أبو طلحة الأنصاري.. مراهق لأسرة “منحلة” التقى مصوّر حادثة سبايكر والشيشاني وفشل كانتحاري مرتين

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 18 أبريل 2016 - 9:50 صباحًا
أبو طلحة الأنصاري.. مراهق لأسرة “منحلة” التقى مصوّر حادثة سبايكر والشيشاني وفشل كانتحاري مرتين

المدى برس/ بغداد
عائلة مفككة، وشاب يتيم ضائع وصديق سوء، وجماعة ضالة، قادت مراهقاً عراقياً إلى الضياع من خلال الانتماء لتنظيم “إرهابي” استغل حالة “التشويش النفسي” التي يعانيها لتوريطه بتنفيذ أعمال إجرامية منها “مجزرة” سبايكر.
محمد علاء جمال، من مواليد 1999، طالب في الرابع الإعدادي، من سكنة منطقة الغزالية، غربي بغداد، عاش اليتم، بعد مقتل والده خلال أحداث العنف الطائفي عام 2006، وترتيبه الثالث، بين خمس شقيقات وأشقاء، في حين تعمل والدته في إحدى دوائر البلدية.
جمال وقع بقبضة الأجهزة الأمنية متلبساً بقيادة شاحنة مفخخة، بعد أن ترك عائلته وانضم لتنظيم (داعش) بتأثير أحد أصدقائه، وكانت كنيته “أبو طلحة الأنصاري”، بحسب مصدر في استخبارات الشرطة الاتحادية.
ضياع وتفكك أسري
ويقول المصدر في حديث إلى (المدى برس)، إن “محمد انتمى لداعش في تشرين الثاني 2014 الماضي، وأعطى البيعة للبغدادي عن طريق شرعي اسمه أبو خطاب، بسبب سلوك أخواته ووالدته كما ادّعى”، مبيناً أن “محمداً عمل بأكثر من مكان فمن عامل حدادة إلى أسواق للمواد الغذائية، إلى محل لبيع حاسبات الهواتف النقالة، إلى عامل في مدينة ألعاب الغزالية”.
ويضيف المصدر، الذي طلب عدم كشف عن اسمه، أن “قصة جمال مع التنظيم الإرهابي بدأت بعد التعرف على أحد العاملين معه في مدينة الألعاب، وهو طالب كلية يكبره سناً، يدعى سرمد”، مشيراً إلى أن “سرمد بدأ بالتقرب مِنْهُ لتصبح العلاقة أكثر عمقاً بينهما، حيث أقنعهُ باللجوء إلى الصلاة وترك موضوع عائلته على جانب، لأن الدين والعقيدة أهم من العائلة”.
ويتحدث محمد علاء جمال عن مشاكل لم تفارقه مع أهله بسبب ما اسماه “سلوكهم غير الاخلاقي” ما أثار الشكوك لدى والدتي بسبب انتقادي المستمر لطريقة معيشتهم ولبسهم، حتى وصل الحال بها للإبلاغ عني بتهمة الانتماء لمجاميع مشبوهة تُعنى بالإرهاب، وهو ما دفع القوات الأمنية لمداهمة دار خالي الذي كان يأويني”، مشيراً إلى أن “أبناء خالي شرحوا لضابط المفرزة الأمنية طبيعة المشاكل بيني وبين عائلتي فتفهم الموضوع وطلب من أمي أن تحل مشاكلها معي بهدوء”.
ويضيف جمال، أن “أولاد عمتي كانوا على هوى والدتي وإخوتي إذ اتهموني بالانتماء لجماعة متشددة بسبب علاقتي السابقة بالمدعو، سرمد مزاحم، الذي تبيّن فيما بعد أنَّهُ أحد أفراد التنظيم، وشقيق قيادي كبير فيه يُدعى سعد مزاحم أحمد، المكنى بأبي معاذ، وهو هارب من سجن التسفيرات في صلاح الدين”، مبيناً أن “سرمد أقنعه بالهروب من الواقع الذي كان يعيشه ومشاكل عائلته، والاستقلال عنهم، من دون أن أعلم أن الواقع الجديد أكثر مرارة وخطورة”.
الطريق إلى (داعش): حافلة مملوءة بالجنود وليلة في حضرة العسكريين
وهكذا ذهب جمال، بحسب المصدر الاستخباري، إلى كراج العلاوي، وسط العاصمة بغداد، بهدف “التوجه إلى سامراء بحثاً عن سرمد مزاحم، كونهُ من أهالي القضاء، (40 كم جنوب مدينة تكريت)، في شهر تشرين الثاني من عام 2014، في وقت كانت صلاح الدين تشهد قتالاً عنيفاً بين القوات الأمنية والحشد الشعبي من جهة، وتنظيم داعش الذي سيطر على اغلب مدن المحافظة، (170 كم شمال العاصمة بغداد)”.
ويوضح المصدر، “الغريب أن جمال لم يكن يملك مالاً كثيراً ولا حتى هاتفاً نقالاً ليتواصل به مع سرمد، فنزل في سامراء بعد أن استقل حافلة مملوءة بالجنود الملتحقين إلى ثكناتهم هنالك، وباتَ يومه الأول بالمدينة، حيث لم تفلح محاولته الأولى للاتصال بسرمد من هاتف أحد المارين، إذ كان رقمه خارج التغطية، فأضطر المبيت في حضرة الإمامين العسكريين ، بذريعة انه زائر لا يمكنه الرجوع إلى بغداد بسبب تأخر الوقت”.
ويواصل المصدر الاستخباري، أن “جمال خرج في اليوم التالي من العتبة العسكرية وراح يسأل بطريقة غير مباشرة، عن كيفية الوصول إلى قضاء الدور، (25 كم شرق تكريت)، بكونه تحت سيطرة (داعش)، إذ اتخذ هذا القرار بعد أن يأس من لقاء مزاحم”، كاشفاً أن “جمال نجح بالفعل في إيجاد وسيلة توصله إلى مبتغاه، وهي عبارة عن عجلة تحمل خضروات وبقوليات ذاهبة إلى كركوك عبر طريق نيسمي، حيث ترجل من على مسافة 5 كم من ساحة الرايات، مفرق قضاء الدور”.
ويبيّن المصدر، أن “جمال وبعد أن وصل إلى الساحة، استفسر من أحد عناصر داعش المتواجدين فيها ضمن مفرزة عن كيفية إيجاد سرمد مزاحم، فأوقفه واستجوبه عن كيفية وصوله، وبعد أن شرح لهم ذلك، قامت المفرزة بمناداة ما يدعونه أمنية التنظيم، الذين جاءوا واحتجزوا جمال لمدة يومين في أحد البيوت للتأكد من صحة روايته، لينقل بعدها إلى مكان آخر بواسطة شخص يدعى أبو خلدون، وهو ما يسمى بـ”أمير الجلام” في صلاح الدين”.
يذكر أن أبا خلدون، من قادة التنظيم وينتمي لعائلة الخليفة “المزعوم” البغدادي، وشقيق الإرهابي المدعو هيثم السبع، المُشارك بعملية تفجير مرقد الإمامين العسكريين.
ويؤكد ألمصدر، أن “أبا خلدون قام بتسليم جمال إلى بيت شرعي الدور المدعو أبو حفص، الذي بدأ بدون تردد بالخطوات الأولى لتجنيده من خلال دروس سريعة بالشريعة والسنّة، وأهمية إعادة الخلافة الإسلامية، وخلال 48 ساعة بدأ جمال باستيعاب فكرة الانتماء للتنظيم، فقام أبو حفص بتسليمه إلى مسؤول المضافات بقضاء الدور، المدعو أبو فاطمة، الذي اسكنه في إحدى المضافات لمدة ثلاثة أيام”، موضحاً أن “جمال أصر بعد ذلك على إيصاله لسرمد، فأخذ إلى مساعد إداري ولاية صلاح الدين، المدعو أبو عبد الله، حيث أن الأمير الإداري لولاية صلاح الدين يدعى أبو رياض، ومقرهم حينها في تكريت”.
ويتابع المصدر الاستخباري، أنه “بعد الاتصال بسرمد من قبل مساعد إداري صلاح الدين، المدعو أبو عبد الله، كونه يعمل إدارياً لمنطقة جزيرة سامراء، تعرف على جمال، وأوصى به إلى حين المجيء لأخذه، فأرجعوه من تكريت وسلموه إلى إداري مجمع الدور السكني، المدعو أبو أحمد، حيث كان أحد أهم مقار التجمع بالتنظيم”، ويستطرد أنه “بعد أربعة أيام جاء سرمد مزاحم، وكنيته بالتنظيم أبو غيث، ومعهُ شرعي منطقة الجزيرة، المدعو أبو خطاب، الذي أخذ من جمال البيعة للبغدادي لاحقاً، وأعطاه كنية جديدة، هي أبو طلحة”.
التورط مع داعش
بدوره يقول جمال، الذي بات يعرف بأبي طلحة، إن “اللقاء مع سرمد كان حميمياً، حيث زالت مخاوفي خاصةً بعد أن عرفت أن شقيق سرمد، المدعو سعد مزاحم، وكنيته أبو معاذ، هو نفسه أمير منطقة الجزيرة، وبعد وصولي لمنطقة الجزيرة، وتحديداً قاطع السدة، بقيت لمدة أسبوع في إحدى المضافات للراحة بعد التعب والقلق الذي عانيت منه على مدى أيام عدة، وبعدها دخلت في دروس التدريب البدني والشريعة والتعلم على أنواع السلاح”.
ويذكر جمال، أن “التنظيم قرر، نتيجة عدم وجود معسكرات للتدريب ومضافات كافية تسع كل الإرهابيين الموجودين، أن أكون ضمن ما يسمى الإعلام العسكري لقاطع الجزيرة، وهو منصب من الصعب الحصول عليه في مدة قياسية قصيرة”، مضيفاً أن “أمراً صدر من قيادات التنظيم بضرورة إكمال تدريب العناصر الجديدة بشأن الأمور الشرعية والعسكرية فجاء أحد الناقلين ويدعى أبو ياسر، لأخذ العناصر الجديدة البالغ عددها 18 شخصاً إلى أحد المعسكرات في تكريت، وبالفعل تم أخذنا بعجلة نوع كوستر نيسان، وأثناء الطريق مررنا بأهم منطقة في تكريت وهي حي القادسية، حيث التقيت عن طريق الصدفة ، بما يسمى أمير القادسية، المدعو أبو ياسين، واسمه طلال السامرائي، الهارب من سجن التسفيرات مسبقاً، الذي قُتِل فيما بعد أثناء اقتحام تكريت من قبل القوات المشتركة”.
ويشير أبو طلحة، إلى أن “أبا ياسين أصرّ على بقاء العناصر الجديدة في حي القادسية لحاجة القاطع لعناصر تعزيزية على الرغم من عدم رضا العناصر، فتم توزيعهم على نقاط مرابطة أمام جامعة تكريت لمدة 35 يوماً مستمرة، وفي تلك الأثناء لم تحدث أي اشتباكات أو قصف”.
ويذكر جمال، أن “التنظيم كان يوزع المأكل والمشرب وكفالة تُقدر بـ150 دولار شهرياً فضلاً عن الكفالة الطبية، في حال احتاج أي عنصر لذلك، خاصةً أن الكثير من الأطباء والممرضين كانوا مع التنظيم سواء من أهالي تكريت أم من خارجها، حيث كانوا يباشرون العمل في مستشفى تكريت العام”، ويؤكد أنه “لم يكن بالبداية مقتنعاً تماماً بما يجري، لكن بمرور الوقت تولدت لديه القناعة الكاملة بأن انتماءه لداعش هو الخيار الصحيح لخوض الحرب مع الدولة الإسلامية ضد الروافض، خاصةً أن الشرعيين يستعملون آياتٍ قرآنية وأحاديث نبوية وأساليب اقناع لتثبيت العقيدة العدائية لأي شخص لا ينتمي لهم”.
ويوضح أبو طلحة، أن “الشرعي الذي كان الأكثر تأثيراً فيه هو المدعو أبو صهيب، وهو عراقي الجنسية، والذي كان عدائياً جداً لكل الأطراف وذا أسلوب مقنع”، كاشفاً أن “أبا صهيب كان آخر من يتكلم مع الذين يذهبون لتفجير أنفسهم بسيارات مفخخة، حيث كانت الكلمات الحاضرة دائماً عنده هي، إعلاء كلمة الله”.
ويتابع جمال، أنه “خلال سنة وإلى حين اعتقالي، كنت دائماً بالخطوط الأمامية إما بالمرابطات وإما بتصوير المعارك، بينما كانت هناك إجازات للعناصر المنتمين للتنظيم لمدة أسبوع إلى عشرين يوماً، مع اخذ حصة من الغاز والطحين والكفالة الشهرية المادية”، ويستطرد أن “بقائي بالمرابطة طال في حي القادسية، إلا أن جاء عسكري حي القادسية المدعو أبو النور، وهو عراقي الجنسية، حيث أن 95% من قيادات سامراء والدور والجزيرة وتكريت كانوا من العراقيين باستثناء الانتحاريين”.
مجزرة سبايكر
ويقول أبو طلحة، “تحدثت مع أبي نور عسكري حي القادسية، لإرجاعي إلى وضعي السابق كإعلامي لقاطع الجزيرة، فوعدني أن يأخذ لي موعداً مع أمير الإعلام في صلاح الدين، المدعو أبو ماريا، وهو عراقي الجنسية، تولد 1987، ومقره قضاء الدور”.
ويضيف، أن “أبا ماريا واثنين آخرين أحدهم يدعى أبو الحارث، عراقي الجنسية، قُتِل فيما بعد والثالث كنيته خباب، عراقي أيضاً، تحول فيما بعد إلى شرعي بتكريت، كانوا هم من صوروا جريمة سبايكر، التي كان أبرز شخص فيها من العرب ويدعى أبو عمر السوري، مسؤول عن الدفاع الجوي بالعملية بسلاح أحادية نوع 23 ملم، في حين كان المسؤول عن العملية كلها المدعو أبو نبيل، والي صلاح الدين السابق، وهو نفسه الذي قاد غزوة سامراء الأولى”.
ويكشف أبو طلحة، أن “المشتركين الآخرين هم كل من المدعو أبو عبد العظيم، أمني تكريت الذي كان يعدم فوق النهر، والمدعو ناصر امونة، وأبو عبد الهادي، بما يسمى قاضي تكريت، والمدعو أبو جعفر، الذي كان ينفذ بملابس رياضية، وإرهابي آخر يدعى أبو الجيس، وهو أحد عناصر أمنية تكريت”، ويؤكد أن “العدد الكلي لضحايا سبايكر قد يصل إلى قرابة الأربعة آلاف، في حين يبلغ عدد الذين نفذوا الجريمة قرابة الـ150 إرهابياً اجتمعوا في القصور الرئاسية بتكريت قبل تنفيذ الجريمة”.
الاقتناع بالانتحار والشعور بـ”الموت اختناقاً” قبل الانفجار
ويبيّن أبو طلحة، أن “أبا ماريا جاء بنفسه إلى تكريت بعد حادثة سبايكر وتحديداً إلى حي القادسية مما أثار عجب عسكري حي القادسية المدعو أبو نور، لمكانة أبي ماريا بالتنظيم، ما دل على أهمية وضعي كوني أتحلى بذاكرة حديدية وإمكانية عالية بالتصوير بالإضافة إلى امتلاكي جرأة واضحة”، ويضيف أن “أبا ماريا وعد بنقلي مرةً أخرى للإعلام لكن بعد أخذ الموافقة من المدعو سعد ابو عبد الله، عراقي الجنسية، من أهالي منطقة الخالدية بالأنبار، إلا أن عسكري منطقة حي القادسية عارض نقلي إلى الإعلام وتوعدني بقتل الرِدة إذا كررت طلبي لأمير الإعلام، لكن أبا ماريا تدخل وحل الإشكال ونقلني مجدداً إلى الإعلام في قاطع الجزيرة”.
ويشير جمال، الى أنه “قرر أن أكون انتحارياً في احدى الغزوات عن قناعة تامة وليس بتأثير الضغط العائلي السابق، بعد أن أرسل لتصوير إحدى الغزوات والتقى بالانتحاريين الذين يسميهم التنظيم بالاستشهاديين وعايشهم لأكثر من أسبوع بعد تأخر الغزوة لأسباب فنية”، ويؤكد أن “الانتحاريين وهم كل من أبو الوليد، لبناني الجنسية، وأبو عمر، سعودي الجنسية، وأبو مصعب، سوري الجنسية، وأبو بكر، سوري الجنسية، وأبو القعقاع، سوري الجنسية، وأبو المنذر، سوري الجنسية، وأبو عمر، عراقي الجنسية، وأبو بكر، عراقي الجنسية، وكلهم من مواليد التسعينات من القرن الماضي، أقنعوه خلال تلك المدة، بأن الدنيا زائلة أولاً وأخيراً وأن لنا الجنان والحور العين”.
ويتابع أبو طلحة، أن “انتظار الانتحاريين طال بسبب تأخر مجيء مسؤول التصوير الجوي من الموصل المدعو، أبو دجانة، عراقي الجنسية، لأن الأوامر كانت تقضي بتصوير العملية من الجو”، ويكشف أنه “اقتنع بفكرة الشهادة وركب مع احد الانتحاريين في احدى العجلات المفخخة نوع BMB عسكرية، والتي انطلقت من جزيرة سامراء باتجاه قطعات عسكرية”.
ويؤكد أبوطلحة، أن “الخوف قد تملكه لحظة انطلاق العجلة المفخخة، إلى حد الشعور بالموت اختناقاً من هول الموقف، حتى جاءت المفاجأة حين تعطلت العجلة، وتراجع قائد العجلة المدعو أبو الوليد اللبناني عن التنفيذ، ليتم سحبهم من قبل التنظيم إلى الجزيرة، فيما نفذ بقية الانتحاريين عملياتهم”.
توبيخ ووعود بشأن كبير
ويواصل جمال، “بعدها عدت لعملي في الإعلام بعد أن حظيت بسمعة أكبر لدى التنظيم الذي لم تعلم قياداته، بأنني قاربت على الموت خوفاً، حيث أرسل في طلبي أمير الإعلام، ابو ماريا بعد يومين من الحادثة، ووبخني على تصرفي وحذرني من تكرارها قائلاً: أنت عنصر جيد جداً ولديك مستقبل بالتنظيم لما تملكه من ذكاء وذاكرة ووجه غير مألوف، بالإضافة إلى أن الانتحاريين عناصر متواجدة دائماً في أي وقت فلا تكن غبياً إلى هذه الدرجة”، متابعاً “اعتبرت ذلك الحديث كنصيحة، وقد توالت بعد ذلك الغزوات في مناطق مختلفة من صلاح الدين خاصة ضمن قاطع الجزيرة والجلام، فقمت بتصوير إحدى غزوات سُوَر شناز التاريخي الذي كان يُعد خط صد بين القوات الأمنية وداعش”.
ويذكر أبو طلحة، أن “العملية كانت تَضم انتحاريين أثنين احدهما تركي والآخر عراقي في يومها انفجر العراقي فقط في حين انسحب التركي، ويدعى أبو القعقاع، في آخر لحظة بسبب الكثافة النارية للقوات الأمنية على المحور الذي أراد الدخول مِنْهُ”، ويبيّن أن “أمراً آخر جاء لتنفيذ غزوة جديدة بمنطقة سُوَر شناز أيضاً لأهمية المنطقة كونها تبعد 15 كم فقط عن مركز مدينة سامراء، وفي هذه الغزوة انفجر ثلاثة انتحاريين يستقلون عجلات مفخخة، وهم عراقيون كما أن إطلاقة قناص من القوات الأمنية قتلت الإعلامي الآخر الذي كان معي ويدعى، أبو صكر، عراقي الجنسية، حيث انسحبنا بعدها إلى قضاء الدور”.
ويمضي أبو طلحة قائلاً، لقد “اشتركت بعد تلك الغزوة بأخرى على منطقة مكيشيفة، مع قوات خاصة تم تشكيلها في تكريت بإمرة أمير حي القادسية المدعو طلال أبو ياسين، تضم اقتحاميين عراقيين حيث توحدت تلك القوة مع أخرى تم تحضيرها في مكيشيفة من قبل المُلا، وبعد سؤالنا عن المُلا اتضح أنه إبراهيم السبعاوي، ابن اخو صدام حسين، ويشغل منصب أمير مكيشيفة”، ويضيف أنه “تم أخذ قاطع مكيشيفة بعد أن فجر أربعة انتحاريين بعجلات مختلفة الأنواع أنفسهم في القاطع، بعدها توالت الاشتباكات مع القوات الأمنية وكان واجبي كإعلامي هو تصويرها”.
حصار مكيشيفة
ويقول جمال، أن “تقدم القوات الأمنية نحو تكريت جعلنا محاصرين مع خمسين عنصراً من داعش في منطقة مكيشيفة، حيث تمكنا من الانسحاب بأعجوبة إلى منطقة الحجاج عبر زوارق من جهة ناحية العلم التي تحررت مسبقاً، وكانت خطوة خطيرة جداً”.
ويلفت أبو طلحة، إلى أنه “بقي في منطقة الحجاج 38 يوماً دون ظهور أو تحرك كون ذلك يعني القتل المباشر من قبل الطلعات الجوية، واعتمد خلال تلك المدة على المحاصيل الزراعية للمنطقة، بعد محاصرتها وعدم إمكانية الاعتماد على أي شخص أو عائلة أو مضافة”، ويكشف أن “التنظيم نجح في سحب العناصر المحاصرة في منطقة الحجاج إلى بيجي عبر طريق طوله 10 كم، هو أخطر الطرق، بعد أن قام أمير تكريت المدعو أبو مهند، بإرسال انتحاريين أثنين يرتديان حزامين ناسفين ويستقلان عجلتين مفخختين مصفحتين لتفجير الجسر الرابط بين تكريت والعلم لإلهاء القوات الأمنية، وتم في اثر ذلك انسحابنا مع حدود 200 عنصر باتجاه بيجي”.
وفي بيجي كما يقول أبو طلحة، “فقد تم تنظيم العناصر المنسحبة وتوزيعها من جديد، حيث شارك في إحدى غزوات السيطرة على المصفى بشكل كامل، فبعد أن كان التنظيم يسيطر على 70% من المصفى، سيطر بعدها عليه تماماً وبدأت بالاختلاط مع العناصر الجديدة لأن بيجي تختلف عن تكريت والدور والجزيرة وسامراء، وتضم ما يسمون بالمهاجرين، حيث كان أمير بيجي تونسي الجنسية يدعى أبو أنس، أصيب بعد ذلك إصابة بالغة بفعل الضربات الجوية للتحالف، كما كان هناك الشيشانيون والأتراك والأوربيون”، ويوضح أنه “رأى شخصاً أميركياً من نيويورك وكتيبة من الكرد السوريين ومن قازغستان وطاجكستان وأفغانستان، وكان دخولهم للأراضي العراقية يتم بسهولة عن طريق تركيا ثم سوريا ثم العراق”، ويؤكد أن “المهاجرين يختلفون عن غيرهم كونهم يأتون ولا يذهبون أبداً إلا أن يموتوا، خاصةً أن التنظيم كان يسيطر على أراضي شاسعة في نينوى وصلاح الدين والأنبار”.
السيطرة على مصفى بيجي
وبالعودة للحديث عن مصفى بيجي وكيفية السيطرة عليه من قبل التنظيم، يقول أبو طلحة، إن “طريق الإمداد للتنظيم كان مقطوعاً بين المصفى ومحطة الطاقة الكهربائية لوجود قطعات عسكرية في القاطع الجنوبي من المصفى، فقام التنظيم بإعداد ما أسموها غزوة المصفى بإمرة شخص يدعى أبو حسن، من أهالي الأنبار، برفقة 20 انتحارياً تقريباً”، ويضيف أنه على الرغم من “القصف العنيف للتحالف عبر الطائرات المسيّرة إلا أن الغزوة نجحت بالوصول إلى البوابة الجنوبية بعد أن فجر احدهم نفسه داخل الثكنة وهو سوري الجنسية، في حين تمكن الباقون من السيطرة عليها وهم من جنسيات مختلفة بينهم بريطاني وطاجيكستاني وأتراك وعرب، حيث قتل قائد الغزوة أبو حسن”.
ويذكر أبو طلحة، أن “داعش أراد بعد ذلك توسيع طريق الإمداد فقام بالتحرك من قرية البو جواري الملاصقة للمصفى عن طريق تجهيز آلية نوع ثقيلة (شفل) مصفحة مفخخة منصوب عليها أحادية، بفتح الثغرة الأخيرة بالمصفى، وبالفعل تم ذلك بعد أن انفجر الانتحاري وأصبح المصفى كله تقريباً تحت سيطرة التنظيم، في حين كانت تصور جميع تلك العمليات، من قبله وبمساعدة أبي صكر وأبي الزبير وأبي ادريس وأبي عكرمة وأبي شعيب، وكلهم عراقيون ضمن إعلام صلاح الدين”.
ويضيف أبو طلحة، أن “التنظيم يعتمد بنحو كبير جداً على الإعلام لدوره البالغ في الإقناع والترغيب والترهيب، فعناصر التنظيم يكونون أمام الكاميرا متماسكين وبمجرد أن ينتهي التصوير يهرب الكثير منهم بل وبعضهم يبكي خوفاً من شدة الاشتباكات، لأنهم أولاً وأخيراً بشر يَشْعُرون بالخوف في أية لحظة”.
ويبين جمال، أن “بقاءه في مصفى بيجي استمر لأكثر من شهر، وسط ظروف صعبة وخطورة كبيرة بسبب القصف المكثف، حيث كان الرباط والمنام دائماً تحت أنابيب المصفى، إلى أن قُصف المصفى في أحد الأيام بنحو عنيف جداً أدى إلى موت أو إصابة الكثير من العناصر وكنت من ضمنهم، فتم سحبي معهم إلى الموصل للتداوي في إحدى المضافات المخصصة لتطبيب الجرحى، حيث استقبلت من قبل ما تسمى كتيبة عمر أبن الخطاب، وهم من العرب والأجانب، الطاجيكستانيين والقوقاز وأذربيجانيين والأوزبكستانيين، الذين يُعتبرون من أشرس المقاتلين بالتنظيم، وكانت تربطني معهم علاقات جيدة”، ويوضح لقد “بقيت في الموصل لأكثر من ثلاثة أسابيع وكانت محطة راحة جيدة جداً تختلف عن مدن صلاح الدين فالحياة كانت طبيعية والأخطار تَكاد لا تُذكر”.
ويتابع أبو طلحة، بعد أن “تحسنت حالتي الصحية رجعت إلى المُضافة الأصلية في منطقة الدبس التي انسحب لها أغلب العناصر الذين كانوا في الدور والجزيرة وتكريت، وبمجرد وصولي قدمت طلباً لنقلي من ولاية صلاح الدين إلى ولاية نينوى متعذراً بالحالة الصحية من جانب، والخلافات مع بعض عناصر التنظيم من جانب آخر، بسبب تقرب القيادات لي، إلا أن أمير إعلام ولاية صلاح الدين، أبو ماريا، رفض الطلب لكنه أبقاني في مضافة الإعلام بقاطع الدبس لتولي مهام النسخ والطبع الخاص بإصدارات التنظيم، إلى أن جاء في أحد الأيام والي صلاح الدين الجديد حين ذاك، ويدعى أبو زيد العفري، برفقته الشيخ أبو عمر الشيشاني، حيث سلم على كل الموجودين بالمضافة لكنه اهتم بي بنحو خاص وسألني عن أحوالي وكان يتكلم بالعربي الفصيح، بعدها التقطنا صورة فوتوغرافية وذهب، حيث انتابني شعور غريب حينها فالشيشاني يُعد من أهم قيادات الصف الأول بالتنظيم وأحسست أن مجيئهم للمضافة كان بهدف إعطائي دافعاً معنوياً للاستمرار بالعمل مع التنظيم”.
ويكمل أبو طلحة، “بعدها التقيت بأبي ماريا وشرحت له الموقف فتبسم وفرح وقال ألم أقل لك مسبقاً سيكون لَكَ شأن في التنظيم، فتراجعت عن طلب النقل لولاية نينوى واستمر عملي بالمضافة الخاصة بالإعلام، إلا أن الخوف تملكني من جديد خاصة مع كثرة الطلعات الجوية، التي جعلتني أصاب بالإغماء كلما سمعت صوت طائرة”.
ويزيد جمال، لقد “طالبت مجدداً بنقلي لولاية نينوى من خلال تقديم الطلب مباشرة إلى الوالي المدعو أبو زيد العفري، فغضب غضباً شديداً، وقال: أنا نادم لكوني أرسلتك للعلاج بالموصل، حيث طردني وأرجعني إلى بيجي التي كانت تشهد اشتباكات وقصفاً عنيفاً جداً، حيث بقيت أربعة أيام ومرضت مرضاً شديداً بحيث لم أعد أقوى على الوقوف بسبب التمزقات العضلية، فأعادوني للدبس لكن بنفسية ومعنويات منهارة، وأمسيت أسمع كلاماً مغايراً لما كنت اسمعه”.
خوض تجربة الانتحار مجدداً والسقوط بقبضة استخبارات الاتحادية
ويقول أبوطلحة، “اتخذت قراراً بتقديم طلب للانتقال مع كتيبة الانتحاريين، وبالفعل تم قبول الطلب ونقلي إلى مضافة الانتحاريين بمنطقة الصينية، حيث بقيت شهراً كاملاً انتظر دوري في ركوب المفخخة”، ويبين “كان بالمضافة الكثير من الانتحاريين العراقيين والعرب والأجانب، أبرزهم عبد الرحمن الطاجيكي، وأبو عبد الحميد الطاجيكي، وأبو إسلام المغربي، وأبو اليمان المصري، وأبو ذَر التركي، وأبو القاسم لبناني، و عبد الرحمن الشيشاني، وأبو بلال الأردني، وأبو حسن الشامي”.
ويضيف أبو طلحة، أن “التنظيم كثف خلال ذلك الشهر المحاضرات الشرعية وكان ممنوعاً علينا الاختلاط والخروج إلا بمحيط المُضافة، إلى أن جاء دوري بعملية خطط لها للتنفيذ في قاطع مكيشيفة، فتم سحبي مع انتحاري آخر عراقي الجنسية يدعى ابو بهاء، إلى الموصل للقاء المشرف عليها، وهو المدعو أبو همام البدري، الذي يشغل منصب أمير مدينة سامراء، وتم اللقاء به لشرح العملية التي كان من أولوياتها أن ينفذها عراقيون، لأن العجلة عبارة عن شاحنة (تريلة) مفخخة بشكل سري، وكان من المفترض أن تدخل إلى آخر نقطة ممكن العبور لها عِبرَ الطريق العادي مروراً بنقاط التفتيش بحجة نقل حاصودة إلى قاطع مكيشيفة”.
أبو طلحة وأبو بهاء لم يكونا على علم بأن لدى منظومة استخبارات الشرطة الاتحادية معلومات مسبقة عن نية التنظيم إدخال عجلة مفخخة، فحدد فريق العمل الذي بقي مرابطاً في مكيشيفة لأكثر من أسبوعين الانتحاريين، وقاما باختلاق مشاجرة بين سائقي سيارتين فتوقف السير لمدة ربع ساعة تقريباً، وبمجرد أن نزل الانتحاريان من عجلتهما لمعرفة سبب توقف السير، القي القبض عليهما وتم سحبهما، وإفراغ المنطقة من الناس وتفجير (التريلة) تحت السيطرة، كما يؤكد المصدر الاستخباري.
ويختم أبوطلحة، أن “تفجير (التريلة) تحت سيطرة الاستخبارات أوهم التنظيم بنجاح التنفيذ، حيث نشر التنظيم بياناً وصوراً سابقة لي ولأبي بهاء، عن مكان وزمان التنفيذ دون أن يعرفوا إننا تعاونا مع الاستخبارات بكشف كل ما نعرفه عنهم بالأسماء والأماكن”.

رابط مختصر