السبسي يستعين برجال بن علي لإبعاد الغنوشي

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 15 يونيو 2016 - 8:02 مساءً
السبسي يستعين برجال بن علي لإبعاد الغنوشي

ارتفع منسوب الاحتقان بين قصر رئاسة الحكومة المدعوم من قبل حركة النهضة وبين قصر قرطاج المدعوم بالقوى العلمانية إلى ما يشبه “القطيعة الصامتة” ما دفع بالرئيس الباجي قائدالسبسي إلى الاستنجاد بأبرز رجال بن علي لحشر الحركة الإسلامية في الزاوية ولجم ضغوطها ومساعيها إلى إجهاض حكومة الوحدة الوطنية، مستفيدا من تفجر أزمة جديدة داخلها على خلفية رفض غالبية القيادات توسيع صلاحيات الغنوشي.

وقالت دوائر مقربة من قصر قرطاج مطالبة بعدم الكشف عن هويتها إن قائد السبسي قرر توسيع مشاوراته مع رجال نظام بن علي للإصغاء إلى رؤاهم وتصوراتهم للحد من حجم ضغوط الغنوشي التي يكاد يقاومها وحيدا وحشر حركة النهضة في زاوية حجمها الحقيقي لا الاستعراضي.

وأضافت الدوائر أن لقاء جمع الرئيس الباجي قائد السبسي بعبدالرحيم الزواري المرشح السابق في الانتخابات الرئاسية وعبدالكريم الزبيدي وزير الدفاع الأسبق ومحمد الفاضل خليل الوزير الأسبق للشؤون الاجتماعية، تدارس “مواقف” الشخصيات السياسية الثلاث باعتبارهم رجال دولة ذوي خبرة بتعقيدات الأوضاع السياسية وقدرتهم على تقديم مقترحات من شأنها أن تعزز نجاح حكومة الوحدة الوطنية، بناء على تركيبة تحظى بالتأييد السياسي والشعبي.

وتوقعت نفس الدوائر أن يلتقي قائدالسبسي خلال الأيام القادمة بعدد آخر من رجال الدولة سابقين من بينهم محمد الغرياني آخر أمين عام لحزب التجمع الذي كان يرأسه بن علي ومنذر الزنايدي آخر وزير للصحة في نظام بن علي وحامد القروي الوزير الأول الأسبق وكمال مرجان آخر وزير للخارجية، إضافة إلى الشاذلي العياري محافظ البنك المركزي.

وألقى عدم توصل الرئيس التونسي خلال مشاوراته مع ممثلي القوى السياسية والمدنية إلى صيغة توافقية حول تركيبة الحكومة والشخصية السياسية التي ستتولى رئاستها، في ظل رفض الحبيب الصيد الاستقالة بأجواء مشحونة بالتوجس والقلق، لا فقط على الأوساط السياسية وإنما أيضا على الرأي العام.

وبدا لقاء قائدالسبسي بكل من الزواري والزبيدي وخليل رسالة موجهة إلى الائتلاف الحاكم ومشروع تونس والمسار الديمقراطي واتحاد الشغل ورئيسة منظمة أرباب العمل عشية الاجتماع بهم الأربعاء، بأنه يمتلك أكثر من ورقة سياسية من شانها أن تقود إلى إجهاض مساعي البعض إلى إفشال مبادرته.

وترافقت مشاورات قائدالسبسي مع رجال بن علي مع جهود يقودونها من أجل لم شتاتهم وإنقاذ أنفسهم من التهميش السياسي الذي تعرضوا إليه طيلة خمس سنوات في إطار “قوة” تعيد إليهم دورهم السياسي في الشأن العام.

ويقود محمد الغرياني جهودا بالتنسيق مع كبار المسؤولين السابقين من أجل رص صفوف رجال دولة قادرين على استعادة نشاطهم، في إطار تفاعل جديد مع المشهد السياسي باتجاه مصالحة وطنية شاملة تصهر القوى الديمقراطية في حكومة وحدة وطنية.

ويرى سياسيون في توسع مشاورات قائدالسبسي مع رجال نظام بن علي مؤشرا على أن الرئيس التونسي مرر رسالة سياسية وطنية هامة مفادها أن الحكومة المرتقبة ستقود مصالحة وطنية شاملة، إضافة إلى أولوياتها المتعلقة بإنعاش الاقتصاد وتنفيس الاحتقان الاجتماعي واسترجاع الدولة لهيبتها في ظل تسييرها من قبل “متمرنين” تعوزهم الكفاءة والخبرة.

وكان حامد القروي رئيس الحركة الدستورية قال في وقت سابق إن “الدساترة”، نسبة إلى الحزب الاشتراكي الدستوري الذي أسسه الحبيب بورقيبة في ثلاثينات القرن العشرين، عادوا للحكم بعد انتخابات خريف 2014، مشيرا إلى أن قائدالسبسي دستوري وكذلك محمد الناصر رئيس البرلمان، وطالب بإقالة وزراء الائتلاف الحاكم باعتبارهم “متمرنيين” عاجزين على تسيير دولة مدنية قوية عصية على “الثورجيين”.

ووفق تسريبات مقربة من قصر قرطاج يسعى قائدالسبسي إلى الاستفادة من “تفجر” خلافات جديدة داخل النهضة على خلفية معارضة قوية يواجهها الغنوشي من قبل عدد من القيادات على خلفية فرض عبدالكريم الهاروني المقرب منه رئيسا لمجلس الشورى على حساب عبداللطيف المكي الذي ما انفك يجاهر برفضه لخلافة الغنوشي لنفسه، وهيمنته على قيادة الحركة.

ويبدو أن الباجي قائد السبسي التقط، كما يذهب إلى ذلك سياسيون مقربون من قصر قرطاج، ضغوط الشق المناهض للغنوشي لتقليم إمعانه في توسيع صلاحياته واهتزاز صورته ونفوذه الروحي ليحد من تعنت استعراضي لا يعكس ثقله الحقيقي وسيقود به إلى التسليم بعزم قائدالسبسي على إنجاح حكومة الوحدة الوطنية، بناء على استخدام أكثر من ورقة سياسية بعيدا عن ورقة النهضة.

وفي ظل توسيع مشاوراته مع رجال بن علي من جهة، والإسناد الذي يحظى به من قبل العلمانيين بات قائدالسبسي يمتلك ورقات سياسية إضافية من شأنها أن تخفف من تعقيدات تداعيات حكومة الوحدة الوطنية التي يصر الغنوشي على تعميقها، مجاهرا بأنه من حق النهضة أن تكون ممثلة في تركيبتها بحسب ثقلها الانتخابي، وبأن مطالبتها بنصيب الأسد بأكثر ما يمكن من الحقائب الوزارية “أمر مشروع جدا” بما في ذلك الحقائب السيادية.

ويشدد حزب آفاق تونس على أن المزايدات السياسية التي يراهن عليها الغنوشي من شأنها أن تضعف أداءه التفاوضي وقد تضطره إلى الانقلاب على نفسه في وقت تستميت فيه غالبية العلمانيين على تركيز حكومة سياسية تحرق بها ورقة مزايدات الغنوشي، وتمكن قائدالسبسي من ورقات سياسية إضافية يمكنها حشر النهضة في زاوية الصوت المغرد خارج القوى الديمقراطية.

وخلافا لما تروج له النهضة إلى أنها قوة تفاوضية قادرة على لي ذراع قائدالسبسي يشدد فوزي عبدالرحمان الأمين العام لحزب “أفاق تونس” على أن تركيز الغنوشي خلال المشاورات على إعطاء الأولوية لإبقاء الصيد على حساب تقديم رؤية برامجية كشف أن “الشيخ” ممعن في تجويف المبادرة، وأنه لا يمتلك أية رؤية استراتيجية لأولويات الحكومة المرتقبة.

وتجمع القوى العلمانية على أنه ليس من حق النهضة لا قانونيا ولا دستوريا ولا اخلاقيا ممارسة المناورات الفاشلة مسبقا، والمطالبة بتركيبة حكومة وحدة وطنية بناء على المحاصصة والعناد والمكابرة.

وعلى الرغم من مراهنة سياسيين على اجتماع قائدالسبسي الأربعاء بالممثلين عن أحزاب الائتلاف الحاكم ومشروع تونس المسار والعباسي ووداد بوشماوي على الحسم في تعقيدات تركيبة الحكومة وأولويات برامجها تستبعد دائرة الاتصال بقصر قرطاج أن يكون الاجتماع الورقة الأخيرة.

وقد جاهر بذلك معز السيناوي المتحدث باسم رئاسة الجمهورية حين شدد على أن الاجتماع يأتي في إطار مسار المشاورات التي يقودها قائدالسبسي دون أن يشير إلى أن الاجتماع سيحسم نهائيا الخلافات لا بشان تركيبة الحكومة ولا بشأن برنامجها ولا بشأن رئاستها.

ويرجع عبدالجليل التميمي الأستاذ الجامعي ورئيس مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات تعثر المشاورات وعدم توصلها إلى نتائج ملموسة على الرغم من مرور أسبوعين عن إطلاق المبادرة إلى افتقار قائدالسبسي إلى استراتيجية تنموية وسياسية بعيدة المدى شأنه في ذلك شأن النهضة.

ويدعو التميمي إلى تعيين شخصية اقتصادية “هجومية” على رأس حكومة الوحدة الوطنية إذا ما أراد أن لها قائدالسبسي النجاح لأن تونس اليوم ليست في حاجة إلى وزراء ترقيع.

ويرجح سياسيون أن تلقي مشاورات الرئيس التونسي مع رجال بن علي سواء منها المعلنة أو غير المعلنة بضلالها على اجتماع الأربعاء، باتجاه تعزيز قوّة الرئيس التونسي في إدارة أشغال الاجتماع، مشددين على أن توسيع المشاورات من شأنه أن يمكنه من المسك بورقات سياسية تعزز حظوظ نجاح مبادرته.

ويحظى توسيع مشاورات قائدالسبسي بترحيب واسع من قبل غالبية القوى الديمقراطية التي تدفع باتجاه حكومة وطنية بناء تمهيدا لمصالحة وطنية شاملة بدأ الإعداد لها بصمت منذ أشهر، وينتظر أن يتم تفعيلها خلال الفترة القادمة.

رابط مختصر