الجرائم بحق المدنيين تلقي بظلالها على ‘تحرير’ الفلوجة وما بعده

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 2:13 مساءً
الجرائم بحق المدنيين تلقي بظلالها على ‘تحرير’ الفلوجة وما بعده

بغداد – تتواتر الأنباء عن انتهاكات كبيرة بحق المدنيين العزّل على أيدي الميليشيات الشيعية مع تقدّم العمليات العسكرية في مدينة الفلوجة بغرب العراق، مكرّسة توسيع الشرخ الطائفي داخل المجتمع العراقي.
وصرح مسؤول عراقي الاثنين بأن ما يقارب السبعمئة مدني من سكان الفلوجة يعتبرون في عداد القتلى أو المغيبين على أيدي فصائل الحشد الشعبي المشاركة في عملية استعادة مدينة الفلوجة من سيطرة تنظيم داعش.

ويخشى عراقيون من أنّ تخلّف الأحداث الجارية في الفلوجة ندوبا غائرة يصعب محوها في علاقة أبناء الطائفتين السنية والشيعية بما يؤثر في مستقبل التعايش بينهما داخل المجتمع العراقي.

أما العسكريون فيحذّرون من أن الانتهاكات الجسيمة بحق سكان الفلّوجة تؤثر بشكل مباشر على المعركة ضدّ تنظيم داعش في العراق ككل بحيث تقلّل حماس شرائح واسعة من أبناء الطائفة السنية للانخراط فيها، بل تدفع قسما منهم نحو التطرف ومساندة التنظيم المتشدّد.

وسياسيا يعتبر مراقبون أن عدم حماية المدنيين السنّة أثناء الحرب على داعش في العراق، وتحديدا في مدينة الفلّوجة، هو بمثابة فشل آخر يضاف إلى رصيد رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي نال أثناء اختياره لرئاسة الحكومة في أغسطس 2014 قدرا من التوافق الإقليمي والدولي على شخصه كي يخفّض من منسوب الطائفية في بلاده ويرمّم وحدة المجتمع العراقي التي تضرّرت بشدّة جرّاء سياسات سلفه نوري المالكي.

وأعلن صهيب الراوي محافظ الأنبار في تصريح صحافي أن نتائج التحقيقات التي أجرتها اللجنة التي تمّ تشكيلها محليا للاستقصاء بشأن قضية انتهاكات الحشد الشعبي بحق المدنيين من أهالي مدينة الفلوجة أثبتت مقتل 49 مدنيا بينهم 3 جثث مجهولة الهوية وفقدان 643 آخرين كانوا قد سلّموا أنفسهم لفصائل الحشد في ناحية الصقلاوية بعد تعرضهم للتعذيب الجماعي بمختلف الوسائل ومصادرة أموالهم والمصوغات الذهبية والسيارات الخاصة.

وأضاف الراوي أن “عدد القتلى قابل للزيادة من خلال التوسع في التحقيقات ولا نعرف مصير المفقودين وأماكن احتجازهم، وأن المحتجزين الناجين ممّن تمّ إطلاق سراحهم تعرضوا للتعذيب الجماعي الشديد بمختلف الوسائل وأصيبوا إصابات خطرة ومتوسطة”.
وأشار إلى أن “جميع الناجين من المدنيين الذين كانوا محتجزين لدى الحشد الشعبي مورست بحقهم أساليب مست بكرامتهم الشخصية ونالت من اعتقادهم المذهبي وانتمائهم المناطقي”.

وأكد الراوي أن “إفادة الناجين وشهود العيان خلال التحقيقات تبين وجود أجانب من غير العراقيين يعملون مع فصائل الحشد”.

ومن جهتها قالت مصادر محلية بمحافظة الأنبار إنّ الأمر يتعلّق بالمئات من الإيرانيين يقاتلون كمتطوعين إلى جانب الحشد الشعبي، لكن مشاركتهم في التحقيقات مع المعتقلين من سكان الفلّوجة واهتمامهم الكبير بجمع المعلومات خلال المعركة وتوثيقها بشتى الوسائل ترجّح أنهم عناصر مخابرات إيرانية تمّ نشرهم في الجبهة حتى تظل طهران في صورة الأحداث وقادرة على التحكّم فيها.

ولتفادي الحرج أمام المجتمع الدولي والذي سيسببه هذا الكشف الجديد عن جرائم الميليشيات بحق سكان الفلوجة، بادرت الحكومة العراقية إلى الإعلان الإثنين، على لسان المتحدّث باسمها سعد الحديثي، بأن عددا من الاعتقالات جرى في صفوف المتهمين باقتراف تلك الجرائم.

لكن مصادر عراقية شكّكت في صدقية ذلك الإجراء وقالت إنه شكلي، مؤكّدة تمتع عناصر الحشد الشعبي بحصانة ضدّ المحاسبة يستمدّونها من قوة قادتهم وسلطاتهم التي تفوق سلطات رئيس الوزراء بحد ذاته.

ومن جهته حمّل ائتلاف “متحدون للإصلاح” بزعامة أسامة النجيفي، رئيس الوزراء حيدر العبادي، الاثنين، مسؤولية الانتهاكات التي طالت مدنيين من أبناء الفلوجة والتي أعلن عنها محافظ الأنبار، داعيا إلى سحب قوات الحشد الشعبي من المعركة، فيما طالب رئاسة البرلمان بعقد جلسة استثنائية لمناقشة هذه الانتهاكات.

وقال الائتلاف في بيان “لإظهار الخيط الأبيض من الأسود، صدر تقرير اللجنة الخاصة التي شكلت في محافظة الأنبار للوقوف على حجم الجرائم والانتهاكات التي نسبت إلى بعض فصائل الحشد الشعبي، والتي أظهرت بما لا يقبل الشك أن المئات من الشهداء وآلاف المفقودين من أهالي المنطقة الأبرياء راحوا ضحية أعمال إجرامية قامت بها مجموعات من الحشد الشعبي التي ترتبط برئيس مجلس الوزراء حسبما هو معلن ومثبت رسميا، الأمر الذي يؤكد مسؤولية الحكومة عن هذه الجرائم”.

وكانت لقطات فيديو قد راجت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي تظهر تعرّض مقاتلين شيعة بالضرب المبرّح والشتم ومختلف أنواع الإهانة لأشخاص مقيّدين بينهم شبان يافعون، عرف أنهم من أبناء الطائفة السنية من خلال صراخ جلاديهم بشعارات طائفية وبشتائم لرموز التديّن السنّي.

وظهرت في البعض من اللقطات آثار تعذيب وكدمات وجروح غائرة وكسور على أجساد عدد من الأشخاص عُرّفوا بأنهم من سكان مدينة الفلوجة، وقد تم اعتقالهم عند مغادرتهم مواطن سكنهم فرارا من تنظيم داعش.

وتقول مصادر محلية من محافظة الأنبار إنّ اعتقال الذكور الذين تفوق أعمارهم 13 أو 14 سنة من بين النازحين عن مدينة الفلّوجة أمر شبه آلي بذريعة أنهم مقاتلون من تنظيم داعش يحاولون التسلل بين المغادرين. كما أظهرت لقطات أخرى عناصر من الحشد الشعبي وهم يمثلون بجثث أشخاص تمت تصفيتهم بعد احتجازهم وفق ما يثبته حوار بين عناصر من الميليشيات.

وتحاول دوائر حكومية عراقية، وجهات مدافعة عن الحشد الشعبي التقليل من شأن الانتهاكات في الفلوجة بالقول إنها أعمال معزولة وتصرفات فردية، فيما يؤكّد عراقيون أنها أعمال ممنهجة قائلين إن عمليات القتل التي تمارسها فصائل الحشد الشعبي في حقّ المدنيين الهاربين من الفلوجة تأتي تكرارا لما سبق أن شهدته مناطق من محافظة ديالى ومدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين في وقت سابق.

ويذهب البعض من هؤلاء إلى حدّ القول إنّ ترهيب السكان السنة أمر مقصود لذاته من خلال تقديم المقابل الشيعي لداعش “السني” عبر نحت شخصيات مبالغ في توحّشها مثل “أبوعزرائيل” و“أبو درع”.

رابط مختصر