إجراءات ألمانيا المقترحة.. محاكم تفتيش ودعاية انتخابية مبكرة

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 24 أغسطس 2016 - 4:36 مساءً
إجراءات ألمانيا المقترحة.. محاكم تفتيش ودعاية انتخابية مبكرة

تصدر المحافظون داخل الائتلاف الحاكم في ألمانيا المشهد السياسي خلال الفترة الماضية؛ على خلفية المقترحات المثيرة للجدل حول تشديد إجراءات المراقبة، ومنع “النقاب أو البرقع”؛ وذلك في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، والتخفيف من حالة الذعر والصدمة التي أعقبت الهجمات الأخيرة في كل من ميونيخ، وفورتزبورغ، وأنسباخ.

تتمحور الإجراءات المقترحة حول تطوير منظومة المراقبة بنظام “الكاميرات”، وضم أعداد إضافية لجهاز الشرطة بنحو 15 ألف شرطي بحلول عام 2020، بالإضافة إلى حظر النقاب للمسلمات في ألمانيا، ووقف السماح بازدواج الجنسية، والإسراع بإجراءات ترحيل اللاجئين المشتبه بصلتهم بالجماعات “الإرهابية”.

كما شملت المقترحات توسيع قاعدة البيانات لدى الأجهزة الأمنية، وتمديد فترة الاحتفاظ بها حتى 5 سنوات، مروراً بسلسلة من الإجراءات التي تسهل عملية المتابعة والمراقبة للمشتبه بهم داخل وخارج ألمانيا، وإدانة من يثبت تعاطفه مع الجماعات والحركات التي تصنفها ألمانيا على أنها جماعات “إرهابية” قضائياً، والسماح بكشف الأطباء النفسيين عن وجود نوايا عدائية لدى مرضاهم قد تفضي إلى تنفيذ عمليات “إرهابية”.

– المشهد السياسي

نصب المحافظون في الائتلاف الحاكم العداء لمساعي المستشارة أنجيلا ميركل، الرامية إلى استيعاب مئات آلاف اللاجئين المتدفقين نحو ألمانيا من كل حدب وصوب؛ في خطوة من المستشارة الألمانية تراوحت تفسيراتها بين الرغبة بضخ عمالة رخيصة في سوق العمل الألمانية لمواجهة شبح الركود الاقتصادي الذي يخيم على البلاد منذ نحو عامين، وبين الرغبة بإبراز دور ألمانيا كقوة صاعدة في الساحة الدولية من خلال تحمل مسؤولياتها تجاه القضايا الكبرى، على شاكلة ملف اللاجئين والأزمة في سوريا.

حتى وقت قريب استطاعت المستشارة ميركل مقاومة ضغط شركائها داخل الحزب، وإصرار شركائها في الائتلاف الحاكم من الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري المحافظ على إغلاق الحدود أمام تدفق المزيد من اللاجئين، وتكبيلهم بإجراءات تنهي ثقافة الترحيب بهم، حيث ترفض المستشارة الألمانية التراجع عن مشروعها قيد أنملة، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى اتساع الهوة بين عدد من قيادات الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم، وبين رئاسة الحزب بزعامة ميركل، إضافة إلى تراجع نسبة المؤيدين لسياسات الحزب لدى قواعده الشعبية، وانحرافهم نحو اليمين.

كما مهدت أزمة اللاجئين في ألمانيا لصعود نجم اليمين المتطرف، واتساع رقعة مكاسبه في الانتخابات المحلية خلال الشهور الماضية؛ وذلك بفضل استغلاله للمناخ الشعبوي السائد في ألمانيا، وانقسام المجتمع بين مؤيد لسياسة المستشارة أنجيلا ميركل تجاه اللاجئين السوريين من منطلق إنساني، وبين معارض تحت تأثير الأحداث الأمنية والمتغيرات التي طرأت على المجتمع الألماني بفعل التدفق غير المنتظم للاجئين على المدن والأقاليم الألمانية، وهو ما نتج عنه زيادة الضغط على الميزانيات المحلية، ولجوء سلطات الولايات إلى الترشيد في خدماتها المقدمة للمواطنين، وزيادة حالة السخط لدى شرائح مختلفة من الألمان.

لم يتمكن اليمين المتطرف في ألمانيا من تحقيق إجماع يواجه به خصمه المتمثل بالمستشارة ميركل وحزبها عبر ملف اللاجئين، رغم حملات التشويه والكراهية التي أطلقها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واللجوء إلى التظاهر في شوارع المدن الرئيسة وميادينها، وإثارة النزعة القومية في نفوس الشعبويين، وهو ما دفع به إلى استغلال سلسلة الأحداث الأمنية في ألمانيا خلال الشهور الماضية في دعم توجهاته، وتعزيز روح الكراهية تجاه اللاجئين داخل المجتمع، وتحميل مسؤولية الأزمة الحالية للمستشارة أنجيلا ميركل وسياساتها.

– المسلمون في ألمانيا

أدرك المحافظون في ألمانيا حاجتهم لكبح جماح اليمين المتطرف، ووقف تقدمه عبر صناديق الاقتراع في مجالس الولايات، وهو ما لن يتسنى لهم تحقيقه إلا من خلال الأرضية الصلبة التي يواصل خصومهم في اليمين المتطرف تقدمهم عبرها، والمتمثلة بالمواقف المتشددة تجاه اللاجئين، ورفع سقف “الديماغوجيا” التحريضية تجاه المسلمين في ألمانيا، حيث تداعب تلك الخطابات المزاج السائد لدى جمهور الناخبين، بعد سلسلة الهجمات والحوادث التي شهدتها ألمانيا خلال الشهور الماضية.

وفي خطوة فسرها المراقبون على أنها افتتاح مبكر لموسم الدعاية الانتخابية، انضم وزير الداخلية الألماني، توماس دي ميزير، إلى جوقة وزراء الداخلية في الولايات الجنوبية -معقل المحافظين- للإعلان عن سلسلة من القوانين والإجراءات التي سيتم العمل على إقرارها خلال المرحلة القادمة، حيث بدت الكثير من تلك الإجراءات غير ذات جدوى أمنية حقيقية، ولا يمكن وضعها سوى في سياق الاستعداد للانتخابات العامة العام المقبل.

حصر وزير الداخلية الألماني مصدر التهديدات الأمنية لبلاده في المسلمين واللاجئين، متماشياً بذلك مع المزاج الشعبوي السائد في ألمانيا عقب الهجمات الأخيرة، واقترح مجموعة من الإجراءات؛ كمنع النقاب في ألمانيا، وإخضاع القاصرين بعمر 14 عاماً للمحاكمات في حال تورطهم بهجمات إرهابية، وإنهاء السماح بازدواج الجنسية الألمانية؛ لضمان عدم ازدواجية الولاء لدى المتجنسين، وإخضاع حسابات اللاجئين في مواقع التواصل الاجتماعي للتفتيش لدى التقدم بطلب اللجوء، وإسقاط الجنسية الألمانية عن مناصري الحركات والمنظمات التي تصنفها ألمانيا على أنها جماعات “إرهابية”.

تأتي الإجراءات التي أعلن عنها الوزير الألماني دي ميزير ضمن سلسلة من الإجراءات التعسفية التي يخضع لها مسلمو ألمانيا منذ أحداث 11 سبتمبر، وتضع الأقلية المسلمة في قفص الاتهام وبشكل ينافي دستور البلاد ومنظومة القيم الأخلاقية، إذ تحد الإجراءات التي يجري العمل على إقرارها من حرية المسلمين، وتضع معلوماتهم الشخصية وتفاصيل حياتهم اليومية تحت مجهر المحققين، دون مراعاة قوانين الخصوصية.

وقد فجرت الإجراءات التي تم الإعلان عنها على لسان وزير الداخلية الألماني جدلاً سياسياً واجتماعياً وإعلامياً خلال الأيام الماضية؛ بسبب تضمنها لتوصيات بمنع “النقاب أو البرقع” في ألمانيا، وهو ما أثار تساؤلات المراقبين حول الجدوى الأمنية من تلك التوصيات في بلد ٍيندر فيه وجود المسلمات المنقبات، أو المرتديات لما يعرف بـ “البرقع”.

التردي في العلاقات بين ألمانيا وتركيا، وبلوغ التصعيد بين البلدين ذروته، كان حاضراً في التوصيات والإجراءات الأمنية المقترحة، حيث يستهدف مقترح وقف السماح بازدواج الجنسية الألمانية بالدرجة الأولى ملايين المواطنين الأتراك، إذ يأتي هذا المقترح -على ما يبدو- ضمن محاولات المحافظين في ألمانيا منافسة اليمين المتطرف في خطابه التصعيدي ضد المواطنين الألمان من أصول تركية.

لقد بات من الواضح أن التنافس على مقاعد البرلمان الألماني العام المقبل سيتم عبر ملف اللاجئين، وإخضاع الأقلية المسلمة لما يشبه محاكم التفتيش والاندماج القسري، وتوجيه ضربة مؤلمة للحريات العامة؛ بدعوى حفظ الأمن، ومكافحة الإرهاب، والمحافظة على الأمن والسلم العام داخل ألمانيا، حيث بات من الصعب التكهن بمدى قدرة المستشارة الألمانية المتمترسة في يمين الوسط على إفشال مساعي منافسيها من المحافظين، والمضي قدماً بمشروعها السياسي.

كلمات دليلية
رابط مختصر