مظاهر الخراب والتفخيخ في كل زاوية من مدن الرمادي بعد تحريرها

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 8 مايو 2016 - 3:31 مساءً
مظاهر الخراب والتفخيخ في كل زاوية من مدن الرمادي بعد تحريرها

مخلفات حرب عامين وعبوات ناسفة زرعها تنظيم الدولة الاسلامية بطرق معقدة في مدينة الرمادي أصبحت موتاً محققاً يهدد حياة الآلاف ويجعل من الرمادي بيئة غير آمنة وطاردة لسكانها.

يقطن علي الفهداوي حي الملعب وسط المدينة وهو أحد السكان المحليين الذين عادوا إلى الرمادي قبل أيام بعد تحريرها من التنظيم الجهادي لكن تلك العودة كانت محفوفة بالمخاطر.

يقول علي “حينما دخلنا إلى المنزل حاولنا تجنب كل شيء مرتبط بأسلاك أو ما قد وضع بطريقة مغرية برغم التطمينات التي تلقيناها”.

ويضيف “بعد ساعات قليلة ذهبت لإحضار مياه الشرب من الأسواق القريبة وقبل أن أصل سمعت صوت انفجار في المنزل وعدت مسرعا الى البيت فشاهدت الكارثة التي أودت بحياة شقيقي وابنته، عندما حاول أن يجلب لها دراجتها الهوائية ولم يكن يعلم انها عبارة عن عبوة ناسفة تم حشوها بكمية من المتفجرات بطريقة عجيبة حيث كان مقعد الدراجة هو ذاته قابس التفجير الذي أودى بحياة الاثنين عندما اعتلت دراجتها”.

ويضيف الفهداوي أن “القوات الأمنية لا تتعامل مع المنازل بحرفية فكما يبدو أنها تمر مرور الكرام على منازل المواطنين ربما لقلة الإمكانات او الخبرات، هذا ما يشير اليه الواقع الذي رأيته بعيني، ونحن نسمع يوميا عن عشرات الضحايا التي تذهب بسبب تلك العبوات في عموم المدينة”.

الحاجّة أم أيمن المرأة الستينية تقطن الحي الجمهوري وتروي قصتها مع القنابل والمتفجرات التي خلفتها “داعش” وهي تجلس مع أحفادها في الباحة الخارجية لمنزلها الذي دمر اغلبه ولم يتبق منه سوى غرفة المعيشة وبقايا هيكل مهدد بالسقوط.

تقول أم أيمن وهي تشير إلى طفلة صغيرة تجلس بجانبها “والد هذه الطفلة جنات ابني الأصغر عبد الله أقنعني بان يذهب الى المدينة ليتفقد حال المنزل تمهيدا لعودتنا، إذ اتصل بنا وهو يصف حجم الدمار الذي لحق بالمنزل والمنطقة”.

تنهمر دموعها على خديها وهي تقول “التحقنا في اليوم التالي ولم نكن نعلم أننا سنبدأ يومنا الأول في تشييع جثمان ولدي بعد أن قتل بانفجار عبوة ناسفة كانت موضوعة في غرفة نوم أخواته وهو يحاول ان يعيد الملابس النسائية التي تبعثرت في أرجاء المكان إلى الخزانة محاولة منه لإخفائها عن الأشخاص الذي دخلوا معه لتفقد المنزل ولم يكن يعلم ان قطعة واحدة من تلك الملابس كانت متصلة بسلك التفجير المرتبط بعبوة ناسفة وضعت تحت السرير ستقضي عليه”.

وتضيف أم أيمن “كل شيء في المدينة يشكل خطراً لا يمكن لنا حتى أن نتحرك داخل بيتنا ومنطقتنا وشارعنا بحرية كاملة فأي شيء ممكن أن يكون عبوة ناسفة تهدد حياتك او حياة من تحبهم لذلك أصبحنا نفكر ألف مرة قبل أن نتحرك داخل المنزل او خارجه”.

ومنذ ان أعلنت القوات الأمنية تحرير مدينة الرمادي (110 كلم) غرب العاصمة العراقية بغداد أواخر ديسمبر/كانون الاول الماضي، كانت هناك تحركات لمنظمات وأطراف سياسية لإعادة السكان المحليين وبالفعل بدأوا بالعودة مطلع نيسان/ابريل الماضي لكن ظهور مشكلة الألغام المزروعة في المنازل والأماكن العامة تتسبب في تردد العائلات.

ضحايا القنابل التي خلفها تنظيم داعش وراءه ليسوا من المدنيين العائدين فحسب، بل إن القوات الأمنية ذاتها باتت تفقد عددا من عناصرها أسبوعيا بسبب المتفجرات.

مصطفى العلواني احد منتسبي جهاز مكافحة المتفجرات في الرمادي يشير إلى ان “قلة الخبرة والإمكانات لم تقف عائقا أمام تنفيذ واجباتنا رغم أننا كنا نفقد أسبوعيا عددا من أصدقائنا الذين راحوا ضحية تلك العبوات التي لم نتعامل مع مثيلاتها من قبل، وان كنا المعنيين برفع تلك العبوات الا أننا نجد دائما إلى جانبنا عدد من المتطوعين من الشرطة والجيش الذين تقاسموا معنا شرف المحاولة”.

ويشير العلواني إلى ان “داعش استخدم طرقا مختلفة ومعقدة في زراعة تلك العبوات وغالبا ما يضعها في أماكن محددة داخل المنزل ويضيف لها بعض المغريات التي تجذب النساء والأطفال اكثر من غيرهم، في كل مرة ندخل بها الى احد المنازل نرى الألعاب الخاصة بالأطفال او بعض الصور العائلية او بعض الأواني التي غالبا ما يكون ضمنها قطعة مفخخة”.

ويضيف “تعاون الأهالي معنا وإبلاغهم عن الأجسام الغريبة او المشكوك بها وعدم الاقتراب منها ساهم في اكتشاف الكثير من العبوات والمفخخات وقلل عدد الضحايا”.

جهود محلية ودولية تسعى الى إزالة خطر الألغام والمتفجرات في عموم مدينة الرمادي من خلال تشكيل خلية ازمة ضمت مديرية الدفاع المدني ومديرية بيئة الأنبار وجهاز مكافحة المتفجرات تحت إشراف خبراء دوليين.

طه عبد الغني عضو مجلس محافظة الانبار اشار الى ان “من غير الممكن لنا توفير إحصائية رسمية لعدد العبوات والمتفجرات في الرمادي بسبب حجم الدمار والخراب والتقنية التي استخدمها داعش في زرع العبوات، اضافة الى عدد المقذوفات غير المنفلقة التي سقطت على المدينة خلال عامين من المعارك، لكن استطاعت القوات الامنية والكوادر الهندسية رفع حوالي ثمانية آلاف عبوة بالإمكانات المتاحة والخبرات البسيطة”.

ويضيف “الحكومة المحلية تعاقدت مع شركة أميركية متخصصة في إزالة الألغام والمواد غير المنفلقة التي تعاقدت بدورها مع شركة الفهد وهي شركة عراقية تجري الآن مسوحات لمناطق غرب الرمادي في منطقة الخمسة كيلو والسبعة كيلو ومن ثم المناطق الاخرى لتكون المدينة شبه خالية من الألغام والمتفجرات خلال 90 يوما حسب تقديري الشخصي إذا تم العمل بشكل متواصل دون معوقات او تلكؤ”.

السفارة الأميركية في بغداد قامت من جانبها بخطوة مماثلة وذكرت في بيان لها انها قدمت خمسة ملايين دولار للمساعدة في تطهير الرمادي من مخاطر المتفجرات وهي خطوة أولى ضرورية لدعم السلطات العراقية في جهودها لإصلاح البنية التحتية الأساسية والمساعدة على عودة العائلات النازحة إلى منازلها.

وأضاف البيان أن السفارة الأميركية ومكتب إزالة وإبطال مفعول الأسلحة في قسم الشؤون السياسية العسكرية التابع لوزارة الخارجية الأميركية منحت العقد لشركة يانوس للعمليات الدولية بالشراكة مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ومحافظ الأنبار صهيب الراوي وبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) وصندوق تمويل الاستقرار الفوري (أف أف آي أس) التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

دمار مدينة الرمادي الذي يقترب من 60 في المئة، حسب المصادر الحكومية وحجم الخطر المطمور تحت الأنقاض وفي الشوارع والمنازل المتمثل بالعبوات الناسفة والقنابل غير المنفلقة عوامل أدت الى عزوف عشرات العائلات عن العودة إلى المدينة.

احمد عبد الكريم الذي كان يسكن في حي البكر شرقي الرمادي هو من السكان الذين يرفضون العودة ويقول ان “معظم أحياء المدينة دمرت بالكامل ومنها الحي الذي أقطنه ولا يمكن التمييز بين شارع او منزل او حديقة إذ إن أنقاض المنازل اختلطت ببعضها”.

ويضيف “لن أعود إلى المدينة حتى أكون على يقين أنها خالية من عبوات الموت التي زرعت في كل مكان وان بقيت خارجها لعامين إضافيين أفضل لي ولعائلتي من أن أكون ضحية لقنابل داعش المزروعة في المنازل والطرقات”.

رابط مختصر