العراق من الانتقال إلى الانهيار! … زيرفان البرواري

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 5 مايو 2016 - 11:24 صباحًا
العراق من الانتقال إلى الانهيار! … زيرفان البرواري

احتلال العراق عام 2003 عبر عن حقبة جديدة في تاريخه الحديث، فقد أطلقت في وقتها تسميات كثيرة على تلك المرحلة مثل: نهاية العراق، ما بعد العراق، وغيرها من الدلالات الرمزية التي أفرزها الاحتلال، فقد تغيرت فلسفة الحكم السياسي في الداخل، وكذلك أحدثت الحرب اختلالاً واضحاً في موازين القوى في الشرق الأوسط خاصة بين الدول الإقليمية التي طالما اعتبر العراق صمام أمان في حفظ التوازن الإقليمي خاصة بين العرب وإيران، وكذلك بين إيران وتركيا.

المرحلة التي تلت الاحتلال لم تكن مدروسة لا من قبل الولايات المتحدة لكونها الدولة المحتلة، ولا من قبل المعارضة السياسية التي سيطرت على مقاليد الحكم بعد الاحتلال.

واشنطن لم تطبق أي استراتيجية تنموية مثل التي نفذتها في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك لم تركز الأدارة الأمريكية على ضرورة الانتقال الديمقراطي في العراق كما ادعت الإدارت الأمريكية في تصدير نموذح الديمقراطية الغربية إلى الشرق الأوسط. والسبب وراء التخاذل الأمريكي قد أفرزه التخوف من دور العراق في الحقبة التي سبقت الاحتلال، فالأمريكان وحلفاؤهم عملوا على تجريد العراق من أي دور أو موقع في القضايا السياسية في المنطقة، وبمرور الزمن تحول ذلك البلد من دولة لها مؤسساتها وبنيتها التحتية القوية إلى دولة شبة فاشلة أو الدولة المتجهة فعلاً نحو نموذج الدولة الفاشلة.

إن الحديث عن عملية الانتقال الديمقراطي بعد 2003 احتكر الخطاب السياسي والإعلامي وحتى الأكاديمي، وكل الآمال كانت تتجه نحو إحداث نقلة نوعية في العقلية السياسية التي حكمت البلاد بالاستبداد والشمولية السلطوية إلى عقلية قائمة على أساس قبول الآخر والتسامح والتعدد السياسي، وضمان مشاركة جميع القوميات والإثنيات بصورة متساوية في صنع القرار السياسي القائم على الدستور والتوازن في السلطات الرئيسية، إلا أن النخبة السياسية في بغداد أثبتت فشلها في إدارة البلاد في الداخل من خلال عدم تبني سياسة عامة متوازنة قائمة على البنود الدستورية، وكذلك في إدارة السياسة الخارجية بحيث يظهر العراق على كونه بلداً يعيش حالة الانتقال السياسي القائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهناك عوامل عديدة ساهمت في فشل النخبة، بعضها تتعلق بالصراعات الداخلية على النفوذ السياسي والاقتصادي بين الكتل السياسية المختلفة، الأمر الذي حول العراق إلى شركة قائمة على المحاصصة الطائفية والقومية وحتى السياسية، وكذلك التدخل السلبي للدول الإقليمية، وخاصة إيران، في استخدام الساحة العراقية لتنفيذ الأجندة السياسية لها بعد إثبات النخبة العراقية على أن انتماءاتها الطائفية أقوى من الانتماء الوطني، والمنافسة السياسية على المصالح الحزبية أولى من المنافسة على خدمة المواطن وفق مشاريع سياسية طموحة.

والسؤال الذي يبدر إلى الذهن في الوقت الراهن هو: هل يمر العراق فعلاً بعملية الانتقال الديمقراطي، أم أن الأحداث الأخيرة، خاصة الاقتحام المبرمج للبرلمان العراقي، ضربت هيبة السلطة التشريعية وفق الأجندة المخطط له مسبقاً؟

السلطة التشريعية في العراق رغم الملاحظات الكثيرة على أدائها واحتكارها من قبل المتنفذين كانت الأساس في مسالة الانتقال الديمقراطي، وذلك لكون هذه السلطة تعبر عن الإرادة الجمعية في العراق، وإن الأحداث أثبتت أن هذه السلطة مستهدفة، الأطراف السياسية تحاول تحقيق بعض الأجندة السياسية من خلال استخدام الشارع والتظاهرات المسيسة بعد عجز تلك الكتل والأطراف السياسية عن الحصول على امتيازات سياسية خاصة بعد اشتداد الصراع والتنافس السياسي بين الأطراف الشيعية وانقسامها على قوى تحاول كل منها الحصول على أكبر قدر ممكن من الامتيازات خاصة بعد الحرب على داعش والانهيار الأمني والعسكري وسيطرة المليشيات على الجيش العراقي الهش في الأساس.

إن الحديث عن الانتقال السياسي السلس في العراق لم يعد واقعياً، وإن الحقبة الجديدة قد غيرت حالة الانتقال السياسي إلى حالة الانتقال أو التحول العكسي باتجاه الشمولية ومحاولة تجرد بعض الفئات عن القرار السياسي، وذلك من خلال إحداث واقع سياسي جديد بحيث تفرض سياسة الأمر الواقع على الأطراف الضعيفة أو البعيدة عن اللعبة السياسية الخبيثة التي تجري خلف الكواليس وفي عواصم الدول الإقليمية.

العراق لم يعد دولة مركزية، ولم يعد المواطن العراقي يشعر بالانتماء للوطن بعد اشتداد الفوضى السياسية والمستقبل الغامض، وأن الحديث عن الانقسام أو تأسيس كونفدرالية بات ضرورة للحفاظ على الأمن وحياة المدنيين من كوارث الانقسام والتشتت السياسي في العراق.

رابط مختصر