشد الشعبي في انتخابات مجالس المحافظات والبرلمان.
ان الواقع العسكري والقدرات العددية والتسليحية لقوات الحشد تبدو غير متأثرة بالرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدتها فصائله خلال عامين من القتال، فما زال تدفق المقاتلين العقائديين يدعم جبهات القتال بموجات من الشباب المدفوعين بدوافع عاطفية وعقائدية، وفي بعض الاحيان بدوافع اقتصادية ومعنوية، حيث بات الانضمام لاحد الفصائل المقاتلة يمثل مكانة اجتماعية واحترام للمقاتلين بالاضافة الى الحصول على وظيفة حتى وان كانت متعثرة الدخل بسبب الازمة المالية الحكومية التي كثيرا ما اثرت على حساب صرف مستحقات ومرتبات المقاتلين، كما ان الدعم الايراني الذي مثل مصدرا شبه وحيد لتسليح قوات الحشد مستمر وبوتيرة متصاعدة، وان تقديم معدات عسكرية متطورة نسبيا كالصواريخ الحرارية اهلتهم لمواجهة تنظيم شرس يقتل مدفوعا بايمان عقائدي عبر عمليات انتحارية وهجمات بسيارات وآليات ملغمة واوقفته عن التمدد بل والحقت به هزائم كثيرة.
مع كل معركة تطفو على السطح الخلافات والنزاعات التي قد تصل الى حدود خطيرة من الانقسام الذي يهدد الجهد العسكري ككل بالفشل،الا ان الامر ما يلبث ان يحل دون ان يعلم احدا بتفاصيل اتفاقات قد تبدو سرية حتى الان، فاذا تتبعنا سير المعارك خلال السنتين الماضيتين، نجد ان الاصوات علت رافضة مشاركة قوات الحشد في معارك تحرير تكريت على خلفية اتهامات بانتهاكات حقوق الانسان قام بها مقاتلو الحشد في معارك جرف الصخر وبعض مدن محافظة ديالى، الا ان الحشد شارك وبدور فاعل في المعارك وتم تحرير مدينة تكريت والبلدات المحيطة بها مع تصاعد الاتهامات ضد مقاتليه، وما لبث الامر ان طوي، وتكرر نفس السيناريو مع بدء معارك استعادة محافظة الانبار، حيث تنادت الكتل السنية في البرلمان رافضة مشاركة قوات الحشد في المعارك تخوفا من جرائم قد ترتكب او تغييرا للبنية الديمغرافية للمناطق المحررة التي تسيطر عليها قوات الحشد، لكن الدور الذي اسند لهيئة الحشد كان الدعم والاسناد وتطويق مناطق القتال التي شاركت بها قوات الجيش وقوات مكافحة الارهاب والحشد الوطني السني الذي تم تشكيله من متطوعيين من ابناء عشائر المنطقة، وفي هذه المرة ايضا عادت الاتهامات بالانتهاكات بنفس الطريقة التي تمت بها في معارك استعادة تكريت.
كل تلك التقلبات تأتي مصاحبة لموقف امريكي متذبذب يصيب المتابع بالارتباك، حيث تعلن الجهات الرسمية الامريكية رفضها لمشاركة قوات الحشد الشعبي في القتال، وتضع هذا الامر شرطا لدعمها الجوي للعمليات العسكرية ضد تنظيم ما يسمى بـ»الدولة الاسلامية»، لكن عادة ما يتم التغاضي عن مشاركة فصائل الحشد وكأن هنالك اتفاقا غير معلن بين الاطراف المشاركة في المعركة. من جانبها فصائل الحشد طالما اتهمت طيران التحالف بقصف قواتها بل حتى اتهام مروحيات الجيش الامريكي بمساعدة مقاتلي داعش، لكن كل هذه الاتهامات لم تصمد اما تحقيق رسمي حكومي، وتنتهي الازمة بسكوت جميع الاطراف. اما معارك الفلوجة التي كانت ذات ثقل رمزي كبير لتنظيم الدولة الاسلامية، باعتبار الفلوجة المعقل الاساس الذي انطلق منه التنظيم، فقد كانت معارك استعادتها تسير وفق السيناريو المكرر ذاته، وبالرغم من المهنية العالية التي تمت بها العمليات التي قادها الجنرال عبدالوهاب الساعدي الذي اثبت عبر العديد من المعارك انه ضابط محترف ومهني، الا ان دائرة الاتهامات طالت فصائل الحشد التي كانت تقوم بمهمات محاصرة المدينة وتقديم الدعم اللوجستي للقوات العسكرية، وهذه المرة كانت الاتهامات بانتهاكات ضد المدنيين الفارين من ابنا ءالمدينة واعتقالهم بطرق تعسفية. فقد تحدّث زيد رعد الحسين، المفوّض السامي لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، عن «تقارير موثوقة ومزعجة للغاية تفيد بأنّ بعض الناس الذين نجوا من تجربة الهروب المرعبة من «داعش»، واجهوا اعتداءات جسدية شديدة بمجرد وصولهم إلى الجانب الآخر»، مشيراً إلى حالات من الاعتداءات الجسدية وغيرها من أنواع سوء المعاملة لـ «انتزاع اعترافات قسرية» قامت بها فصائل الحشد الشعبي.
ومع اقتراب نهاية عمليات الفلوجة وتطهير المناطق المحيطة بها، اعلنت الكثير من وسائل الاعلام خبر تدمير رتل من سيارات تعود الى ما يسمى تنظيم الدولة الاسلامية يقدر عددها بخمسمائة سيارة خارجة من الفلوجة تتجه شمالا باتجاه الاراضي التي يسيطر عليها التنظيم، وما لبث الطيران العراقي والامريكي ان انقض عليها ودمرها، ليبقى المتلقى حائرا امام هذه الحادثة دون ان يفهم الامر على حقيقته، حيث تكاثرت الاشاعات التي تقول ان هنالك صفقة سرية لاخراج مقاتلي التنظيم من الفلوجة وتم احباطها، او بعض المعلومات التي تشير الى اتفاق جهات من الجيش العراقي سهلت الامر عبر سحب بعض قطعاتها ونقلها الى جبهة الموصل لتفسح الطريق للرتل الخارج. لكن قوات الحشد احست بالانسحاب وهاجمته مما دفع بمروحيات الجيش العراقي والطيران الامريكي للدخول في الهجوم والقضاء على الرتل المنسحب، ولم تتضح حقيقة ما حصل حتى الآن.
وتقف القوات العسكرية والامنية العراقية، تشاركها قوات البشمركة الكردية وفصائل الحشد الشعبي، على مداخل الموصل اليوم بعد ان خاضت معارك في الشرقاط والقيارة وعدد من المدن التي مثلت تمهيدا للمعركة الحاسمة في الموصل، لنشهد نفس السيناريو والاتهامات التي توجه لقوات الحشد منبهة لما قد يرتكبه مقاتلو الحشد من انتهاكات طائفية، ومع وجود ما يعرف بالحشد الوطني من متطوعي ابناء محافظة نينوى والذي يقوده محافظ نينوى السابق اثيل النجيفي تتعقد المسألة اكثر وتصل الى تهديد بالاقتتال بين الطرفين. وقد صرح النجيفي اكثر من مرة برفض ابناء المحافظة والكتل السنية في البرلمان دخول الحشد الشعبي لمعركة الموصل، لكن تصريحاته دائما ما قوبلت باصرار فصائل الحشد على المشاركة في المعارك. ويرى بعض المحللين العسكرين ان قوات الحشد الوطني من ابناء نينوى بعديدها الذي يصل الى 1500 مقاتل قام بتدريبهم وتسليحهم الجيش التركي لايكونون سوى قوة رمزية قد تشارك في المعارك ومن ثم تتولى مسؤولية الامساك بالارض بعد تحريرها مثلما تم في محافظة الانبار وحشدها الوطني من متطوعي القبائل والشرطة المحلية التابعة للمحافظة. كما يرى الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي أن مشاركة الحشد في معركة تحرير الموصل تأتي تلبية لحاجة عسكرية لا يعرفها سوى أصحاب القرار على أرض المعركة، إذ أن معركة تحرير الموصل، حسب رأيه، تحتاج إلى عديد قوى يبلغ 80 ألف مقاتل. ونقلا عن قيادات أمنية عراقية، يقول الهاشمي إن القوات العراقية المشتركة جهزت 45 ألفا، وتشارك قوات البيشمركة الكردية بـ10 آلاف، في حين سيشارك الحشد الشعبي بـ15 ألفا من قواته، ويتم استكمال عديد القوات المشاركة في تحرير الموصل بـ10 آلاف مقاتل من عشائر نينوى والأقليات الموجودة فيها مثل التركمان والشبك وغيرهم.
ان مشاركة قوات الحشد الشعبي في معارك تحرير الموصل لم يعد رغبة تحرك بعض قياداته بقدر ما تحول الامر الى صراع نفوذ دخلت فيه قوات البيشمركة الكردية طرفا، والتخوف من سيطرتها على مناطق جديدة من الاراضي في المناطق المتنازع عليها في سهل نينوى يدفع الساسة الشيعة الى الاصرار على مشاركة قوات الحشد في المعركة القادمة لحماية مدن يمثل الشيعة او الاقليات الاخرى كالمسيحيين والتركمان والشبك والايزديين نسبة كبرى من سكانها، بدعوى حمايتهم من انتهاكات قد تصيبهم من الشركاء في القتال. كل ذلك يحمل الكثير من المفاجآت في معركة الموصل القادمة.

رابط مختصر